خالد محمد جزماتي: الضابط الوطني العربي الأسطورة فوزي القاوقجي

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏٣‏ أشخاص‏الضابط الوطني العربي الأسطورة: فوزي القاوقجي

الذي ارتبط اسمه مع الثوار الحمويين والعرب ضد المستعمرين

1890-1977

اعداد خالد محمد جزماتي

في النصف الثاني من القرن التاسع عشر احتدم الصراع الدولي حول كثير من المواضيع الملحة وخاصة ما يُطرح حول مصير الدولة العثمانية وولاياتها في البلقان والقوقاز والأراضي العربية الشاسعة. وهكذا حدثت حرب "القرم" بين العثمانيين يدعمهم الانكليز والفرنسيين ضد روسيا القيصرية الطامعة بالمضائق عن طريق تفكيك الدولة العثمانية.وذلك من عام 1853 الى العام 1856م .

وفي عام 1877 (أثناء حكم السلطان عبد الحميد الثاني) قامت الحرب مرة أخرى بين العثمانيين والروس، خسرت بموجبها الدولة التركية كثيرا من الأراضي في البلقان وفي القوقاز، وأيضا حصل البريطانيون على جزيرة قبرص بدون قتال.

وفي العام 1882 احتلت بريطانيا مصر وفرنسا تونس، ولاحت أطماع الطليان في طرابلس الغرب وهكذا تتابعب الكوارث على الدولة العثمانية، فبدأت الأصوات الوطنية ترتفع طالبة الاصلاح.

في هذه الأجواء المحلية والاقليمية والدولية المعقدة وُلد فوزي القاوقجي عام 1890 في مدينة طرابلس الشام، وترعرع فيها، ثم غادرت عائلته الى الأستانة حيث أتم دراسته فيها، ثم انتسب الى الكلية الحربية فيها وتخرج ضابطا برتبة ملازم في سلاح الخيالة (الفرسان).

ولا بد من التنويه أن التلميذ الضابط فوزي القاوقجي لفت أنظار مدربيه في تمارين الفروسية وحسن أداؤه على جواده الذي أتقن معه جميع المهارات العسكرية. وبعد تخرجه تم تعيينه في الفيلق المتمركز في ولاية الموصل العراقية وتسلم مهمته في كتيبة الفرسان، وبسرعة مذهلة أصبح الأول في كتيبته، وحتى على جميع الرتب، فأُعجب به قائد الفيلق "أسعد بك"، وحدى به الى تكليفه بالذهاب الى مضارب قبيلة "شمّر" لتحصيل الضرائب المتوجبة عليها.

وكانت قبيلة شمّر تقوم بالاغارة على غيرها من القبائل وتنهب منهم ما تيسر وكانت جميع القبائل المتواجدة في المنطقة تخشى بأس قبيلة شمّر مثل قبيلة "الجبور" التي غزتها شمّر مرارا ونهبت أنعامها وأرزاقها ، فقام الملازم فوزي القاوقجي بالسيطرة على الموقف هناك وفرض الأمن على الجميع تارة بالقوة وتارة بالحنكة والسياسة، وهكذا استرجع من شمّر جميع المنهوبات وأعادها الى أصحابها، فذاع صيته واسمه في طول البلاد وعرضها، وتوعد شيخ عشيرة شمّر المدعو "محمد المطلق" فوزي القاوقجي شرا، فقال له افعل ما شئت فقد قمت بواجبي.

وفي أثناء اقامته بالموصل بدأت الاتصالات بين الضباط العرب، والزعماء المدنيين، لاستشراف الموقف السياسي المطلوب اتخاذه لما يحدث من أحداث تمس الدولة العثمانية ومستقبلها، وخاصة أن الاتحاديين استولوا على السلطات جميعها وبدؤوا بحملة التتريك والظن بالضباط العرب بأسوأ الظنون.

وفي تلك الفترة تعرف القاوقجي على رجل له نشاط سياسي وصلات برجال يعملون على نهضة العرب ومقاومة حملة التتريك يدعى "سعيد الحاج ثابت"، فعرفه على نقيب أشراف الموصل الذي قال للقاوقجي بأن نسبه شريف، فعائلته تنمي من جهة الأب الى النسب الحسني، ومن جهة الأم الى النسب العُمري، وهذا القول تطابق مع ما قاله والده في رسالة أرسلها وحثه فيها على التمسك بالاقدام والشجاعة، والتمسك بمكارم الأخلاق، لأن غير ذلك يُسيء الى نسبه الشريف، وهذا الأمر زاد القاوقجي اعتدادا بالنفس، والشوق دوما الى المغامرة، ولو فيها المخاطر القاتلة.

وبعد انتهاء حرب البلقان عام 1913، أصاب العثمانيون الانهاك، وتفاصيل ذلك محزنة جدا اذا قرأناها، وما أطل عام 1914 الا وتبددت ملامح يتوقع من خلالها حربا ضروسا. وهكذا نشبت الحرب العالمية الأولى بين دول المحور المتمثلة بألمانيا والنمسا وتركيا وبلغاريا، والحلفاء بدوله بريطانيا وفرنسا وايطاليا وغبرها من الدول.

في هذه الأجواء الحربية قرعت منزل فوزي القاوقجي امرأة كبيرة في السن ذات هيبة ظاهرة، فسألها عن حاجتها، فطلبت منه الدخول لشرح ما تريده، فأدخلها منزله، فأخبرته بأنها زوجة شيخ مشايخ قبيلة "الدليم" (نرجس القعود) السجين لدى والي الموصل، وطلبت منه أن ينتخي له ويعمل على انقاذه واخلاء سبيله، فوعدها خيرا. فقصد صديقه سعيد أفندي السابق ذكره والذي أصبح بعد اعلان الحرب مدعيا عاما في ديوان الحرب العرفي، وحكى له قصة المرأة وزوجها شيخ مشايخ الدليم ، فأمهله صديقه بعض الوقت ليضطلع على الاضبارة، فتبين له أن الشيخ محكوم غليه بالاعددام، لعداوته للدولة العلية وقتله ضابطا تركيا وبعض جنوده، ولا يمكن مساعدته.

فقام فوزي القاوقجي بمقابلة والي الموصل الدعو "سليمان نظيف بك"، ورجاه بالافراج عن شيخ "الدليم" وشرح له بجرأة تعجب منها الوالي نفسه عن فائدة ذلك لأن هذا الشيخ له أنصار في جميع أرجاء العراق وعند مختلف القبائل، وهذا سيساعد الدولة العثمانية على سد النقص في الرجال والعتاد من أجل صد الهجوم الانكليزي على العراق الذي بدؤوه باحتلالهم لمدينة البصرة.

فاقتنع الوالي بحديث القاوقجي، وعمل على استصدار مرسوم العفو من الأستانة بسرعة مذهلة. وهذا ما جعل سمعة القاوقجي تنتشر في الاّفاق، ثم عبر عن ولائه للدولة بالذهاب الى الجبهة في جنوب العراق، حيث قاتل ببسالة، وأدى ذلك الى جرحه جرحا متوسطا تم نقله بسببه الى مستشفى بغداد.

ولما تماثل للشفاء، أمر مراسله "شهاب الدلبي"، بتجهيز جواده الذي يحب، وغادر المستشفى بحجة الالتحاق بكتيبته، ولكنه غادر مع مراسله قاصدا حلب عن طريق الموصل فارسا وحاملا بعض الرسائل العملياتية السياسية الى زعماء العرب الذين يعملون في السر. فعلم أن أكثرهم قد اعتقلهم جمال باشا، فتم تمزيق الرسائل خوفا من أن تقع تحت يد أحد الجواسيس المتعاملة مع جمال باشا من العرب أو غيرهم.

وتابع من حلب الى صوفر مع مراسله واجتمع مع جمال باشا، محاولا اقناعه بحسن نيته وبرغبته الشديدة بمحاربة الانكليز، فضحك جمال باشا بسرور بالغ، وأصدر أمره بتعيينه في جبهة "بئر السبع - غزة" حيث وصلها في أوائل أيار 1916.

وقام بمهمات الكشف والاستطلاع بنجاح عظيم أثار انتباه القادة الألمان المتواجدين في الجبهة، وعلى رأسهم الضابط "فون لايزر" الذي أنقذ القاوقجي من بطش جمال باشا لما قرر ذلك، وسافر الى استامبول تاركا الجبهة، حيث قابل أنور باشا لابعاد جمال باشا السفاح عن فوزي القاوقجي، وتم له ذلك ونجا بفضل تلك المساعي.

وبعد انهيار الجبهة الحنوبية، و أوامر الانسحاب تتوالى للجيش الرابع العثماني. وفي تلك الانسحابات حدث أمر في غاية الأهمية، وكأن حياة القاوقجي أوقفت للمفاجئات الغريبة. ففي يوم 22 ايلول 1918 تلقت وحدته أمرا بالانسحاب الى درعا، ومتضمنا أمرا شديدا بعدم الاشتباك مع الانكليز أو الجيش العربي أبدا، ومهما كانت الظروف، وفي هذا الانسحاب رصد فوزي القاوقجي معركة حامية تدور بين كوكبة من الجنود الأتراك لا يتجاوز عددها ال 70 مقاتلا، وتعمل القيادة البريطانية على أسرهم.

فطلب القاوقجي من قائد الفيلق التركي المنسحب التدخل وانقاذ الكوكبة التركية، فرفض القائد طلبه بشدة ، فأصر فوزي القاوقجي على طلبه وانتشر الخبر بين قادة الكتائب المنسحبة، فأيد بقية القادة طلب القاوقجي، فأذعن قائد الفيلق لذلك وكلف القوقجي بذلك، فدارت معركة قادها القاوقجي، ودمر مدفعية الانكليز وأسر بعضهم ، وأنقذ الكوكبة التركية. وهنا المفاجأة الكبرى، فقد كانت تلك الكوكبة تضم هيئة قيادة الجيشين السابع والثامن التركيين، وان أبرز من فيها هم:

مصطفى كمال باشا والألماني "فون فالكن هوس" ونصوح البخاري، فما كان من مصطفى كمال الا أن عين فوزي القاوقجي قائدا للفرقة وقال له: "انك لم تخلص قادة الجيش العثماني فحسب بل أنقذت شرف الجيش، وان عملك هذا يجب أن يكون قدوة لضباطنا كافة".

ولما وصل دمشق، بدأت القوات العربية بدخول دمشق وأيضا قوات الجنرال اللنبي وذلك بتاريخ 1 ايلول 1918، فغادرها فوزي القاوقجي متخفيا الى جبال لبنان ثم وصل الى بلده طرابلس الشام بتاريخ 16 تشرين الأول 1918 بعد أن اجتاز صعوبات تفاصيلها تكاد لا تصدق.

بعد عدة أيام قدم الى طرابلس الأمير فيصل بن الحسين، فاستقبله مفتيها الشيخ عبد الحميد كرامي بحفاوة كبيرة، وسأل الحاضرين عن فوزي القاوقجي وغيره من الضباط الذين حاربوا مع الأتراك حتى النهاية، وبوجوب دعوتهم للحضور للقائه، فلبى النداء فوزي القاوقجي واّخران معه، فحضروا مجلس الأمير وحيوه التحية العسكرية، فرد التحية بأحسن منها وطلب منهم الالتحاق بجيشهم الجديد والاسهام في حماية البلد ونسيان الماضي.

فلبوا النداء وسافروا الى دمشق، وهناك قابل فوزي القاوقجي ياسين باشا الهاشمي رئيس مجلس الشورى الحربي، فاستقبله بحفاوة عظيمة و أصدر أمر بتعيينه في الشعبة الثالثة من ديوان الشورى الحربي، والهاشمي كان من الوطنيين الصادقين، فلما قامت ثورة العشرين في العراق ضد الانكليز أمد الثوار بالمال والسلاح، فغضب منه الانكليز وقاموا باعتقاله بطريقة دنيئة حقيرة ونقلوه سرا الى سجن الرملة بفلسطين ، ثم عاد بعد النفي وتسلم ادارة دمشق أثناء انذار غورو.

بعث الملك فيصل وراء فوزي القاوقجي وكلفه بقيادة سريته وأخرى سرية رشاشات لمقارعة الجيش الفرنسي، وبالتعاون مع فرسان البدو التابعين لنوري الشعلان و ولده فواز الذين خذلاه وما كان همهما الا الاستيلاء على جياد وأسلحة سرية فوزي القاوقجي، وفي 23 تموز أغارت طائرتان افرنسيتان على قوات القوقجي، فتصدى لهم بالرشاشات فأصابهما، فسقطت واحدة وأسر طيارها ومعاونه وانسحبت الأخرى وهي مصابة واستولى على ما لدي الطيار من وثائق، وكان اسم الطيار "الكابتن دنكلوجين".

ولما انتهت معركة "ميسلون" توجه القاوقجي الى قصر الملك فيصل لحمايته، ولما غادر الملك فيصل دمشق، جاء الكابتن الطيار الفرنسي الذي أسره فوزي القاوقجي، فاعتقل فوزي وقال له أنت اليوم أسيري، وكل من في القصر.

وبعد فترة قصيرة أرسل القومندام الفرنسي وراء فوزي القاوقجي، وهو يجلس على كرسي الملك فيصل في قصر المملكة المنهارة وخاطبه قائلا: ان الفرنسيين لا يبغون بالعرب الا الخير ويريدون التعاون مع رجالات البلاد في ادارتها، وأقنعه بالعودة الى الجيش والتعاون معهم، فقبل القاوقجي وفي نفسه أشياء كثيرة يبيتها للفرنسيين.

فتم تعيينه اّمرا لسرية الخيالة في مدينة "حماة"، وبعد ذلك جرت مصادمات بينه وبين القادة الفرنسيين حول تعديل رتبته، فأصر على رتبة "الكابتن" وأصروا هم على رتبة "الملازم" فرفض. ودارت الأيام وجرت المناورات التدريبية، ففازت سريته بالدرجة الأولى في جميع أنواع المناورات والتدريبات مما حدى القادة الفرنسيون الكبار على تثبيته برتبة كابتن "نقيب".

وفي مدينة "حماة" كان المستشار الفرنسي "ميك" من أقسى الضباط الفرنسيين على أهل حماة وريفها ولقد أعدم منهم الكثيرين لتعاونهم مع ثورة الشيخ صالح العلي، ومن هؤلاء الشهيد حمدو الجلاغي، كامل حمدو الباكير مختار قرية الربيعة، وابراهيم العليوي الحسن شيخ عشائر السماطيين.

وأيضا ما كان بعض جنوده يمارسونه بشكل يومي مع أهل حماة  كل ذلك كان يترك أثرا هائلا لدى نفس فوزي القاوقجي، ويحثه على الشروع بالتعرف على رجال مدينة حماة وريفها مبيتا أمرا يعمل من أجله انتقاما لبني جلدته من المحتلين الأجانب.

وهكذا بدأ بالتعرف على أعضاء النادي الأدبي المشكل في مدينة حماة عام 1922، وعلى أعيان البلد بشكل عام ومثقفيهم بشكل خاص أذكر منهم المجاهد "سعيد الترمانيني" والأستاذ "عثمان الحوراني" والدكتور "توفيق الشيشكلي" والدكتور "صالح قنباز" والدكتور "محمد علي الشواف" و "عبد الرحيم الغزي" و "عمر يحيى" والشاعر "بدر الدين الحامد" والدكتور "خالد الخطيب" و "نوري الكيلاني" و "عبد القادر الكيلاني" و "نجيب البرازي" و فريد العظم و الشيخ "محمد سعيد النعسان" و الشيخ "طاهر النعسان" و "قدري الكيلاني" و "أحمد الوتار" و "عز الدين الحريري" .وخالد مراد اّغا، وعشرات من وجهاء البلد ومشايخها كالشيخ "سعيد الجابي" وأمثاله.

وتعرف أيضا على كثير من الناس البسطاء الذين يمكن تهيئتهم للقيام بالأعمال البطولية والسريعة بدون نقاش أو جدل، ولا ينسى القاوقجي بعض رجالات حماة الأشاوس كالقائد "سعيد العاص" و "عبد القادر مليشو" و "مصطفى عاشور" و "محمد الحبال" و "عدية القويدر" و "سطوف البشري" و الحاج "محمد طهماز" ..الخ.

وبدأ يهيأ الجو للثورة بدراسة محكمة حتى تكونت في حماة ثلاث فئات مختلفة الرأي:

الرأي الأول وهم الثوار ودعاة العمل العسكري ضد المحتلين.

الرأي الثاني الذي يقول بعدم صلاحية المدينة لاشعال الثورة فيها ، والأفضل القيام بالثورة في الأرياف.

الرأي الثالث ، وهم الذين يشككون في شخصية فوزي القاوقجي وهم قلة.

وكان القاوقجي على صلة مع قائد الثورة السورية الكبرى سلطان باشا الأطرش، حيث قام الصحفي الحموي "منير الريس" والمجاهد مظهر السباعي بحمل الرسائل من فوزي القاوقجي الى سلطان باشا الأطرش بهدف التنسيق بينهما و اختيار أحسن الأوقات لاعلان الثورة في حماة، فتم الاتفاق على اعلانها يوم 2 تشرين الأول، ولكنها أُجلت لأسباب عدة منها:

تم تكليف المجاهد "مصطفى عاشور" بالمرابطة مع مجموعة من المجاهدين في المناطق التالية بمدينة حماة: بستان العدسة (الحاضر الصغير الآن) أمام خان العسكر (خان رستم باشا)، فلما راى أن لاشيء يستره انسحب بقرار من عنده الى بستان (أم الحسن) بدون اعلام قيادة الثورة.

الخطأ الثاني: تم تكليف الشهيد "عبد القادر مليشو" بقطع أسلاك الهاتف جميعها لمنع أي طلب دعم عسكري من قياداتهم، فقام بقطع جميع الأسلاك الا واحدا نسوه، وهو خط محطة القطار.

وفي مساء الاحد 4 تشرين الأول تم اعلان الثورة في حماة، وبأت المعارك باحتلال جميع مخافر الشرطة، ثم دار الحكومة. وبدأ تساقط الشهداء، و انهالت قذائف المدفعية على المدينة، فدمرت أكثر من مائة دكانا وتضررت الأسواق بشدة، و استشهد أكثر من ثلاثمائة انسان، و استشهد الوطني الكبير "صالح قنباز"، وكان وقع ذلك كبيرا على الحمويين وعلى المثقفين العرب بشكل عام.

وانسحب القاوقجي ومئات المجاهدين الى الأرياف بعد فشل الثورة، وتابع القاوقجي مسيرته الجهادية فتابع القتال مع كثير من مجاهدي حماة كـ "سعيد العاص" و "عبد القادر مليشو" و جميل العلواني و منير الريس و علاء الدين الكيلاني و حسن القطان و الدكتور خالد الخطيب و سعيد الترمانيني.ومحمد علي الشواف وسطوف البشري وغيرهم

وطبعا فشلت ثورة حماة لأسباب كثيرة لا سبيل لسردها كما كتبها القاوقجي في مذكراته في هذا المقال ، ولكن ثورة حماة كانت سببا رئيسيا في استمرار الثورة السورية الكبرى في جبل العرب وفي غوطة دمشق.

ولقد تابع فوزي القاوقجي عمله الثوري، وقاد ثورة الغوطة بعد أن أوكل الوطنيون أمر قيادتها، وأبلى بلاءً حسنا، ولكن القوة غلبت الشجاعة، وكانت اّخر معركة خاضها القاوقجي يوم 1 أيار 1927 اذ باغتته وأصحابه في منطقة الصفاء وبدأت بقصفهم جميعا فقاوموها وأسقطوا منها ثلاث طائرات.

ولخص فوزي القاوقجي رأيه بفشل الثورة السورية الكبرى بقوله:

1- اختلاف زعمائنا ، الذي بدا بينهم ثم انتقل وانتشر في ميادين الثورة ففرق الثوار.

2- استسلام الأمير عبد الكريم الخطابي في الريف المغربي مما مكن الفرنسيين من ارسال النجدات الكبيرة الى سورية حتى بلغ مجموع القوات 95 ألفا.

بعد ذلك سافر الى الاردن وفي نفسه مقابلة الرجال من الثوار لاعادة تنظيم الثورة، فلم يُفلح بذلك ، فقصد القاهرة وقابل الكثيرين من الزعماء السوررين وعلى رأسهم الدكتور عبد الرحمن الشهبندر و أديب الخير وغيرهما، وحاول تقريب وجهات النظر فلم يستطع الى ذلك سبيلا. وطبعا يكثُر التلاوم عند الخسران في أمر ما كالثورات، أي عند الفشل، أما عند النصر، فتذوب الخلافات ذوبانا عجيبا وينسى المنتصرون أخطاء بعضهم البعض.

وهكذا لم يجد فوزي القاوقجي مكانا يلتجأ اليه سوى المملكة العربية السعودية الدولة الناشئة فسافر اليها بحرا، بعد أن مهد له ذلك الأمير شكيب أرسلان، ولما وصل الى السعودية وقابل الملك عبد العزيز، فرحب به ودارت أحاديث بحضور شكيب أرسلان، وهنا تعجب فوزي القاوقجي من الملك عبد العزيز عندما تكلم عن دول العالم فذم أكثرها، فقال عن أمريكا (على ذمة القاوقجي):

"أما أمريكا فانها أمة تجارية لا تقدر على الحرب وما هي الا صوت وبطن خال، والله كأنها مربوطة أوصالها بخيطان من عنكبوت، ان انقطع خيط منها تفككت كلها عن بعضها".

وقال عن بريطانيا (القول للملك) وأما الانكليز والله انهم أقوى دولة وأأمن دولة، والله ما عاهدوني وخانوا ولا أوعدوني وأخلفوا، وهم أهل كتاب، والله اني ما أقدمت على عمل الا استشرتهم به قبل الاقدام، والله ما غشوني يوم وهم ينصحونني في كل يوم".

بعد ذلك قام مع نبيه العظمة بانشاء مديرية الأمور العسكرية وادارتها، وشكل فوجين الأول للمدفعية والثاني للرشاشات. ثم أتبع ذلك بتشكيل فوج للمشاة، وأشرف على تدريب الجيش السعودي على أحدث الطرق المعروفة، ومع ذلك لا حقه الذين يحسدونه ويغارون منه، وبدؤوا يدس الدسائس له عند السعوديين ، وهذا شأن كل مُبدع، أو بارز في شأن من شؤون الحياة.

وفي أواخر عام 1932 غادر القاوقجي السعودية الى مصر ثم العراق، حيث استقبله الملك فيصل الأول بحفاوة منقطعة النظير، وأصبح يتحدث اليه دائما ويسأله عن تفاصيل أحداث الثورة السورية، والسؤال الاّخر كان عن المملكة العربية السعودية وأوضاعها المختلفة.

وعرض العراقيون على فوزي القاوقجي كثيرا من الوظائف التي رفضها كلها، فبادر رئيس أركان الجيش العراقي يومئذ "طه باشا الهاشمي" بتسميته أستاذا للفروسية في المدرسة الحربية الملكية برتبة رئيس (نقيب). وأثناء وجوده في بغداد كان الملك فيصل يطلبه دائما للتحدث معه، وقد صرح القاوقجي في مذكراته أن الملك فيصل قبل بخطة وضعها القاوقجي لاشعال الثورة من جديد في سورية بدعم عراقي كامل، بعد ثبوت تورط الفرنسيين بدعمهم للآشوريين للقيام بثورة جرت أحداثها غربي الموصل وراح ضحيتها الآلاف.

وفي 25 اّب 1936 قاد فوزي القاوقجي بعض المتطوعين العرب من العراق وعبر بهم بادية الشام بأعجوبة وتسلل الى فلسطين مجتازا جميع نقاط مراقبة الفرنسيين والانكليز ودخل فلسطين، ورابط في مثلث نابلس وجنين هو وقواته .وأعلن أنه قائدا للثورة في سورية الجنوبية، فجاءه المتطوعون بالمئات من مختلف المدن السورية، وبلغ عدد المتطوعين من حي الميدان الدمشقي لوحده أكثر 600 متطوع، كثيرا منهم ذي خبرة اكتسبوها في الثورة السورية، وبمثل هؤلاء الأبطال خاض القاوقجي بهم معركة "بلعا" ضد الانكليز وهزمهم شر هزيمة وأوقع منه قتلى وجرحى كثُر.

وانتصر عليهم مرة اخرى في ايلول وهزمهم، ثم فك الحصار عن قواته، وهاجم الانكليز في معركة ابلين وهزمهم. ولكن قام الانكليز بالاستعانة بحاكم الاردن والقاهرة والرياض وقاموا بالضغط على المفتي امين الحسيني لانهاء الاضراب، فامتثل لطلبهم، وهكذا انتهت الأمور مرة أخرى، وطلبوا منه مغادرة فلسطين مع جنوده فغادرها ولما وصل الى الحدود العراقية استولت السلطات البريطانية على اسلحتهم، ولكن الشعب العراقي استقبله وجنوده أروع استقبال.

وفي العام 1941 اتيحت للقاوقجي فرصة العمل الثوري مرة اخرى باشتراكه المثير بثورة رشيد عالي الكيلاني في العراق على الانكليز، وأيضا كان لتواجد المفتي أمين الحسين أثره في الثورة العراقية، فقد تنادى المجاهدين العرب للمجيء للعراق، فهب الوطنيون العرب من كل الأقطار العربية، والتحق عثمان الحوراني (الحموي) مع جماعته بفوزي القاوقجي، وشارك كثير من ابناء مدينة حماة في تلك الثورة ومن الذين أذكر التحاقهم:

السيد نخلة كلاس والدكتور جمال الأتاسي والأستاذ ساطع الحصري ومجموعة كبيرة من الفلسطينيين على رأسهم الشهيد عبد القادر الحسيني.

ولما تم اخماد ثورة رشيد عالي الكيلاني قاد فوزي القاوقجي مجموعة من المتطوعين العرب سوريين وعراقيين ومصريين وفلسطينيين حارب بهم الانكليز في غرب العراق وكبدهم خسائر فادحة، وانتقل غربا، فتصدت له الطائرات الحربية وقصفت سيارته، وأُصيب اصابات بالغة تم نقله الى حلب، ثم أسعفوه الى مستشفى برلين بألمانيا.

وأُجريت له عدة عمليات جراحية خطيرة استخرجوا له 19 رصاصة من جسده، وبقيت واحدة في رأسه غير مؤذية بوجودها الى وفاته. وفي ألمانيا اكتشف القاوقجي نوايا الألمان والطليان بأن تكون ايطاليا مهيمنة على الأراضي العربية. وهذا ما جعله حذرا فيما يطلبه الألمان منه، وهذه النقطة كانت خلافا رئيسيا بينه وبين المفتي أمين الحسيني.

وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية ودخول السوفييت برلين تم اعتقاله وزوجته ومرافقه لمدة شهر، ثم أُطلق سراحه ، واستطاع الافلات نهائيا وغادر الى باريس ثم الى القاهرة، ومنها اتجه الى لبنان، فمسقط رأسه طرابلس، حيث استقبل فيها استقبالا حافلا منقطع النظير.

وبتاريخ 12 اّذار 1947 سافر الى دمشق فاستقبله الرئيس القوتلي وأنزله ضيفا على الحكومة في أفخر الفنادق وتداول معه الأوضاع الفلسطينية، وكان مجلس الجامعة العربية منعقدا في "عاليه" فتقدم القاوقجي للمجلس باقتراح تشكيل قوة من المتطوعين العرب وتدريبهم للوقوف في وجه عمليات الاستيطان اليهودية، فوافق المجلس على اقتراحه فأسندت الى العميد طه الهاشمي (عراقي) مسؤولية التسليح والى السيد عزة دروزة مسؤولية جمع الاعانات، والى فوزي القاوقجي مسؤولية قيادة المتطوعين وتدريبهم في قطنا السورية.

وفي هذه العجالة لا بد لي من التكلم عما جرى في مدينة حماة ولو بشكل ملخص، فقد بدأ النشاط في جميع المدن السورية وتنادى مجلس النواب السوري الى عقد جلسة طارئة، دامت حتى الفجر تطوع فيها للقتال في فلسطين أربعون نائبا، ولكن الذين نفذوا وعودهم كانوا ثلاثة نواب فقط هم: أكرم الحوراني من حماة و الدكتور عبد السلام العجيلي من الرقة و السيد غالب عياشي نائب ادلب.

المهم تشكلت لجنة أهلية رئيسية في مدينة حماة لتنظيم التطوع في جيش الانقاذ واجتمع أعيان البلد ووجهائها في مدرسة دار العلم والتربية، فوقف الشيخ الجليل "محمد الحامد" مرتجلا خطبة رائعة أيد فيه العمل التطوعي للجهاد في فلسطين، ثم تم تشكيل اللجنة الرئيسية لذلك الغرض من السادة:

مفتي حماة الشيخ محمد سعيد النعسان - الشيخ محمد الحامد نائب - حماة أكرم الحوراني - الخوري عيس - الحاج أحمد السبع - الحاج خالد مراد اّغا - السيد محمد نور حميدان - السيد عبد الحسيب الشيخ سعيد - الصيدلي عبد الحميد قنباز - السيد جميل نيربية - عثمان الحوراني - خالد طيفور - الشيخ علي العثمان - فريز بشارة - عبد الرحيم الشقفة - عبد الحميد الخاني.

ثم تشكلت في أحياء المدينة لجان فرعية لتسهيل عملية التطوع، وبادر الشباب الحموي الى التطوع ولا مجال لذكر الأسماء الرائعة من جميع فئات حماة الاجتماعية، وغادروا حماة وأجمل الأهازيج تودعهم، مع العلم أن المتطوعين جهزوا سلاحهم وذخيرتهم من مالهم الخاص وهناك قصص رائعة حول تلك الأمور، كالتي حدثت مع "محي الدين البرازي" أبو حازم، حيث باع عدة محل النجارة التي يملكها واشترى بارودة مع طلقات عددها قليل ، وبدأ تدريب جيش الانقاذ في معسكرات قطنا.

ثم دخلوا فلسطين وخاضوا معارك مشرفة هزموا فيها الصهاينة المستوطنين والانكليز في عدة معارك، منها معركة جدين، وقاد فوج اليرموك الأول المقدم محمد صفا، أما فوج اليرموك الثاني فقاده المقدم أديب الشيشكلي.

وآخر معركة خاضها جيش الانقاذ بقيادة فوزي القاوقجي وساعد فيها الجيش السوري واللبناني هي معركة المالكية يوم 8 حزيران 1948.

ثم بدأت الأوامر بتسريح جيش الانقاذ، وغادر فوزي القاوقجي الساحة العسكرية حزينا على ضياع فلسطين، وهو الأعرف بالأسباب الحقيقية لضياع فلسطين.

عاش فوزي القاوقجي في بيروت فقيرا حتى توفي فيها سنة 1977، وتم نقل جثمانه الى مدينته طرابلس حيث دُفن فيها.