في (الحرب) أينَ السّوريّون من "المخطّطات" و الاتّجاهات و "المشاريع"..؟

    كتب الدكتور بهجت سليمانأ بهجت سليمان في مكتبه:

     
    1▪︎ أثبتت الحرب الدائرة في سوريّة للسّنة العاشرة على التّوالي، مفاهيم جديدة حول الثّبات النّسبيّ و التّغيّر المطلق لمُحدّدات الدّولة الحديثة و المعاصرة، على اعتبار أنّ مفهوم الدّولة الذي جاء مع العنف الحداثيّ و ما قبل الحداثيّ، إنّما كان على التّحديد، مفهوماً متبايناً و غير طبيعيّ، و أنّه قد انفرض على المجتمعات المعاصرة بالقوّة و العنف، و هو ما يؤكّد رأينا التّقليديّ حول أنّ مفهوم المعطيات العامّة للدّولة الحديثة، إنّما كان مفهوماً عسفيّاً جاءت به محصّلات صراع القوى، بحيث سيطرت على مجالاته و فضاءاته نماذج للتّحكم يقع جذرها في سفوح نظريّة القوّة و القوّة الغاشمة و غير الأخلاقيّة، و يمتدّ في طريقه حتّى قيعان العنف.
    2▪︎ هنا نتذكّر كلّاً من (توماس هوبز) و (مونتسكيو) في شروط انعقاد طوق الدّولة أكثر ممّا تثبتُها مضامين ( جان جاك روسو) في النّظريّة الاجتماعيّة و السّياسيّة. دائماً، كان العنف يقع في جذر البنى الاجتماعيّة و السّياسيّة، و هو ما يُسوّغ، بحضور و باستمرار، تلك الحركيّة الاجتماعيّة في توزّع القوى و الطّبقات و الفئات، و يجعلها تأخذ صورتها الدّيناميكيّة المستمرّة ضدّ "النّظريّات" السّياسيّة التي غالباً ما أجهضتها و فرّغتها من مضامينها حركة الواقع الحيّ، و التي هي تتبع الإنسان الفرد و مغاليقه التّكوينيّة أكثر ممّا تتبع ثباته و استقرار نعوته و مشاريعه الحضاريّة المزعومة ، لصالح النّزعة البشريّة في القوّة و المنفلتة من كلّ ثبات أو تعوّد أو عادات.
    لا شيء حتّى الآن يبدو غريباً. فنحن أمام تلك الظّاهرة التي إسمها الإنسان، و هي ظاهرة تزداد تركيباً و تعقيداً ، بقدر ما تزداد مجهوليّة، و ذلك بقدر ما أنّ "العلوم" و المعطيات المتاحة لتحديده، هي قاصرة على الدّوام.

    3▪︎ و ما ينطبق على حركيّة توزّع التّخوم الاجتماعيّة و السّياسيّة وفق (ماكس فيبر)، في المجتمع الواحد و الدّولة الواحدة، في غمز من مفهوم الطّبقات و الفئات الاجتماعيّة، الماركسيّ، و في نسف عمليّ له؛ إنّما ينطبق على العلاقات العالميّة ما بين القوى في الصّراع على الأفكار و المصالح، بقدر ما ينطبق، في الوقت عينه، على آليّة تلك التّغيّرات الخالدة خلود الظّاهرة البشريّة، في المجتمع الواحد و الدّولة الواحدة و الشّخص الواحد، أيضاً.
    4▪︎منذ التّكوّنات الأولى للدّولة في سورية الحديثة، و كذلك في سورية المعاصرة، "المستقلّة"؛ فقد رافقها، بدايةً، أوضاعٌ ليست "طبيعيّة"، فرضتها توازنات القوّة في اللحظة المفتعلة بفعل الغلبة التّاريخيّة التي كانت في الأصل قد قامت على شروط غير مستقرّة إثر قيام "دولة الإسلام"؛ و هو ما أسّس إلى جملة من المعطيات المتغيّرة التي لن يكون ممكناً استقرارها إلّا بمعالجة جميع علل و مسوّغات و شروط و ظروف بدايات التّأسيس المتعلّقة بالدّين و العرق و الطّائفة و الأقلّيّة و الأكثريّة.. إلخ؛ الأمر الذي يعلّل الكثير من صراعات اليوم، بقدر ما يُعلّل الصّراعات مع وعلى وفي سورية، و هو السّبب الذي يجعلنا نفهم عمق التّأثيرات التّركيّة و الإيرانيّة في المشهد السّوريّ، على الأقلّ.. في إطار مكننة الصّراعات الأخيرة، و يُعلّل في الوقت نفسه، دور الدّول الكبرى في هذا الصّراع، كمراقِب و موجِّه و محدِّد و شارط في إذكاء بعض جوانب هذا الصّراع أو في الحدّ من تأثيرات بعضه الآخر أيضاً، و دوماً بالقوّة و الاستضعاف.
    5▪︎ إنّ من أسوأ أنواع المقاربات التي تحاول قول الجديد في الحرب السّوريّة، هي تلك النّاجمة عن خلفيّة أكاديميّة محضة و خرقاء. هنا يُصبح للحديث مناخٌ غيبيٌّ بقدر ما هي النّظريّات الموضوعة للحفظ تمثّل شروطاً عامّة و إطاريّةٍ خالصة للتّفكير المجرّد البائس في إطار المحفوظات.
    6▪︎ ثمّة من الظّاهرات، كدولة مثل سورية، ما هو دائم التّغيّر و عصيّ على الثّبات، تبعاً لجملة من الافتعالات التّأسيسيّة قلنا بعضها الأهمّ، أعلاه، و يُضاف، هنا، إليه، كون سورية، بطبيعتها الجغرافيّة و التّاريخيّة، واقعة في مفترق قارّات و حضارات و قوى، قلقة، و قلق أيضاً. هذا الأمر يجب أن يكون مأخوذاً بالاعتبار منذ "بدايات" قديمة – حديثة نسبيّاً، يحتاج تحديدها إلى دراسات.. و هو ما بقي كعنصر قلَقٍ و إقلاق دائمٍ و متجدّد باستمرار؛ و هذه الحرب تعبير واحد عنه فقط.
    و يُضاف إلى ذلك، طبيعة السّوريين ذوي الطّموحات المتداخلة و غير المستقرّة تبعاً لعدم واحديّة أو استقرار الأصول، و تبعاً لسهولة تحريك الكامن من العواطف في الجذور الاجتماعيّة و السّياسيّة، إلى درجة تستطيع معها تلك العواطف من أن تُعيد باستمرار ذاكرة و ذكريات التأسيس.
    7▪︎ هنالك في سورية جملة من عدم الإنجاز التّاريخيّ. ثقافة غير ناجزة؛ و أيديولوجيا غي ناجزة؛ و مجتمع غير ناجز، و جماعات غير ناجزة، و إثنيّات غير ناجزة، بل و حتّى ملل ونحل غير ناجزة، أيضاً ؛ و دولة غير ناجزة، و معرفة غير ناجزة، وثقافة غير ناجزة، و سياسات وطنيّة غير ناجزة (تجريبيّة)، و ظروف إقليميّة غير محسومة بوضوح بالنّسبة إلينا، مع أنّ من البديهي أن تكون محسومة في رؤوس أصحابها فوق كلّ تصوّراتنا الجاهلة عليها. و حتّى ما هو من قبيل التّوهّم في مدى نجوزه، كالفئات الاجتماعيّة و بعض الأطياف و الأفكار و القناعات، هو الآخر غير ناجز..
    8▪︎ و قد أكّدت هذه الحرب واقعة عدم النّضوج و عدم الثّبات في خطوط الطول و العرض الطّائفيّة و الجغرافيّة و العرقيّة و غيرها، جرّاء ما عشناه جميعاً من "مفاجآت"..
    الاصطفافات و الاستقطابات غير المعلّلة إلّا بالمصالح الفرديّة المطلقة.. فحولَ الهدف الواحد كانت مكوّنات الحرب تنقسم في الأسرة الواحدة، ناهيك عن انقساماتها في داخل الفئة الواحدة و الطّائفة الواحدة و الدّين الواحد و الجغرافيا الواحدة..و في ما بين الشّخص الواحد نفسه، أحيانا، تبعاً لانقسام مصالحه المتبدّلة و المتغيّرة باستمرار.
    و ربّما كان الجشع الفرديّ وراء الكثير من الوقائع و الظّواهر غير المفهومة، هذا مع أنّه مقياسٌ لا يُمكن مطلقاً إثباته، مع واقعيّته، و هو ما يزيد التّعقيد إلى الأمر و يجعل منه خارج أطر البديهيّات.
    9▪︎ لا يُمكن لأحد الادّعاء بإحاطته الكاملة بالظّروف التي عاصرناها في ظلّ الحرب السّوريّة الأخيرة؛ هذا مع أنّ هنالك من التّحليلات ما هو أقرب إلى "الواقع" و أبعد عن "المحفوظات" و "النّظريّات" و الأوهام، و عن محاولات الأستذة و التأستذ الفارغ في التّحليل و الدّراسة و التّوقيع!
    و قليلون، بل و قليلون جدّاً.. من ذاقوا مرارة هذه الحرب بآلامها اليوميّة التي لا تخطر على بال الكثيرين، و رغم ذلك ظلوا يتمتّعون أيضاً بأفق و تجربة و قدرة و خبرة و دافع.. في النّقد و التّحليل.
    10▪︎ الفساد و التّعصّب و الكراهيّة.. و لغة الاستشراق و غير ذلك.. ربّما أنّها جميعها لا تقول شيئاً أمام ما هو قائم من إشكالات هي أصلاً قائمةٌ في الشّرط الأوّل للتّحليل.
    و من الضّروريّ البحث عن لغة أخرى في النّقد السّياسيّ ليسَت موبوءة بتقاليد الحفَظَةِ السّهلة و التي دخلت مجالات العادات المقبولة عند شريحة واسعة من المثقّفين، و هو أمرٌ بحدّ ذاته يجعل من مؤامرة الواقع و التّاريخ على الوعي و الإدراك.. مؤامرة منغلقة على ذاتها حتّى اليوم، على رغم كلّ ما فجّرتْه الحرب من حاجات معرفيّة و مسؤوليّات سياسيّة ضاغطة.
    ويبدو أنّنا في سورية، نحتاج بعد هذه الحرب وقبل نهايتها، إلى أن نتعلّم الدّرس التّاريخيّ الضّروريّ و المعاصر، الكفيل بتجاوز إمكانيّات و ظروف استعادة هذه التّجربة المريرة، و رفضها إن هي فُرِضَتْ علينا عن طريق "الخطأ" أو الصّدفة.. لمن يتوهّم أو يظنّ!؟
    إنّ تراكم الطّريق.. لا بدّ أن يُفضي إلى مكانٍ من المكانات، و الأنكى هو عندما لا يكون هناك مخطّط واضح على الطّريق، أو على وجهة السّير، و أقلّه على الاتّجاهات.

    عدد الزيارات
    14370912

    Please publish modules in offcanvas position.