أوراق تاريخيّة "اجتماعيّة" و سياسيّة علنيّة و مُتجَاهَلَة لمشروع "حرب سوريّة " طويلة- ح1

أ بهجت سليمان في مكتبهكتب الدكتور بهجت سليمان

 1▪︎ أظهر "العقد الأول" للحرب السورية، في ما أعادنا إليه، أنّ الحرب لم تكن مجرّد مخطّط خارجيّ و حسب. و هي و أن كانت كذلك فعلاً، فإنّه ليسَ ذلك فقط، بل و لا يمكن أن تكون كذلك ما لم يكن قد قام على تخديمها جملة من عوامل داخليّة تاريخيّة، جرى و يجري إهمال بحثها و الوقوف عليها، بدافع الجهل الإعلاميّ و الثّقافيّ السّوريين، أو السّكوت الشّاذّ و المنحرف عن حقائق ثابتة، و بدافع الخطاب الأيديولوجيّ البرّانيّ، و ذلك بقدر ما اتّسعت فرصة "الحرب" نفسها بالنّسبة إلى كثيرين في الدّاخل و في الإقليم و العالم.
2▪︎ فقدّمت هذه الحرب أكثر من إثبات في الواقع و الفكر و المعرفة، أنّ (سورية)، و لجملة من الأسباب - سنتناولها بالتّفصيل، في "حلقات" قادمة - كانت مهيّأة في تاريخها الحديث و المعاصر لتكون ملعباً لهذه الحرب، مع كلّ التّداخلات الأخرى التي جعلت من الواقع السّوريّ؛ و بعيداً عن كلّ النّظريات السّياسيّة المشغولة من غير عناية، أو باستخفاف و بلاهة، أو بلؤم يُخفي الكثير.. بما فيها نظريّة الدّولة الوطنيّة و مشروعها، بعد الاستقلال عن الاستعمار الفرنسي، بوصفها لم تمتلك أدوات الوطنيّة و القوميّة المعاصرة التي سبقتنا إليها بشوط هائل، دول أوربا و أمريكا، كنموذج حداثيّ عالميّ، و بعد أن أحدثت بالتّالي هذه الأخيرة قطيعتها السّياسيّة العمليّة (الاستعماريّة) مع الدّولة الوطنيّة السّوريّة (و العربيّة)، القطريّة، على وجه العموم؛ جعلتْ من الواقع السّوريّ تمدّداً غير مُنْبَتٍّ عن ماض قريب..

3▪︎ و هو ما أكّد عمى هذه "النّظريات" عن إحاطتها بالواقع السوريّ بعد مجرّد النّهاية النّظريّة لما نسمّيه الاحتلال العثمانيّ، بما في ذلك سوء الطّويّة التي مارسته بعض النّظريّات الأخرى، أو غفْلتُها، و ذلك ممّا رشّحت نفسها لقيادة الدّولة القطريّة..
و هو ما تشابه و يتشابه في مختلف الأقطار العربيّة، في المغرب و المشرق، في كونه مشروعاً أو مشاريع تجزيئيّة أو تقبل و تقرّ بواقع التّجزئة تحقيقاً لمصالح "نخبويّة" ذات مشاريع خاصّة، لا يمكن إلّا أن تكون مشاريع مرتبطة بالخارج، بالأجنبيّ، و لو بأشكال مختلفة.
4▪︎و على عكس المطروح في أدبيّات المثقّفين السّوريين و "المتعلّمين" تعليماً عالياً تقليدياً، فإنّ أصل المعضلة التّاريخيّة الحديثة و المعاصرة، إنّما هو في موروث ما يُسمّى المجتمع و الدّولة في (سورية)، منذ ما قبلِ الحرب، و ليس في تزعزع كلٍّ منهما "المفاجئ"! و هو ما عزّز خصوبة المعطيات التّاريخيّة للحرب، و هذا ما لا يجرؤ الكثيرون على قوله، و كأنّه قد حُكم علينا ترديد الآخرين، و ذلك مهما كان، أولئك، الآخرون، أغبياءَ أو محدودين أو حتّى متآمرين و خونة و مرتبطين خارج البلاد و موظّفين و مرتزِقةً و غير مؤطّرين وطنيّاً أو لا يمكنهم أن يكونوا كذلك، بفعل البنيويّة و الوظيفيّة الخاصّتين الّلتين رافقتاهم في تاريخ التّكوين التّاريخيّ، و على الأخصّ الحديث و المعاصر.
5▪︎ و عندما لم يُحقّق السّوريّون لا مجتمعاً تاريخيّاً و لا دولة حديثة أو معاصرة، كان من الطّبيعيّ أن ينكص المجتمع و الدّولة في البنى الجوهريّة لكلّ منهما ، فإذا بالمجتمع جماعات و مصالح و بنيات منغلقة و انقسامات و عداوات مغلّفة بشعارات الإخاء الدّينيّة الإسلاميّة، مع ما يستميل من هذه الشّعاراتِ مكوّناتِ "المجتمع" التّقليديّ الذي شوّهته الانتماءات العاطفيّة الدّينيّة التّاريخيّة و الارتباطات الحداثيّة و المعاصرة بالمصالح الماليّة و الثّروة، و خارج أيّ مفهوم منتج للاقتصاد؛ و هو بدوره ما جعل كلّا من "إسم المجتمع" و "إسم الدّولة" و "إسم الفرد الاجتماعيّ"، منتجاتٍ تمهيديّة لهذه الحرب.

6▪︎ ظهرت بوادر التّخلّف الوطنيّ السّوريّ منذ ما قبل عهد "الاستقلال"، و بُعيدَ انهيار الدّولة العثمانيّة الاستعماريّة، و قبيل خروج الاستعمار الفرنسيّ، و انهيار "المشروع السّوريّ" القطريّ و أعني في فترة "ثلاثينيات" القرن العشرين الميلاديّ، و نشاط المشاريع السّوريّة الانقساميّة في ولاءات القوى البورجوازيّة الذيليّة المزدوجة، و بالأحرى الثّلاثيّة.. للعراق (الهاشميّ) و السّعوديّة (الوهّابيّة) و تركيا (العثمانيّة)، على مختلف ما يُمثّلون من " رجعيّات" تاريخيّة، هذا مع أنّ الجميع كانوا لا يزالون غير مستقلّين عن مصالح فرنسا و بريطانيا المستعمِرتين.. و غيرهما من دول الاستعمار العالميّ الحديث.
7▪︎و حيث جرى تغييب الشّارع الثّوريّ البسيط عن حقائق هذه الولاءات و الانقسامات، استطاعت تلك القوى السّياسيّة و الماليّة و المتموّلة و الارتزاقيّة "الرّائدة" أن تمسحَ شخصيّة الوطنيّة السّوريّة عند الكثيرين من السّكّان السّوريين، بدوافع مختلفة، و لكنّ أهمّها كانت دوافع العاطفيّة الإسلاميّة و التي تدور جميعها في فلك عاطفة "الخلافة الإسلاميّة" المنقرضة، و ذلك بأنواع الاستمالات إلى المرجعيّات الأساسيّة "الأربع" المذكورة أعلاه، و هو ما ساعد على اضطهاد الوحدة الجغرافيّة السّوريّة المزوَّرة التي أنتجتها (سايكس – بيكو)، فسُلِخَ (لبنان) عن سورية، ثم سُلِبَ (لواء اسكندرون) من سورية (فُصِلَ)، في عبثيّة سياسيّة و عبثٍ تاريخيّ جعل من تجزئة جغرافيا (سايكس – بيكو) القَزِمة، واقعاً قابلاً للتّجزئة الدّائمة و المستمرّة.. و مجزّأً من جديد.
8▪︎ إنّ الواقع السّوريّ "الحديث" المُعنِّد في أيديولوجيا "الخلافة" و "الاستعمار" و ما أنتجه ذلك من واقع قبَليّ و عنصريّ و طائفيّ و إثنيّ، و تشوُّهٍ جغرافيّ و "ثقافيّ".. جعل من "الخطاب السّوريّ" خطاباً مُجزّأً و مستحيلَ الانتظام في اتجاه واحد، و لا حتّى في اتّجاهات رئيسيّة مفهومة و "جريئة" و منفصلة و "مستقلّة" و واضحة..
9▪︎ و قد انعكس هذا في مجموعة أطرٍ "حداثيّة" لقيطة و هجينة و لا أخلاقيّة و وظيفيّة، و بصورة استلابيّة التهمت، على التوالي، بقايا ذلك الحاضر، فيما امتدّت إلى المستقبل أيضاً.

10▪︎ في فترةٍ "حداثيّة" قسريّة وجيزة و ضحلة لم تتجاوز ثلاثة عقود (1920- 1950م) كانت كافيةً لنضوج جميع المؤجَّل على نارٍ تاريخيّة هادئة من الأيديولوجيّات و الثّقافات الانقساميّة السّاكتة و المسكوت عليها، و المصالح المرتبطة بالخارج، أظهر الواقع السّوريّ قابليّاته و مهاراته المسعورة ليقدّم للتّاريخ المعاصر أسوأ قوى و خطابات و مشاريع و أبواق و سياسات المعاصرة المُشوِّهة و المُشوَّهَة و التي استمرّت حتّى اليوم، و تستمرّ، بآليّات و أدوات و نظريّات منها ما هو مباشر و صريح و رديء و متخلّف و وقح، و منها ما هو مُستَبطن و مُداور و كاذب و وضيع.. بحيث شكّل جميعه المقدّمات التّاريخيّة والأرضية الملائمة والبيئة المناسبة لهذه "الحرب" القذرة، و التي بدأنا مع "تباشيرها" منذ "ستّينيات" القرن العشرين الميلاديّ، على مراحل، و هي في ذروتها، أو تكاد.. اليوم.

** " الحرب السورية": تعني بالأساس، الحرب الدولية / الإقليمية / الأعرابية / على الدولة الوطنية السورية "شعبا وجيشا وأسدا"، بالتناغم مع تحريك وتشغيل المجاميع الإرهابية والارتزاقية والإجرامية المحلية.