أوراق تاريخيّة "اجتماعيّة" و سياسيّة علنيّة و مُتجَاهَلَة.. لمشروع "حرب سورية" طويلة- ح2

أ بهجت سليمان في دمشقكتب الدكتور بهجت سليمان:

11▪︎ دخلت سورية "حداثتها" في القرن العشرين الميلاديّ، اعتباراً من عام 1920م مع أوّل دستور للبلاد؛ غير أنّ السّاكنين كانوا محمّلين بإرث سيّء حملوه معهم عبر مئات السّنوات من الاحتلال العثمانيّ، و ذلك ليصطدم مشروع الدّولة أيضاً بتعطيل قوى القطع السّياسيّ المتواصل من المستعمرين الفرنسيين، لأعمال "الدّستور" الجديد، مباشرة، ما أفسح المجال للقوى الاجتماعيّة و السّياسيّة الرّجعيّة السّوريّة، بتغيير مواقعها بسرعة و أهليّة عالية، غير متأثّرة بهذه الفترة الحداثيّة الهجينة، تاركةً النّاسَ وراءها في جهلهم و حنينهم إلى دولة "الخلافة"، فيما طغت بوضوح الأيديولوجيا الدّينيّة الرّجعيّة، كثقافة عامّة و دين دولة و "مجتمع" (و بالأحرى، جماعات و قوى أهليّة عنيدة)، في الوقت الذي بدأت فيه تتشكّل طبقات و فئات "بورجوازيّة" كومبرادوريّة، تابعة و ذيليّة، و بورجوازيّات مدينيّة صغيرة على خلفيّة أخلاق "عثمنليّة" فلّاحيّة مشوّهة و مخلوطة ببقايا المتموّلين في ظلام ليل "العثمانيين" الطّويل.
12▪︎ لم تسمح ظروف المرحلة الاستعماريّة "المزدوجة" الجديدة، بقيام أيّ شكل من أشكال "الدّولة"، على رغم تخرّصات الكثيرين من الموهومين و البسطاء و الصغار من المثقّفين (و المفكّرين؟) السّوريين المعاصرين، بحديثهم عن "عهد برلمانيّ" في أربعينيات و خمسينيات عمر سورية في القرن العشرين.. و كأنّ الأمر لا يحتاج إلى أكثر من قرار و كلمات لخلق المجتمع المؤهّل لقنبلة "الحداثة المزعومة"، المدويّة، و كأنّ المسألة لا تحتاج إلى أكثر من "قرار" سياسيّ (ضوئيّ) و أسطوريّ لخلق دولة "الحداثة" التي لم تعرف منها سورية، في الحقيقة، سوى كلمات صادرة عن "معاصرين" بيننا اليومَ و هزيلين.
13▪︎ و حيث كانت سورية قد عرفت "الحياة الحزبيّة"، السّياسيّة، الشّكليّة و المبكّرة كمحاكاةٍ للأجنبيّ، و قد صنعها الأجنبيّ، إلى أن ظهر أيضاً "حزب البعث" منضمّاً إلى تلك "الحياة الحزبيّة" منذ أربعينيات القرن الماضي؛ فإنّ المفارقة السّاخرة قد ظهرت بوقاحة تاريخيّة أعربت عن جهل اجتماعيّ مزمن و ارتهان مبكّر لبيوتات المخابرات الأجنبيّة في سورية، إذ حصد حزب "الإخوان المسلمين" الرّجعيّ الدّينيّ من مقاعد برلمان انتخابات 1949م عدداً من المقاعد ( 4 )، ما يفوق عدد مقاعد جميع الأحزاب الأخرى ذات "السّمعة التّقدّميّة".. كالحزب الشيوعي السّوريّ و حزب البعث العربيّ الاشتراكيّ و الحزب السّوريّ القوميّ.
14▪︎ في الحقيقة كانت تلك "الأحزاب التّقدّميّة"، كأحزاب علمانيّة، على هامش الأحداث السّوريّة في تلك الفترة، و بقيت كذلك، إلى فترة طويلة مستقبليّة و قادمة لا نزال في "حِماها" حتّى اليوم.. في ظرف اجتماعيّ و سياسيّ أثبت التّعضّي الاجتماعيّ السّياسيّ، للفرد و الدّولة، في سورية، به، أنّه قابل للتّمدّد و تبديل قشرته في إطار الحركات الدّينيّة الطّائفيّة، و الرّجعيّة، و بأسمائها المختلفة، كـ "الإخوان"، و غيرهم من المحافظين و الرّجعيين، و هو ما حرم "قلّة"، على رغم عدم رسوخ وتجذر قيمها الوطنيّة و التّاريخيّة، من التّأثير الثّقافيّ و السّياسيّ التّجاوزيّ، حضاريّاً، بالسّاكنين و "المواطنين" السّوريين، على مدى طويل و حتّى اليوم.
15▪︎ هكذا حرم توزّع الولاءات و الجماعات "الحزبيّة" و "السّياسيّة" و "التّموّليّة".. و تشتّت الأفراد، مشروعَ الدّولة من الحضور، و ذلك قبل أن يحرم الفرد و المجتمع من مشروع "الهويّة"؛ إذ لطالما اقترنت الهويّة الحداثيّة العالميّة باستقلال "الفكرة" الدّافعة، و ظهور "الدّولة" غير المرتهَنة، و امتلاك القرار السّياسيّ الوطنيّ، و الاقتصاد المستقلّ.
و بقدر ما أخفى الإعلام المأجور و "الثّقافة" المزيّفة تلك الحقائق في الفترة المستهدفة بهذا الحديث، بقدر ما كانت سورية تتحضّر للدّخول في فترة "المعاصرة" الكارثيّة، التّالية، التي عَنوَنَتْ أحداثَها، و لأكثر من عقد من الزّمن، بجملة من "الانقلابات" المرتهنة بصراحة التّاريخ.. و هو ما أسّس لبنية اجتماعيّة تكرّستْ فيها الزّيوف بظهور ثقافات السّلطات المريبة و القوى الأهليّة المكافئة.. و "اقتصادات" الثّراء و عدم الانتماء، و الهروب.. أو الكفاف.. و صراعات القوى غير المتكافئة.. و التي منها ما قد شقّ طريقه إلى الحاضر، على ما هو عليه تماماً، و منها ما قد اندثر إلى غير رجعة و غلّفه النّسيان.
16▪︎على مثل هذا النّوع من الظّروف التّاريخيّة المركّبة، لا يمكن أن يصحّ التّقوّل النّظريّ (و لا شهادات "المتعلّمين" التّعليميّة الفائقة!) الذي رافق، في ما بعد، الكثيرين من قوى السّياسة و المجتمع و الدّولة، إلى أن أصبح ميدان تفاخرٍ عجيب بالمحفوظات الرّنانة و التي تستمرّ في أدائها المريض و غير المسؤول حتّى اليوم.
و نذكر جميعنا جملة من الأفكار الاقتصاديّة و السّياسيّة "الكبيرة" التي صنعت لها "أحزاباً" و "قوى" تعاصرنا إلى هذه اللحظة، كانت جميعها قد دخلتْ، و داخَلَتنا، حتّى أنّ " بعضنا " انتصر لها انتصار الحمقى.. فيما كانت ، في الواقع، ترديداً ببغاويّاً لفضلات "الغرب" (و الشّرق!)، بحيث أنّها أسّست، علاوة على آثارها الاجتماعيّة و الثّقافيّة و السّياسيّة التّأطيريّة المباشرة، لجملة من "الأدوات" و "الأداءات" و "المواقف" الشّبيهة التي تناسجتْ مع طرائق التّفكير فخلقتْ لها ظروفاً متجدّدة من الجهل، و تجاهل التّاريخ و الواقع، و العجز المُبرّح عن القدرة على تجاوز ظروف الخيانة و التّزوير و المُراوحة و التّراجع و الإحباط.
17▪︎ وصلت في فترة "المعاصرة"، تلك، في سورية، جائحة "الكولونياليّة" العالميّة التي عزّزت مواقعها و مشاريعها الإمبراطوريّة العالميّة في القرنين التّاسع عشر و العشرين، بما تتجاوز مفهوم "الاستعمار" التّقليديّ المعروف ، من جهة تعدّد أدواتها و خلق "القوى" الارتباطيّة الدّاخليّة، و ربطها المباشر و "المطلق" بقوى الإمبرياليّة المعاصرة، و ذلك سواءٌ، في الصّناعة و التّجارة و الثّقافة و التّديّن المعاصر بمشاريعه الكاذبة، و في السّياسة الاستشراق.. إلخ؛ في إطار مشروع ("إسرائيل") في المنطقة العربيّة و الإسلاميّة، و بما يُكرّس الواقع و يَزيده تشوّهاً و غيلةً.. توفيراً للبيئة و المناخ و الحقل و الفضاء، في المجتمعات القَبَليّة و "الاقتصادات" الرّيعيّة، و الثّقافات البلهاء، و العلوم المشوّهة، و السّياسات الخادمة و السلطات التابعة.. و الأفراد و البشر التائهين أو الضائعين!
18▪︎ كان لدخول سورية "المُعاصَرةَ" على هذه الطّريقة، مغزى هامّ و خطير، سوف لن يكون الحديث في مواجهته شأنَ "المقاهي" و "الحانات" الليليّة، كما أنّه لن يعثر له على مواجهين حقيقيين بهذه السّهولة المفترضة التي تدغدغ، اليوم، أحلام المناضلين، بل و ربّما نُضيف إلى هذا ما هو أكثر: لقد خلق له الظّرف السّوريّ (و العربيّ!) في حصّته من "المعاصرة"، و منذ نهاية " خمسينيات " القرن العشرين، التي تخلّلتْها "الوحدة" و "الانفصال".. أدواته الشّرطيّة الضّروريّة من الأفكار و الأشخاص و الثّقافات و السّياسات و المشاريع الدّاعمة التي تنام بيننا، اليوم، ما يفوق كلّ نقدٍ..، مع أنّ له من المُريدين و المؤيّدين و المؤبِّدينَ.. ما لا يخطر في خَلَد الكثيرين.
19▪︎ مع أنّ فترة "المعاصرة" الثّانية في سورية قد شهدت أحداثاً سياسيّة و حزبيّة مختلفة.. و رغم تسلّم "حزب البعث العربيّ الاشتراكيّ" مقاليد السّلطة و الحكم؛ إلّا أنّ الأثر التّاريخيّ و المعاصر، منذ حينه و حتّى اليوم.. من الجانب الاجتماعيّ و الاقتصاديّ و السّياسيّ، لم يشكّل "القطيعة" الضّروريّة مع "الماضي" و "الحاضر" و "الحاضر المستمرّ".. بحيث أنّ السّؤال حول قيم "الفرد" و "المجتمع" و "الدّولة" و "الهويّة".. قد ووجه ظرفيّاً بضرب من "المحاصصة الصّامتة"، الاجتماعيّة و الاقتصاديّة و السّياسيّة، بما في ذلك نموّ "المشاريع" الخطرة التي تزداد في انفصالها عن "الدّولة" و "المجتمع"، و هو ما جعل إشكاليّة سؤال مشروع "الهويّة"، نفسه، إشكاليّة معاصِرةً و مستمرّة تتحدّى" الجميع".
20▪︎ لم تخلق "الحرب" المستمرّة بشراستها الفظائعية منذ عقد من السّنين، كلّ هذه المعالم و الظّروف و التّضاريس، بأبعادها التّاريخيّة المزمنة، هذا إن لم تكن "الحرب"، نفسها، حصيلة لكلّ ذلك، منضافاً إليه دخول القدر السّوريّ "الضّئيل" في إرادة "الآخرين".