جدليّة السياسة و الثقافة و (التّنوير).. نقد الممارسات قبل نقد النّظريّات- 2 من 2

● كتب الدكتور بهجت سليمان:أ بهجت سليمان في مكتبه
 
11▪︎ تتيح لنا نقد ممارسة الثقافة و السياسة جانباً هامّاً من الخبرة النّقديّة في إطار التّطبيق الّلاحق في التّاريخ لبعض مواصفات "الحداثة" تطبيقاً نظريّاً في البحوث و الدّراسات، و منها التّطبيق النّقديّ أيضاً، بحيث ينبغي أوّلاً أن نعمل على التّوجّه المباشر اليوم إلى نقد الممارسة قبل نقد النّظريّة أو النّظريّات النّقديّة التي كانت ثمرة للحداثة و منها طبعاً في البداية ما يُسمّى نقد مشكلة التّنوير في المجتمعات المتخلّفة.
و إذا أنجزنا مقاربة "مشكلة التّنوير"، على طريقتنا، بشكل معاصر، فإنّه علينا أن ننظر إلى هذه "المشكلة" اليوم بوصفها واحدة من المشكلات المتطوّرة و المعقّدة في غضون كونها قد أحاطت بكلّ من "الثقافيّ" و "السّياسيّ" إحاطة كلّيّة، اليوم، في حين أنّها قد بدأت كمشكلة نظريّة خالصة في إطار الحداثة قبل أكثر من مائتي عام في أوروبا و الغرب.
12▪︎ في المقام الأول، فقد تأكّد لنا أنّنا نعيش في أنساق ثقافيّة متداخلة و غير مستقلّة من جهة أنّ "الثّقافة" نفسها قد مورست في الواقع كإرث نظريّ و تاريخيّ و كمحصّلات إضافيّة متتالية أنتجتها الممارسات و بقيت محافظة على بعدها الثّقافيّ ( النّظريّ )، حتّى أنّ التّجربة البشريّة المريرة التي لم تنصف مجتمعنا نفسها قد أضيفت مباشرة إلى المكوّن الثّقافيّ نفسه، و صارت جزءاً لا يتجزّأ منه بكلّ ما تحمل من خبرات الأسف و الألم و الخوف و "التّحويل" و "الإسقاط".
و في المقام الثّاني، فقد لوحظ و بشكل جليّ، قدرة السّياسات على التّكيّف في بوتقة الخليط التّاريخيّ الذي نعيشه بوضوح عمليّ أو بإلهام.. حتّى غدا من مكوّنات السّياسة و السّياسات محاولات رجعيّة إلى العهد الذي كانت فيه السّياسة قادرة على فرض ثقافتها – كذلك – على المجتمعات و توزيعها من الأعلى على الواقع، حتّى أنّ السّياسيّ قد توسّع في مبادلاته فشمل كلّ مواقع "الثّقافة" و "الثّقافيّ" و قام بتقليد انحطاط "الثّقافيّ"، و ذلك سواءٌ في الكبت و الإذلال و التّقييد و الإعجاز و نكران الآخر.
هذه معادلة صعبة الحلّ على العبد في مواجهة السّيّد. و كذلك على السّيّد في حاجته إلى الأمان أمام الحرمان. كلّ قوّة قد اكتسبت الآن طابع "السّياسيّ" و كلّ ضعف اليوم قد غمر "الثّقافيّ" بالبلبلة، على مرأى "السّياسيّ" و بفعل قصده و مقاصده و ممارساته.
13▪︎ في نظريّتنا حول بناء الدّولة، فإنّنا نتشبّث عادة بجانب أنّ "الثّقافيّ" ما يزال هزيلاً أمام "السّياسيّ" و خبراته الموفورة التي حازها بواسطة التّجربة و المسؤوليّة. و أمّا في حديثنا على "المجرّد" السّياسيّ، و التي لا تنجو فيه "الدّولة" المعاصرة من الاتّهام و التّشكيك في أخلاقيّاتها النّوعيّة.. فإنّنا نجد أنفسنا أمام العكس في وضع تشكّل فيه "السّياسات" اعتداءات على "الثّقافيّ"، إذ يتوسّع "السّياسيّ" في احتكاره لمستقبل التّطوّر عن طريق انتهاك وعي و لا وعي "الثّقافيّ"، و هو بذلك يشكّل على نفسه أيضاً بتوسّعه الّلامحدود و غير العقلانيّ و غير المسوّغ و غير المفهوم.. الخطر المستقبليّ الوشيك و الدّائم بإمعان.
14▪︎ عادة، يجري في التّناقضات التّاريخيّة غير البنّاءة عودة أطراف التّناقض معاً و دوماً إلى ما دون مستوى المشكلة الحضاريّة الملحّة المتنازع عليها بين طرفيّ أو بالأحرى أطراف التّناقض. و عندما يكون التّنازع في أوجِهِ فإنّ جميع من انخرط في "المواجهة" يسعى إلى تأبيد "العقبات" ظنّاً منهم أنّهم في أعلى مستوى من التّحدّي الظّرفيّ و المتكرّر و الدّائم ، بينما هم يكونون قد استنزفوا ظروف الحاضر المليئة بالحلول و الإجابات، و اتّجهوا إلى الخلف بدلاً من أن يتوجّه الجميع إلى المستقبل.
لا يمكن للسّياسيّ تحقيق غاياته كما لا يمكن ذلك للثّقافيّ. و الواقع المُفرَغ بالتّزوير من طاقة التّقدّم، و بعنف متنوّع آخر، هو ما يجعل أمام كلّ من طرفيّ "الثّقافيّ" و "السّياسيّ" ما هو سدٌّ في وجه النّهوض من المهازل التّاريخيّة المستبدّة بالمعطيات من كلّ وجه.
لسنا أمام امتحان التّسميات و الوقائع و الكلمات، و إنّما نقارب هذا الواقع من جانبه النّقديّ النّظريّ بعد أن تولّت الأحداث و الظّروف و النّتائج الغاشمة نقد الممارسات.
15▪︎ من الطّبيعيّ أنّنا لا ندعو إلى استنساخ تجربة "التّنوير" في الغرب، و لكنّنا في الوقت نفسه لا يمكن لنا تجاهلها كما يُريد متوهّمو الأصالة و التّراث. إنّ تدهور "الثّقافيّ" في إطار الواقع و ظروف العالميّة التي تتجاوز كلّ التّحدّيات و الضّرورات و المتغيّرات في عالم معولم خلط أوراق الأفكار و التّقاليد و وضع الكلّ في موضع التّساؤل و الاتّهام، لا يعدله سوى استهتار "السّياسيّ" بحدود إمكانيّاته المعزولة عن الخبرة و الثّقافة بواسطة العنف مختلف الأشكال و الأدوات، و بقدرة "الثّقافة" على إنتاج المعارضات التّاريخيّة و طبعاً ليس من فراغ.
يعود إلى ممارسات "السّياسيّ" نفسه كثير من الأسباب التي تجعل من "الثّقافيّ" فاعلاً و بخاصّة في حدوده السّلبيّة بنتائجها على التّقدّم، و قد تمايز في حلول "السّياسيّ" و ارتكاسه إلى كبته التّطوّرَ ما قد تمكّن فيه من معانقة "الثّقافيّ" بالذّات بأضيق و أسوأ ما يمكن أن يكون من "التّحالفات".
إنّ لجوء "السّياسيّ" إلى هذا الصّنف من التّحالفات مع "الثّقافيّ" إنّما هو بحدّ ذاته ممّا يُعلن عن إفلاس "السّياسيّ" و "الثّقافيّ" أمام ضغوطات "التّنوير".
16▪︎ هكذا يجري خلط و اختلاط معاصر مدهشٌ و خطر و فتّاك، بين "السّياسيّ" و "الثّقافيّ" في تواطؤ تاريخيّ مدمّر لمستقبل المنظومة و النّظام، بأوسع معنى لهما و كذلك بمعانيهما الضّيّقة الوضعيّة، و هو ما يشكّل في الممارسة إفراغاً منظّماً للطّاقة التّاريخيّة للمجتمعات..
و لا يلومّن، بعد ذلك، "السّياسيُّ" في إحباطاته، "الثّقافيَّ"، ذلك لأنّ "السّياسيّ" نفسه لم يرتق بنفسه إلى مستوى ضرورة و نوعيّة التّحدّيات المعاصرة و مواكبة دوافع و حوافز موضوعيّة التّغيّرات و التّغييرات.
غالباً ما لا يُعلن "الثّقافيّ" جميع مراحل مستقبله في التّأثير، و هو ما لا يستطيعه دفعة واحدة نتيجة طبيعة تلقائيّات و ظرفيّات التّحويرات الثّقافيّة المرهونة بالتّفاصيل.. و غالباً ما يجري تجاهل "السّياسيّ" للمستقبل القريب و البعيد الذي يُنذر بكلّ منهما "الثّقافيّ".
إنّ ركون "السّياسيّ" لما يُصنّفه أو يراه كمنفذ أو كحلول للمشكلات النّاجمة عن عدم تبنّيه الحلول التّاريخيّة العادلة و الواجبة في إطار "التّنوير" العالميّ و مفرزاته من حاجة "السّياسيّ" إلى ما يعتقده تنازلات، هو نوع من الوهم الذي يحتاجه "السّياسيّ" في استمراريّاته المنفعيّة، و الذي تختزنه "الثّقافة" نفسها من جديد لتتسلّح به في معركتها المعلنة، أو غير المعلنة على الخصوص، مقابل تجاهل "السّياسيّ" لحدود الإمكانيّات و الأدوات التي يتوهّمها صالحة لكلّ عصر و لكلّ زمان و مكان، و التي يصطدم و سوف يصطدم بقصورها الذّاتيّ السّريع في كلّ منعطف من الاختبارات الموضوعيّة التي يصنعها حوله العالم و الأشياء، بعد أن أشبعها تجاهلاً و تسلّطاً و استهتاراً بالقوى "الثّقافيّة" و "الاجتماعيّة" المتحرّكة أبداً، عدم انتباه.
17▪︎ في غضون "العولمة" المعاصرة، تضيق المسافات و تقلّ فرص التّجرّد و الحياد و العزل و إدارة الظّهر التي يمارسها و يستثمرها "السّياسيّ" عادة أو التي كانت صالحة لغير هذا العصر في استبداد "السّياسيّ" بممارساته في انتقائيّات واسعة كانت ممكنة قبل عصر "التّواصل" و "الاتّصال".
و في غضون ذلك ، أيضاً، قلّما تجتمع للسّياسيّ ميزات نجاح و إخفاقات "الثّقافيّ" بالنّظر إلى تعضّيه التّاريخيّ الصّحيح أو العاطفيّ الجماهيريّ مع الأحداث، أو قلّما يتوفّر للسّياسيّ فرصٌ كافية و جديدة دائماً إلى المستقبل في تجاهل و احتقار "الثّقافيّ" ، هذا التي توطّدت آليّاته و أدواته و تتوطّد باستمرار و على غير ما تشتهي تفضيلات "السّياسيّ" و أحلامه في القبض على المستقبل من خلال عزل الحاضر عن ضروراته و مشكلاته "الثّقافيّة" الحقيقيّة ، و لكن تلك التي لا يجرؤ فيها "السّياسيّ" على الاعتراف بنتائجها الحالّة أو الوشيكة، أو قلّما سوف يتمكّن "السّياسيّ" في هذا العرض غير الشّيّق للمفاجآت من استمراريّاته المباشرة ، إلّا من خلال تحميل "الثّقافيّ" فشل "السّياسيّ" و من خلال المزيد من صناعة الفجوات بين "السّياسة" و "الثّقافة" ، أو صناعة بعض الجسور المؤقّتة و الظّرفيّة، بين القوى المتناقضة و الحاكمة لمشهد التّنمية الفاشلة و قد شكّلت ذريعة غامضة و ممكنة و مقبولة عند كلّ من "الثّقافيّ" و "السّياسيّ"، باستثناء أنّها سوف تخضع مباشرة لما يفوق النّقد باتّجاه عنف دائم و جديد.
لا يعني "العنف" في هذا السّياق ما هو معروف عن المواجهات المسلّحة أو الدّامية، بل يعني كلّ ما ينجم من تحوّل في مجرى الوعي العامّ و في إطار "الثّقافيّ" لم يجد له تطبيقاته المناسبة في "السّياسيّ" أو لم يجد له مكانه المناسب في المشاركة و التّبادل الواسع.
لا ينطبق بالتّأكيد هذا الإلحاح النّظريّ على ما يُعتقد أنّه يناسبه من تحالفات هشّة و عابرة و متناغمة بين "السّياسيّ" و "الثّقافيّ" أو جانب أو أكثر من هذا "الثّقافيّ"، إذ سوف تعبّر الأحداث التّالية مباشرة عن استعصاءات تاريخيّة جديدة و دائمة في هذا المشهد التّحالفيّ العابى و المحدود بحدود الرّغبة و الشّهوة و الخضوع.. و سوف يجري تلقائيّاً ترحيل هذه الكتلة الصّامتة من الإخفاقات و الجريمة المستمرّة إلى الأجيال المتوالية من الشّعوب التي أخفقت في تكوّنها بين تجاذبات "السّياسيّ" و "الثّقافيّ" و تناحرات القوى المرتبطة بكلّ منهما، و ذلك نحو استحداث تحدّيّات ضمنيّة ذاتيّة في كلّ منهما غير قابلة للحلّ ، و هو بالضّبط ما يفتح باب المستقبل باستمرار على العنف الذي لا ينتهي و لو أنّه كان يبدو عليه أنّه تحت السّيطرة و لكنْ بفعل جريمة موازية و حلول غير أكيدة لواقع الّمتناقضات و الصّراعات و التّحدّيات و الحاجات التي لا تسكت في التّنمية و العدالة و التّنوير.
18▪︎ ليس من المؤكّد أنّ هذه "الصّورة" المفزعة للواقع هي من ضمن مخزون "السّياسيّ" في الممارسة و النّظريّة، كما أنّه ليس من المؤكّد أنّها من البيّنات المقولة في "الثّقافة" على رغم إضمار "الثّقافيّ" لها في غفلة مطلقة من "السّياسيّ".
يتحتّم على الجرأة النّظريّة النّقديّة التي أسّست لها حديثاً، في القرن العشرين، مناهج و معارف ( المعرفة السّياسيّة النّظريّة و العمليّة ) الجهود الصّادقة المتوالية لمدرسات و بنى أكاديميّة مسؤولة و غير ذلك في العالم المعاصر، يتحتّم عليها أن تكون حاضرة في "خلفيّات السّياسيّ" الذي يبدو أنّه يُمعن في تجاهلها و تجاهل نتائجها المجرّبة في العالم المعاصر في ظروف "العولمة" و التّحوّلات العالميّة المباشرة التي نشهد آثارها الطّاحنة في جوانب عصرنا المختلفة، و التي أصبحت تشكّل تهديداً لكلّ من "السّياسيّ" و "الثّقافيّ" في ظروف فقدان الأمان الاجتماعيّ المحلّيّ و العالميّ، من دون حصرها في تهديدات محدودة على "النّظام" العامّ، و على أن تؤخذ بأوسع معاني الكلمة و أكثرها جدّيّة و خطورة على "المنظومات".
إنّ حساسيّات عصرنا الحاضر تُحيل كلّ تمترسات "السّياسيّ" لتُخضعها لبنى "الثّقافة" الملتهبة، و في بُعد كافٍ عن محيط "السّياسيّ" المباشر، في فاعليّات معلّقة و أكيدة؛ في الوقت الذي لم يجرِ فيه حسم خيارات "السّياسة" بالمقارنة مع حاسميّة طاقة "الثّقافيّ" المتوجّهة غالباً نحو المزيد من التّفاقم المتصاعد لإنجازات التّواطؤ التي يتعلّل بها "السّياسيّ" باستمرار.
هذه الصّورة هي مركز الواقع المعاصر الذي يتجاهل فيه "السّياسيّ" في أوساطه الخاصّة و غير المعلنة و لكنْ القائمة بيأس في حمولاتها الضّاغطة و تحدّياتها المُغفَلة، كلّ ما من شأنه أن يصبّ في حلّ مشكلة "التّنوير" المستمرّة نتيجة تجاهل "السّياسيّ" لحاجات الاندياح العالميّ الذي لا يسلم منه مجتمع أو منظومة أو نظام، في بوتقة "التّنوير" التي تغلي في ظروف العولمة المعاصرة و حاجاتها من التّسليم بضروراتٍ و حلولٍ شاملة لكثير من تعهّدات التّاريخ بالدّوام و الاستمرار على خطى التّفاعل و الاندماج و الاعتراف و القبول..
19▪︎ من المفيد إعادة النّظر بكلّ من "الثّقافيّ" و "السّياسيّ" على ضوء التّجربة الوطنيّة و العالميّة في إطار الفهم المتبدّل لمشكلة "التّنوير"، كما أنّه من المفيد أيضاً الإقرار بجدليّة "الثّقافيّ" و "السّياسيّ" في حوارهما المكبوت بصوته المدوّي و الحافل بالكلمات و التّحدّيات، و أيضاً من المفيد إعادة كلّ المعلّقات إلى ساحة الممارسة، بعد أنْ ترفّع "السّياسيّ" في مجتمعات التّخلّف عن إقراره بواقعيّة الآخر، فيما عمل "الثّقافيّ" و "يعمل" باستمرار على تشويه "المشكلة"، مشكلة "التّنوير"، سواءٌ في أخذها على محمل الجدّ و التّعاون و المشاركة أو في اعتبارها من المشكلات المتجزّأة و المجزّأة في محافل النّظريّة و التّطبيق و العنف و الجريمة و إسباغ كلّ منفّر على صفات "الآخر" ، بحكم أنّه الشّريك الموضوعيّ في مشروع الإنجاز.
لم يُنظر إلى "التّنوير" العالميّ بعدُ بصفته هو الآخر متغيّر المعالم و الشّروط و الموضوع و الزّمان و المكان و التصاقه بالهويّة و الأوطان.
لهذا ما يزال "السّياسيّ" متردداً في خوض غماره حيث ينتظر جرّاء ذلك فشله في معالجة متطلّباته و حاجاته في العدالة و التّنمية و الدّيموقراطيّة و المعاصَرة، بينما يعمل "الثّقافيّ" حتّى الآن في أحد اتّجاهين : التّمدّد في الخطاب التّغييريّ إلى درجة الانقطاع عن الواقع و العالم بضرورات ذلك من الاستثناءات و الخصوصيّات ؛ أو بالعكس و أعني بالتزام "الثّقافيّ" بافتتاحيّات التّنوير الحرفيّة و التي لم تعد عمليّة اليوم بعد فاصل العصور و التّاريخ.
20▪︎ربّما يصلح هذا الخطاب في تجريدات المفاهيم و المقولات ليكون أكثر من ذلك، كمقدّمة لبحث أوسعَ معمَّقٍ و تفصيليّ مطروح للمهتمّين، و لكنّه ضروريّ و أولويّ لكلّ بحث في التّفاصيل المجدية في المسؤوليّة التّاريخيّة الشّاخصة أمام كلّ المعنيين من السّاسة و المثقّفين.
لا يمكن أصولاً تنكّب مهمّة البحث في الوقائع المباشرة و التّفاصيل المعمّقة أو غير ذلك ما لم يعمل الإنجاز النّقديّ على تجريد المشكلات ممّا تختلط به من أوهام و رغبات و أفكار سلبيّة و ضارّة و تصوّرات.
و يقوم هذا الخطاب التّنويريّ المستحدث و الجديد مقام كلّ ما من شأنه أن يضع و يُسوّي أفقَ المشكلات الحالّة بخاصّة في مجتمعنا اليوم، و هي كثيرة و طاغية و معقّدة و متداخلة و متناثرة على ما يعرف الجميع، هذا كما أنّه يقوم أساساً و بشكل محدّد و حصريّ مقام تصوّر متقنٍ للعلاقة الضّروريّة و المطلوبة في إطار الوطنيّة و مستقبلها المحفوف بكلّ مخاطر التّجزئة الجديدة و المغامرات الأخرى التي ترصدها النّظريّة في علاقة "السّياسيّ" ب "الثّقافيّ"، هذه العلاقة التي ينبغي إعادة اكتشافها الظّرفيّ في إطار مشكلة "التّنوير" المخصوصة بصعوباتٍ جزئيّة و عامّة و مختلفة و مركّبة في التّطبيق و التي لم تُنجز، بعد، في بعض أطراف هذا العالم الكؤود..
عدد الزيارات
15064844

Please publish modules in offcanvas position.