التطبيع بالتجويع!

    عدنان بدر حلو- فينكس:
     
    في أعقاب حرب تشرين/أكتوبر 1973 وما أحدثه وقف تصدير النفط العربي من أزمة عالمية أدت لارتفاع أسعاره بشكل كبير جدا (بمقاسات تلك الأيام)، شهدت البلدان العربية المصدرة للنفط طفرة مالية كبيرة.. كان متوقعا أن تمتد بحبوحتها إلى البلدان التي خاضت تلك الحرب وفي مقدمتها مصر الدولة الأفقر والأكثر تضحية في الحروب العربية- الإسرائيلية.
    غير أن ما حدث هو العكس تماما، فقد حبس حكام البترول أيديهم بشكل خاص ومقصود عن (أم الدنيا) وراح أغنياؤهم الجدد يتقاطرون على القاهرة ليستمتعوا بثرواتهم الطائلة ويمارسوا أفحش ما في قدراتهم من إنفاق استفزازي امتد حتى وصل إلى امتهان كرامات وأعراض شعب مصر العربي الكريم.. الذي عرف في الفترة نفسها ضائقة اقتصادية بالغة الحدة استمرت لسنوات أججت مناخا ملائما وتأييدا شعبيا واسعا (حتى في أوساط النخب الثقافية التي كانت منارة للفكر القومي العربي في الكنانة) لمبادرة السادات وزيارته للقدس المحتلة.
    وكان السادات نفسه قد نجح في تسويق أن تلك المبادرة ستعود على الشعب المصري بازدهار لا نظير له.. بل شطح به الخيال في أحد الخطابات أن وعد بأنه سيكون لكل بيت في مصر سيارة مرسيدس(؟)
    وبغض النظر عن أن كل ما جرى بعد ذلك كان مخيبا للآمال، يبقى ثابتا أن الشعب المصري قد أيد السادات في حينه ومنح مبادرته نوعا من الشرعية التي كان في أمس الحاجة لتمريرها وتوفير قبول دولي بها.
    هذا المشهد يتكرر اليوم على الصعيد الفلسطيني مع توقيع حكام الإمارات والبحرين على اتفاقات التطبيع في البيت الأبيض. إذ لم يخجل الرئيس ترامب وهو يعلن على الملأ أنه طلب من الحكام العرب وقف المساعدات المالية للشعب الفلسطيني وتساءل بكل وقاحة: كيف تدفعون لهم المال وهم يهاجمون أمريكا؟
    وكانت قطر والسعودية قد رفضتا في اليوم نفسه طلبا من السلطة الفلسطينية بإقراضها مائة مليون دولار شهريا لتوفير رواتب موظفيها إلى حين إعادة إسرائيل لصرف أموال المقاصة الجمركية، كما صرح السفير الفلسطيني في القاهرة دياب اللوح بتاريخ 14/9/2020.
    ربما لا يطالب أحد الدولة السورية (ضمن ظروفها الحالية) أن تحمل السلم العربي بالعرض وتتصدى لجريمة التطبيع التي ارتكبها النظامان الخليجيان، خاصة بعد أن أخذت الإمارات المبادرة بإعادة فتح سفارتها في دمشق، وما تردد عن انها قدمت لها بعض المساعدات وهي في أمس الحاجة إليها.. لكن المرء لا يستطيع أن يقارن الوضع الحالي بما كانت عليه الأمور في الخمسينيات عندما كانت سورية تشكل قلب العروبة النابض، بل حتى بما كانت عليه الأمور خلال فترة سابقة من عمر النظام الحالي عندما كان مقررا عام 1997 انعقاد مؤتمر الدوحة، ثالث مؤتمرات المفاوضات المتعددة (بعد الدار البيضاء والقاهرة) المنبثقة عن مؤتمر مدريد. وامتنعت دمشق عن حضوره رغم كل الضغوط الدولية التي مورست عليها فأدى الموقف السوري إلى إلغاء المؤتمر قبل يوم واحد من موعده وبعد وصول جميع الوفود الأخرى إلى العاصمة القطرية. بل أكثر من ذلك كان من نتائج الموقف السوري أن ألغيت المفاوضات المتعددة عن بكرة أبيها.
    حتى العراق (الدولة العربية الوحيدة المشاركة في جميع الحروب العربية-الإسرائيلية التي لم توقع على اتفاقيات الهدنة لعام 1949) والذي كان دائما يزاحم على قيادة "جبهة الرفض" العربية، ورغم وجود أحزاب وميليشيات مسلحة قوية فيه تنتمي إلى محور المقاومة، لم نسمع له صوتا يذكر في التصدي لمهرجان البيت الأبيض التطبيعي.
    الأمر نفسه ينسحب على كل من ليبيا واليمن. وكله له معطياته المفهومة وحتى المبررة أو شبه المبررة إذا أخذنا الظروف الاستثنائية الحالية في جميع هذه البلدان التي كانت ترفع راية القضية الفلسطينية قضية العرب المركزية.
    بل حتى لبنان، بلد المقاومة التي هزمت جيش العدو الذي لا يقهر، يئن اليوم تحت وطأة الأزمات المتراكبة فوق بعضها البعض التي تشغله عن مواجهة التطبيع الخليجي فيما هو يواجه خطر زواله عن الخريطة كما ورد على لسان وزير الخارجية الفرنسي بعد انفجار مرفأ بيروت.
    لكن السؤال الحاد الذي لا يمكن استيعابه هو مصادفة أن تحدث كل هذه الأمور في كل هذه البلدان في وقت واحد لتؤدي إلى نتيجة واحدة، وأن تصل الأمور بشعوب هذه البلدان أيضا في وقت واحد (وقت صفقة القرن) إلى حدود (بل إلى قلب) المجاعة.. والبؤس والشقاء التي لا حدود لها(؟) وهي تبحث عن مخرج، أي مخرج، ولا تجده.
    ألا يشي هذا التزامن بأن ثمة محركا واحدا لكل هذه الأزمات؟
    إنه، دون شك، زمن "التطبيع بالتجويع"
    لكن.. كم يمكن أن يعيش "تطبيع الإكراه" هذا؟
    فهذه الشعوب، رغم كل معاناتها كانت موجودة وستظل موجودة قبل هذا "السلام" وبعده، فما يبنى على الباطل سيظل باطلا، شاء من شاء وأبى من أبى كما كان يقول الرئيس الشهيد ياسر عرفات طيب الله ثراه.
    عدد الزيارات
    15552623

    Please publish modules in offcanvas position.