قضية رأي عام- 2 من 3

    كتب الدكتور بهجت سليماند. بهجت سليمان4:

    ثانياً - الشّخصيّ و الخاصّ و العامّ:
    11▪ تختلط على "الجميع" الحدود الفاصلة في قضايا "الرّأي العامّ"، من حيث هي تثير و تستوجب الأسئلة الحدّيّة الدّائمة ، التي لا تنتهي في التّداخلات التي يُثيرها "الاجتماع" و تثيرها "السّياسة"، و ما إذا كان شأنٌ من الشّؤون هو موضوعٌ "شخصيّ" أو "خاصٌّ" أو "عامٌّ" يدخل في إطار قضايا "الشّأن العامّ" و "الرّأي العامّ"؛ هذا مع تذكيرنا بما قلناه أعلاه حول أنّ "الرّأي" بحدّ ذاته ليبسَ معصوماً عن الخطأ ، مع جميع حيازاته مواصفات و صفات "الرّأي العامّ".
    في الأحاسيس و المشاعر و الشّؤون "الشّخصيّة" ، تتضخّم ، أحياناً ، ذوات الأفراد في حالات مَرَضيّة و فارغة من المضمون المسوَّغ و المسوِّغ ، إلى الدّرجة التي يشعر فيها الفرد ، و يظنّ و يؤمن و يعتقد ، بأنّ مسألة من المسائل الشّخصيّة التي مضمونها من قبيل الذّوق الشّخصيّ و الطّعم و الرّائحة و الّلون و الانطباع الاجتماعيّ الفرد و الموقف السّياسيّ الشّخصيّ المبنيّ على محدوديّة طوبولوجيّة و ثقافيّة و عرف فرديّ خالص و فلسفة شخصيّة .. و الرّأي المفرد النّاشئ في ظروف تربويّة تراكميّة كثيفة ؛ إنّما هو من شؤون القضايا "العامّة" التي يتوقّف عليها مجتمع كامل ، و ربّما "المصيريّة" التي يتوقّف عليها مستقبل البشريّة جمعاء .. في الوقت الذي لا يتجاوز فيه واقع هذا "الأمر" حدود الشّخص الفيزيائيّة الخالصة .
    12▪ و بالمثل ، فإنّه يمكننا النّظر إلى المسائل و الشّؤون "الخاصّة" المرتبطة ، مباشرة ، بالقضايا الشّخصيّة ، و لو أنّها تتجاوزها إلى إطار أثر العلاقات المحيطيّة بالشّخص و البيئة التي تؤطّره كفردٍ محدّد و محدود .
    و فيما يَعْلَقُ الشّخص في متلازمة هذا الوهم الذي يتجاذبه بين "الشّخصيّ" و "العامّ" ، يجهل أنّ الوشائج واقعيّة تلك التي لا يُدركها مابين الشّخصيّ و الخاصّ و العامّ ، و مع ذلك فإنّ لكلّ حدّ من الحدود معالمه المميّزة التي ينفرد بها دون أن يطغى عليها ما هو مشترك ما بين الحدود و الأوضاع جميعها و الحالات و الصّفات .
    و تُعدّ المسائل "الخاصّة" صلة الوصل المباشرة من طرفيها المتباعدين ما بين القضايا الشّخصيّة المحضة و القضايا "العامّة" التي تتجاوز في أثرها جميع المحفوظ و المألوف حول "الشّخص" و "خاصيّاته" ، و الفرد و علاقاته النّوعيّة ، ليشكّل الوضع "العامّ" اختراقاً لكلّ الشّؤون الشّخصيّة و الخاصّة ، و عبوراً لحدود التّصنيف .
    13▪ في "الشّأن العامّ" و "الأمور العامّة" و "المسائل العامّة" ، و قضايا "الرّأي العام" ، لا تُطرح المسائل الاجتماعيّة و السّياسيّة المعلّقة تاريخيّاً ، فهذه مكانها في الفلسفة السّياسيّة و فلسفة السّياسة و الأخلاق السّياسيّة و المؤسّسات الثّقافيّة و التّنظير المعمّق ذي التّقاليد و الأصول الثّابتة و المتطوّرة بتراكم و اطّراد ..
    كما أنّها لا تُطرح المسائل و القضايا المتعلّقة بالهويّة و الجذور و الأصول و آفاق التّحوّلات و التّغيْرات و التّغييرات و التي هي مرتبطة مباشرة بدرجة الانفتاح الاجتماعيّ التّاريخيّ و درجة التّطوّر و القابليّات الموضوعيّة التي تتيح إزاحة المعوّقات من أمام تيّارات عواصف التّغيير ، بل و هي لا تنتظر إشارات المرور التي لا تصمد ، أصلاً ، أمام عواصف و أعاصير التّغيير .
    إنّ أقصى ما يُمكن أن تثيره القضايا الاجتماعيّة و السّياسيّة العامّة و قضايا "الرّأي العامّ" ، إنّما هو التّشديد على ظاهرة أزفتْ ساعة انبلاجها و تدحرجها الجلموديّ الصّلب ؛ و لكنّها لا يمكن ، و لا بحال ، أن تخلق "الظّاهرة" المفارقة ، إذ أنّنا لن ننسى أنّنا ما نزال ماثلين أمام قضيّة "رأي" ، و حسب ؛ و هو الرّأي الذي حكمنا عليه ، كما حكمت عليه "المعرفة" العالية ، بأنّه حمّالٌ للخطأ و الصّواب ..
    هذا و لا تزيد في هذا "الرّأي" ، يقينيّة و عجائبيّة و كرنفاليّة ، لا الحماسة و لا الاستعراضيّة الأدبيّة التي تحيط بها ذكريات "الانطباعات" من كلّ جهاتها و الخِلال .
    ● ثالثاً - الخبثُ الفرديّ و الخبث الفكريّ و الخبث الاجتماعيّ ، و صناعة رأي الحُشود :
    14▪ يجري ، بحكم الطّبيعة الاحتكاريّة و الغريزة الأنويّة و الأنانيّة للأفراد ، أن يعمل البعض على استثمار قابليّات الحشود العواميّة للتّعاطف و العاطفة و التّأثّر الحماسيّ المرتبط بإثارة الغرائز الشخصيّة أو الجماعيّة أو الاجتماعيّة ، بحيث يصنع أولئك الأفراد من المجتمع أدواتٍ للتّحشيد حول حالة اعتباريّة شخصيّة تُغري الأفراد ، بخبث مدروس ، في الانتشار و الشّهرة و الاشتهار المزيّف القائم على استثمار و تشغيل أدنى و أبسط مشاعر العامّة ، و بخاصّة بما يتّصل بمظلوميّة العامّة أو محروميّتهم من جانب أو أكثر من جوانب العدالة الاجتماعيّة و السّياسيّة ، و لكن من دون أن يقدّم عشّاق الشّهرة من الأفراد العابثين بمشاعر العامّة أيّ حلّ أو دفع نحو أهداف العدالة الإنسانيّة التي يوحون بها لأصحاب الحاجات المختلفة من البسطاء و الحشود .
    15▪ غالباً ما يعمل محبّو الشّهرة لذاتها .. المصابون بعوز الثّقة بقدراتهم العقليّة و الفكريّة ، بخبث مفضوح بالنّقد العقلانيّ ، على تطعيم و خلط شعاراتهم الدّيماغوجيّة ( تملّق العامّة و استعطاف الحشود و خيانة العدالة ) بقضايا فكريّة تقليديّة ، اجتماعيّة و سياسيّة و ثورويّة و فوضويّة ، مضمونة الإثارة في التّجربة و مؤكّدة القدرة على التّحشيد العامّ ، باعتبار الميل الأنتروبيّ الاجتماعيّ إلى "الفوضى" ..
    و هذا ما يساهم ، مضافاً إلى غريزة الجماهير ، في تعزيز السّيكولوجيا الاجتماعيّة و توجيهها نحو أغراض سياسيّة ، تخدم الأفراد الذين أثاروها و لا تخدم الحشد السّاذج الذي وقع ضحيّة استغلال أولئك لحاجاتهم و مشاعرهم و طموحاتهم ، التي عمل أصحاب خطاب "الرّأي العامّ" على تصويرها كأهداف و غايات معرفيّة و إنسانيّة أخيرة و منقذة ..
    و هذا ما يؤلّب الحشود حول أفكار المستثمرين الانتهازيين الممجوجة و يجعل منها "رأياً عامّاً" موهوماً و كاذباً و مزوّراً و مزيّفاً بشعبيّة واسعة النّطاق مؤلّفة من سذاجات الجماهير المتجذّرة في سيكولوجيا القطيع ، في الاجتماع .
    و في هذه الأثناء تتحوّل ، تلقائيّاً ، الطّموحات الفرديّة الموتورة من هواجس شخصيّة و خاصّة إلى قضايا مزيّفة من "قضايا الرّأي العام" ، بحيث يكون "الرّأي العامّ" نفسه ضحيّة من ضحايا الانتهازيين و الوصوليين .
    16▪ ليس من الأمور المعقّدة أو الصّعبة صناعة رأي الحشد و توجيهه إلى مصبّ الاستثمارات الانتهازيّة الفرديّة و الشّخصيّة ، إذ تكفي بضع كلمات أو عبارات مؤدلَجة من قبيل "الدّيموقراطيّة" و "الحرّيّة" و "العلمانيّة" .. و "المعارضة الوطنيّة" ، إلخ ؛ لتصنعَ هيجاناً غرائزيّاً يمكن تمييزه بسهولة و تفريقه عمّا يُسمّى "الرّأي العامّ" ، ذلك أنّ للرّأي العام مواصفاتٍ و أسساً و مقوّماتٍ سوف نبحث فيها ، بالتّعريف الموجز ، بعد قليل .
    ● رابعاً - تصنيف "القضايا" ( الحدود ) في الشّمول و الاشتمال :
    17▪ قبل أن نعرّف "الرّأي العامّ" و "قضايا الرّأي العامّ" ، فإنّ من الضّروري أن نلقي نظرة سريعة على "القضايا" نفسها من حيث "حدّيّتها" ، أو محدوديّتها و زيفها ، أو من حيث شموليّتها و اشتماليّتها و استغراقها للهمّ العامّ .
    18▪ إنّ كلّ مسألة ( أو مشكلة ، أو إشكاليّة ) تبلغ مبلغ "القضيّة" أو "الحدّ" بما تعبّر عنه من جذريّة فكريّة و عقلانيّة في ظرف من ظروف الزّمان و المكان ، لتشكّل قاعدة ثابتة لتجاوزها ، هي نفسها ، إلى قضيّة "أعمّ" و "أشمل" ، تفتح الأفق أمام العقلانيّة التّاريخيّة الجديدة التي تشتمل على "همّ" اجتماعيّ و سياسيّ جديد و متطوّر يفتح المغلق من الأبواب التي تصادف السّيرورة البشريّة ، نحو مغاز و أهداف إنسانيّة تشتمل على غاياتها الموضوعيّة . هذا و لو أنّ غموض "الغاية" الوجوديّة الإنسانيّة ، بذاته ، يبقى أمراً تقديريّاً و تأمّليّاً ، و لكنّه يشكّل أحد المشتملات الدّافعيّة و الحافزيّة في "القضايا" التي تتجاوز ذاتها باستمرار .
    و حيث تشكّل الدّافعيّة الموضوعيّة و الواقعيّة سبباً شموليّاً للقضايا العامّة ، فإنّ حيويّتها و ديناميّتها لا تكتمل إلّا باشتمالها على "الهمّ" العامّ منظوراً إليه من زاوية الغاية المحفّزة للعمل العامّ في شأن "القضايا" العامّة ، عندما تعترض هذه "القضايا" حدودُها نفسها ، و ليكون من الممكن أن تتجاوز القضايا حدودَها الوضعيّة المرتبطة بالمعرفيّة الظّرفيّة ، التي حلّتْ في قلب التّردّد و الجمود و استعصاء "الحدود" .
    19▪ و على أنّ مقياس قضيّة الرّأي العامّ هو شموليّتها الإحصائيّة الكمّيّة الأفقيّة في المجتمع و السّياسة ، إلّا أنّ ما يجعل القضيّة قضيّة رأي عامّ محسومة ، إنّما هو نوعيّتها التي تلبّي خطّة التّطوّر الاجتماعيّ و السّياسيّ السّلميّة الخالصة ، من دون أن تكون ملغومة بالنّوايا الفرديّة و الشّخصيّة التي تطمح إلى أن تكون بديلاً عن همّ "العامّة" ، و لو لم تدرك هذه "العامّة" مصلحتها الحقيقيّة في التّغيير .
    يتبع هذا الأمر طريقة الهندسة الاجتماعيّة "العامّة" على أسس شاملة و اشتماليّة ، مع إهمال الفروق المحدودة و غير الحدّيّة للمزاج الجماهيريّ ( القطيعيّ ) ، حيث تختلف "المحدوديّة" عن "الحدّيّة" بأنّ الأولى مغلقة على ذاتها و تحمل في بذورها فَناء "القضايا" و فناء أصحابها ، بينما تنفتح الثّانية على موضوعيّة تفجير "الحدّيّة" الوضعيّة على أسس موضوعيّة صنعت من "الحدّ" نفسه ، في التّعريف ، قضيّة عامّة جديدة و أصيلة .
    و هكذا فإنّ "النّوع" يجب ، دوماً ، أن يحرّك "الكمّ" ، و ليس العكس ، إذ "الكمّ" يصبح لازماً عندما تتوفّر كفاية "النّوع" الكفيل بالتّجديد . و هذه معادلة لا يجري الانتباه إليها ، عادة ، عند تصنيف "القضايا" تصنيفاً علميّاً و عقلانيّاً ، أو عند تعيير "القضيّة" الواحدة على أساس ما إذا كانت قضيّة "فرديّة" أو "شخصيّة" أو "خاصّة" و محدودة و انغلاقيّة ، يهدف أصحابها إلى طنطنة الشّهرة و قرقعة الرّيادة ؛ أم أنّها ، بالفعل ، هي إحدى "قضايا" الرّأي العامّ المدروس دراسة معرفيّة قبل اجتياح الحماسة القطيعيّة له و لو بحدود قصوى أو محدودة .
    ● خامساً - دالّات و دلالات "قضايا" الرّأي العامّ :
    20▪ لا مانع ، الآن ، من التّعريج على "تعريف" الرّأي العامّ و "قضايا الرّأي العامّ" ، و كيف يصبح شخصٌ ، بعينه ، "قضيّة رأي عامّ" .. و ما إلى ذلك من "حقائق" .. و أو مغالطات .
    ● غدا : الحلقة الثالثة والأخيرة " 3 من 3 "
    عدد الزيارات
    15552878

    Please publish modules in offcanvas position.