قضية رأي عام- 3 من 3

    كتب الدكتور بهجت سليمان:أ بهجت سليمان في دمشق

    ● خامساً - دالّات و دلالات "قضايا" الرّأي العامّ:
    20▪ لا مانع ، الآن ، من التّعريج على "تعريف" الرّأي العامّ و "قضايا الرّأي العامّ" ، و كيف يصبح شخصٌ ، بعينه ، "قضيّة رأي عامّ" .. و ما إلى ذلك من "حقائق" .. و أو مغالطات .
    21 ▪ لايمكننا تعريف "الرّأي العامّ" بعدد الأفراد أو السّكان الملتفّين حول "القضيّة" التي يتضمّنها هذا "الرّأي" ، إذا أخذنا باعتباراتنا تنوّع و تفاوت أغراض و أسباب الالتفاف حول خطاب اجتماعيّ أو ثقافيّ أو سياسيّ ، و تباين أهداف أفراد المجموعة الواحدة أو المجموعات من الإنحياز لهذا "الرّأي" و تبنّيه تبنّياً لا محدوداً .
    فالبعض يحدوه في ذلك الشّهرة الشّخصيّة و الاجتماعيّة ، و الانتهازيّة السّياسيّة التي ـ قد - تؤهّله ليكون "أيقونة" فارغة و قدوة مزيّفة لرعاع الشّعب و ساذجي الجماهير و وحوش القطيع .
    و أمّا البعض الآخر فإنّه قد يُضمر أهدافاً مختلفة عن مضمون و عناصر "القضيّة العامّة" ، و لا تشكّل هذه "القضيّة" ، بالنّسبة إليه ، أكثر من معبر تخريبيّ يمهّد له زيادة نسبة "الفوضى" العامّة ، لنراه ينقلب على مضامين "القضيّة" العامّة ، نفسها ، لتحقيق برنامج مغاير شخصيّ أو خاصّ أو جمعيّ ، شكّلت تلك "القضيّة العامّة" جسراً له ، سيحرقه بعد أن يتجاوزه بقليل .
    و تاريخ "الكومونات" و "العامّيّات" و "الثّورات" العالميّة في التّاريخ الحديث و المعاصر ، حافل بأمثلة واضحة و معروفة في هذا الإطار .
    فيما يطمح البعض الثّالث إلى مجرّد إحداث "الفوضى" و تغذية الظّروف الغامضة التي يجري استثمارها بشكل أو بآخر ، و بوسيلة أو بأخرى ، و لغرض أو آخر ، كلّ ذلك في سبيل "الهدم" المتعمّد الذّاتيّ ، لما يوفّره هذا "الهدم" العامّ من ظروف الاستئثار و الاحتكار الاقتصاديّ و السّياسيّ .
    و يبقى البعض الأخير من أولئك النّوعيّة الأنانيّة المحدودة من المثقّفين و القادة الكاريكاتيريين الذين يهدفون إلى الانتفاخ و التّورّم الذّاتي لأسمائهم ، مع العلم أنّه يُشكّ في أنّ ذلك الهدف هو هدف خالص و نهائيّ لهذه الّلوثة الشّخصيّة الحاكمة لسلوك هؤلاء .
    22 ▪ كثيرة هي التّعريفات و المقاربات التي تتناول "الرّأي العامّ" بالشّرح المختزل و المعبّر بتفاوت عن جوهره ، و عديدة هي في تاريخ "علم الاجتماع السّياسيّ" .
    لقد عرّف البعض "الرّأي العامّ" بأنّه "اتّجاهات و مواقف النّاس إزاء موضوع يشتغل بالهمّ ٬ شرط أن تكون هذه الجماهير في مستوى اجتماعيّ واحد" .
    و عرّفه البعض بأنّه "ثمرة الجدال و النّقاش بين الأفراد حيث يسود أحد الآراء على بقيّة الآراء لنقل الجماعة إلى رأي جديد" .
    فيما ذهب ( أندريه لالاند ) ، صاحب "الموسوعة الفرنسيّة" المعروفة إلى " أن الرّأي العامّ هو حالة فكرية تكمن في الاعتقاد أن ادّعاء أو طرحاً هو صحيح ، و لكنْ مع القبول بأنّنا قد نكون على خطأ " .
    في حين قيل " إنّ الرّأي العامّ هو الشّعور السّائد داخل جماعة اجتماعية ، يرافقه بشكل واضح عند الافراد ، انطباعٌ بأنّه شعور مشترك فيما بينهم " !
    هذا في حين أنّ ( دو فيفات ) ، مدير معهد الصحافة ببرلين ، يرى أن "الرأي العام ـ كوَحدة أو درب لخطّ سير الجماعة بأكملها ـ لاوجود له ـ غير أن هناك رأياً ظاهراً من بين آراء الجميع ، غالب على ما حوله من آراء .
    أمّا أن يقال إنّ هناك رأياً عامّاً واحداً يعبّر عن إرادة الجماعة كلها ، و يقرّه كلّ فرد فيها فهذا لا وجود له" .
    23▪︎ يمكن ، إذاً ، أن نقول إنّ "الرّأي العامّ" هو ظاهرة سيكولوجيّة اجتماعيّة و ثقافيّة و سياسية متغيّرة و متقلّبة وغير ثابتة .
    و هي تتألّف من اختلاط المشاعر و الانطباعات و الآراء و المواقف و الأمزجة الظّرفيّة و غير النّهائيّة ، التي تطبع الحشود بطابع "مشترك" و متفاوت و متباين ، بحسب ما إذا كان محورها يقع في مكان ما من مركز الشّخصيّة الفردة أو في أحد أطرافها أو هوامشها و أطيافها غير المستقرّة و غير الواضحة .
    24▪︎ تتألّف "دالّات" الرّأي العامّ و مكوّناته القَبْليّة التّحليليّة الدّافعة و المُحرّكة من خليط من "الذّاتيّات" و "المصالح" و "الأنانيّات" و "الاستبداديّات" و استسناح الفرص المركّبة التي تجمع بين ظاهر القضايا الاجتماعيّة و السّياسيّة العامّة و "حقيقة" القضايا الفرديّة و الشّخصيّة و الخاصّة و الانطباعات المؤقّتة و المشاعر العابرة و الأحاسيس الغرائزيّة ، و الّلاأخلاقيّة السّياسيّة ، و الانتهازيّة التّاريخانيّة و الاتّكاء على هموم و أوجاع آلام "العامّة" ، بقيادة أفراد يستثمرون كلّ ذلك لتحقيق مآرب محدودة و موصوفة بأغراض و أهداف و غايات مصطنعة و كاذبة ، يقوم فيها قادة أمزجة الحشود باستغلال حاجات العامّة و ومخاوفهم و العبث بأنبل وجدانيّات الجماهير ، بحيث نكون أمام مزاج عامّ تختلط فيه الرّغبة بالمُحال ، و الوعود بالأكاذيب ، لينتهي الأمر باستعباد جديد متطوّر للعامّة يحلّ محلّ اضطهاد قديم ، في دوّامة من الضّياع العامّ الذي تعيش فيه الحشود على مرّ تاريخ السّياسات العالميّة التي تتّبعها الدّول إزاء المواطنين ، و "قادة الرّأي" إزاء الهامشيين و المهمّشين ، و زعماء الفعّاليّات و الأحزاب و التّجمّعات و الجماعات و الظّاهرات الجمعيّة و الاجتماعيّة ، و المهرّجين السّياسيين و الانتهازيين التّاريخيين ، إزاء المُريدين .
    25▪ و يمكن إثبات "دلالات" قضايا "الرّأي العامّ" الكاذبة من خلال مراقبة دور "الإعلام" في صناعة "المزاج" العامّ للحشود ، و هو الذي تسمّيه وسائل الإعلام و الاتّصال بإسم "الرّأي العامّ" ؛ كما من خلال ملاحظة أهمّ صفات هذا الشّيء الذي يُسمّى "الرّأي العامّ" ، و التي تتراوح ما بين :
    ▪︎ اجترار المثيرات و المستفِزّات و إثارة عواطف و غرائز المزاج السّيكولوجيّ القطيعيّ و الإطناب في تكرار الدّعاية بأشكال برّاقة و مختلفة و متعدّدة ..
    ▪︎ و بإثارة الشّائعات التي تعتمد على التّشهير "الأدبيّ" و الارتجاليّ بالخصوم الاجتماعيين ، السّياسيين و الثّقافيين و الشّخصيين ..
    ▪︎ و بالإيحاء بواقع مليء بالأزمة أو بالأزمات المفتعلة التّجسيم ..
    ▪︎ و بحرف الانتباه عن القضايا المصيريّة الحقيقيّة عن طريق إشغال اهتمام الحشود و المريدين بما يلامس الأقرب من الدّونيّات الحسّيّة و الشّعوريّة و الّلحظيّة الواقعيّة و الكاذبة ..
    ▪︎ و أخيراً عن طريق إثارة أشكال مصنّعة بإتقان من المخاوف و الرّعب و القلاقل بين المجموعات و الأفراد المتمايزة .. و تصويرها على أنّها مصدر الإرهاب الحقيقيّ ، في الوقت الذي تُطمَسُ فيه مصادر الرّعب و الجريمة التي هي أقرب ممّا نتصوّره جميعاً ، و التي تقع في أكثر الأماكن أمناً و أماناً على ما تصوّرها الثّقافة و المؤسّسات !
    ● سادساً - قضيّة الرّأي العامّ :
    26▪ يأتلف جوهر العمل الاجتماعيّ و السّياسيّ على مفهومٍ - حقيقةٍ مركزيّةٍ ، منذ نشوء التّجمّعات البشريّة الأولى في التّاريخ و الحاجة إلى سياستها ، و حتّى اليوم ، و هو ( أو هي ) السّيطرة على الأفراد و الجماعات غير المركزيّة بالنّسبة إلى مشروع السّياسة و مشروع الأفكار المنافس و البديل .
    إنّ المرجعيّة الفكريّة الوحيدة التي يمكن اعتمادها في إطار دراسة ظاهرة "الرّأي العامّ" و "قضايا الرّأي العامّ" ، هي - إنْ لم تكنْ مفقودة في واقع الأمر ! - تحقيق المكاسب المادّيّة و الرّمزيّة ، الخاصّة و الشّخصيّة ، في الثّروة و "السّلطة" ، من قبل "الأقلّيّة السّياسيّة" ، بواسطة استخدام "الأكثريّة" الاجتماعيّة و استثمار نوازعها و طاقاتها و عناصرها بعد تحويلها إلى أدوات .
    و ما يُقاتلُ على "النّفع العامّ" و "المصلحة العامّة" هو ليس أكثر ممّا تتيحه تلك السّياسات الأقلّويّة ، أينما وجدت ، في "الدّولة" أو في "المجتمع" ، من فُتات و هوامش و بقايا تلك "المصالح" التي تكفل حفظ النّوع البشريّ ، للعمل على إعادة إنتاجه كأدوات لتحقيق الأغراض السّياسيّة للقوى الأساسيّة السّيّدة و الفاعلة في الدّولة و المجتمع .
    و من أجل ذلك تقوم قوى "السّيطرة" بخلق مرجعيّات ثقافيّة مساومة و ممالئة ، تضيفها إلى الثّابت من جمود حركة الطّموحات العامّة و معوّقات ذلك الطّموح لصناعة منظومة متكاملة من الحدّ و الكبت و القمع و السّخرية من هموم المجتمعات البشريّة ، تحت عنوان الدّفاع عن قضايا العامّة ، و ذلك بتحويل المسائل و الطّموحات الفرديّة المحمومة و المشوّهة إلى "قضايا رأي عامّ" ، بما في ذلك تقدّم بعض الأفراد إلى واجهة المشهد في التّناقض بين المجتمع و الدّولة كحماة للمجتمع و أبطال تراجيديين ( كوميديين و مهرّجين ) ، يندغمون في شعاراتهم المزيّفة و يقدّمون أنفسهم كأضاحٍ في مسرحيّات و طقوس هزليّة ، يُظهرون فيها أنفسهم كضحيّة للمجتمع و ضحيّة لقضايا العامّة و الجماهير ، فيخلقون من أنفسهم "فزّاعات" خائفة .. و قد تحوّل كلّ منهم إلى "قضيّة رأي عامّ" .
    27 ▪ وغالبا ما لا يستطيع عقل الجماهير ، تدبّر السّياسات - المؤامرات الاجتماعيّة و السّياسيّة التي تحاك ضدّها ، و لو كان في هذا الأمر شيءٌ من الصّعوبة بالتّصريح به ، على الملأ ؛ غير أنّها "الحقيقة" التي توضّح ارتباكات القطيع في المنعطفات الاجتماعيّة و السّياسيّة في إطار "هندسة المجتمعات" التي تحتاج ، أوّلاً ، إلى "هندسة الإجماع" و الذي لا يكون إلّا بخلق مهزلة "الرّأي العامّ" و "قضايا الرّأي العامّ" و تلميع أشخاص مؤهّلين بالفطرة للتّهريج ، كضحايا يتحوّلون ، هم أنفسهم ، و يحوّلهم "الرّأي العام" ، نفسه ، إلى "قضايا رأي عامّ" .
    28▪ كان ( غوستاف لوبون ) سبّاقاً إلى قراءة و تحليل "سيكولوجيا الجماهير" ، ليأتي بعده ( سبغمند فرويد ) ، بعد قرابة ربع القرن ، ليؤكّد ، بالعموم ، صدقيّة ( غوستاف لوبون ) حول أمر "الغريزة الجماهيريّة" الّلاواعية ، و لو من منطلقات و مبادئ تختلف بين ( فرويد ) و ( لوبون ) ، و صناعة "الرّأي العامّ" الذي يخلق "الأبطال" المزيّفين الذين يتحوّلون ، هم أنفسهم ، إلى "قضايا عامّة" أو إلى "قضايا جماهيريّة" .
    يتّفق ( فرويد ) مع ( لوبون ) ، و في كتابين يحملان العنوان نفسه ، واحد لكلّ منهما ، و هو "علم نفس الجماهير" ، يتّفقان - مع فوارق المبادئ و المنطلقات و الدّوافع ، بينهما - على أنّ الدّافع السّيكولوجيّ الّلاهوتيّ - الكهنوتيّ ، هو واحد عند الجماعات المتديّنة و عند الجماعات غير المتديّنة ، في خلق "الأصنام" و "الأبطال" و "الأنبياء" المزيّفين ، و رفعهم من مستوى "العامّة" الحضيضيّة إلى مستوى "النّموذج" و "المثال" ، بما يمتلكه هؤلاء من قدرة انتهازيّة على جعل "العامّة" يتبنّون قضاياهم بواسطة التّنويميّة المغناطيسيّة و التّمويهيّة الأخلاقيّة التي تداعب لاوعي الجمهور ، بالّلعب على براءته و سذاجته الدّافعيّة ، في الّلاشعور الفرديّ الذي استحال إلى حالة عامّة ، إلى حالة "قضيّة عامّة" .
    فالمتديّنون و غير المتديّنين ، يتحوّلون في إطار سيكولوجيا الجماهير ( القطيع ) إلى عبيد للإيحاء الذي يشكّل الخلفيّة المثيرة و التي يتمكّن أصحابها من الأفراد الانتهازيين ، من جعلها قضيّة "رأي عامّ" بالاعتماد على محدوديّة العامّة عندما تدخل في ظروف الهيجان .
    و إذا كان أكبر العلماء - كما يقول ( لوبون) - و أكثرهم عبقريّة لا تمكن مقارنتهم بالوعي مع "الإسكافيّ" ، فإنّ هذا الفرق الهائل في الوعي يضمحلّ و يندثر لصالح "الإسكافيّ" عندما تتحكّم غريزة الجماهير في الحشد ( القطيع ) ، بل و يتفوّق فيها "الإسكافيّ" على "العالِم" في ظروف الحشد التي تحوّل "الجميع" إلى عبيد في قضايا ما يُسمّى "الرّأي العامّ" .
    29▪ " إنّ الحياة الواعية للنّفس البشريّة لا تشكّل إلّا جزءاً ضئيلاً جدّاً بالقياس إلى حياتها الّلاواعية " ، كما يؤكّد ( غوستاف لوبون ) [ راجع : غوستاف لوبون - علم نفس الجماهير ] .
    و من هذا المبدأ الثّابت مع تطوّر علوم الإنسان ، فإنّ ما يدّعيه اليوم - أو ما يحاولون الإيحاء به .. - "الأشخاص" الذين يطمحون إلى تحوّلهم الاستعراضيّ الفارغ إلى "قضيّة رأي عامّ" ، من خلال مواقف "علمانيّة" و مزايدات "تقدّميّة" - و هذا ما كان يحصل غالباً في تاريخ هذه المهازل - فإنّ قناعات الجماهير تتّخذ دوماً أشكالاً دينيّة ( لوبون ) في عاطفة جماهيريّة يمكن أن تتحوّل ، أحياناً ، إلى فوضى جارفة .
    " فالجماهير تخلع على الأيديولوجيا السّياسيّة التي تعتنقها" .. - و أيّاً كان موقع اصطفاف هذه "الجماهير" - " نفس القوّة المليئة بالأسرار و الخارقة للطّبيعة التي تكمن في أساس التّصوّر الدّينيّ للعالم " .
    و هكذا " فإنّ الإنسان لا يكون متديّناً عن طريق عبادة [ كاذبة طبعاً ! ] لآلهة معيّنة ؛ بل أيضاً عندما يضع كلّ طاقاته الرّوحيّة و كلّ خضوع إرادته و كلّ تأجّج عصبيّته و تعصّبه في خدمة قضيّة ما أو شخص ما مرفوع إلى مستوى البطولة و الزّعامة" (لوبون).
    30▪ هذه هي "الأخلاقيّة" التي تصنع "الجماهير"، و هي "الأخلاقيّة نفسها التي ترفع شخصاً دونيّاً و ممثّلاً هزْليّاً له طموحاته المأفونة إلى مستوى "قضيّة رأي عامّ"، هذا مع العلم أنّ احتلال فرد من الأفراد هذا الموقع، موقع "قضيّة رأي عامّ"، هو ليس ميزةً تخلقها عبقريّة صامتة في الظّروف المشوّهة لشعب من الشّعوب، بقدر ما هي تهمة سخيفة ينال فيها هذا الشّخص ثناءً مزيّفاً من واقع مزيّف و جمهور مزيّف و ظروف مزيّفة و مزوّرة و شَوهاء؛ فيما يغيب أو يتغيّب "العباقرة" و "العلماء" في صمت الزّوايا و الأركان المظلمة و الظّالمة و لو إلى حين.
     
    عدد الزيارات
    15552878

    Please publish modules in offcanvas position.