عدنان بدر حلو: ما يجري في المنطقة الآن توقعناه وكتبنا عنه قبل 43عاما

عام 1977 وجدت في فترة بقائي مع الأستاذ أكرم الحوراني في باريس فرصة للكتابة، فبادرت إلى تسجيل خلاصة لتجربتي في الشأن الفلسطيني ونظرتي له بعد سنوات العمل في "الهدف"، وعندما قرأه أبو جهاد أثنى عليه وطلب تطويره وربطه بمنظور إستراتيجي حول دور سورية في القضية الفلسطينية خصوصا والعربية بشكل عام. وبعد انتهائه وافق عليه وتم طبعه (مائة نسخة) من قبل مكتب "الجبهة الشعبية" في بغداد الذي كان يشرف عليه آنذاك نائب الأمين العام الرفيق أبو علي مصطفى، وحمل عنوان "المنهاج الديمقراطي الثوري" مذيلا باسم "حركة الاشتراكيين العرب"، وجرى توزيعه على نطاق محدود.
يبدأ الكراس، الذي بلغ ثلاثا وأربعين صفحة على الآلة الكاتبة ويحمل تاريخ حزيران 1977، بعودة إلى تقرير وزير المستعمرات البريطاني بنرمان الذي دعا في القرن التاسع عشر لإقامة دولة غريبة تفصل بين آسيا وأفريقيا لمنع وحدة البلاد العربية.
تليه مقدمة طويلة حول الصراع العربي الإسرائيلي غرضها تأكيد أن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي ما هو إلا بعد واحد من الصراع الأول والأشمل، وأن أزمة الثورة الفلسطينية نابعة من تركيزها (بتشجيع من الأنظمة العربية) على "فلسطينية" الصراع، وعزله بالتالي عن العمق الحقيقي للمعركة أي الشعب العربي، لاسيما في البلدان المحيطة وفي مقدمتها تلك الدول الأساسية، أي سورية ومصر والعراق. وأن هذه "الاستقلالية الفلسطينية" تحولت بالضرورة إلى استقلال عن الشعوب العربية وارتهان للأنظمة بهذا الشكل أو ذاك.
ضمن هذا الشرح يرد ما يلي:
"إن هذه الحقيقة جعلت أمريكا وإسرائيل تضعان في رأس جدول أعمالهما السعي لإلحاق الهزيمة السياسية والحضارية الشاملة بالعرب وبأسرع ما يمكن.. هذه الهزيمة تتمثل بتحقيق المشروع الصهيوني الاستراتيجي القاضي بتمزيق المنطقة العربية إلى دويلات وكيانات عنصرية وطائفية ومذهبية متناحرة يوفر وجودها حزام أمن استراتيجي للكيان الصهيوني وفرصة تاريخية لتحقيق الهيمنة الإمبريالية الصهيونية الكاملة على المنطقة." (ص 22).
"إن مشاريع التسوية المطروحة حاليا، لا تستهدف تصفية قضية فلسطين فحسب، بل تستهدف بالإضافة لذلك تصفية كافة قضايا التحرر العربي الأخرى وكافة القوى الوطنية والتقدمية في المنطقة. إن هذه المشاريع، سواء بصيغها والمسار السياسي الذي تتحرك من خلاله، أم بجوهرها ومضامينها، هي الإطار الحقيقي لكافة أهداف المخططات الإمبريالية والصهيونية وأطماعهما في وطننا العربي.
ومن أجل فهم جوهر هذه التسويات وحقائقها، لا يجوز الوقوف فقط أمام القرارات الدولية التي تقوم عليها كالقرارين 242و338، أو أمام الحدود الإقليمية التي تنصّ عليها هذه القرارات، فالمسألة الأساسية ليست مسألة هذه الكيلومترات التي تنسحب منها قوات العدو أو لا تنسحب فحسب، بل هي كذلك مسألة الأبعاد السياسية والاقتصادية والعسكرية والثقافية التي تتضمنها مساعي هذه التسويات وتعمل لفرضها على المنطقة.
وإذا كانت الأنظمة العربية المستسلمة تطلق على هذه المساعي اسم "المساعي لإزالة آثار عدوان 1967" فإن ما أكدته الأحداث حتى الآن وبشكل شديد الوضوح، هو أنها مساع لتوسيع آثار ذلك العدوان على الأمة العربية وتثبيتها.
إن الأمور على الصعيد الواقعي تأخذ الشكل التالي:
في عام 1967، وفي ظل غياب- أو بشكل أدق بعد تغييب- الحركة الجماهيرية العربية الواعية والمنظمة والنشيطة، ضمن سجون أنظمة عربية رجعية وديكتاتورية، قام العدو الصهيوني، بالتنسيق والتخطيط الكاملين مع الإمبريالية الأمريكية، بشن ذلك العدوان لتوجيه ضربة قاصمة لحركة التحرر الوطني العربية، ولاحتلال أراض فلسطينية وعربية والاحتفاظ بها كرهينة من أجل الضغط على الوضع العربي برمته للحصول على تنازلات كبرى ومتواصلة تتيح للتحالف الإمبريالي- الصهيوني أن يحقق كافة مراميه وأطماعه في المنطقة.
ولا يتضح لنا حجم التطابق فيما بين مساعي التسوية السياسية منذ ذلك العدوان وبين الأهداف المشار إليها، إلا بعد أن نشخص تلك الأهداف ونلمس ما حققته منها مساعي التسوية السياسية المذكورة حتى الآن:
الأهداف الإمبريالية:
إن الإمبريالية العالمية، وعلى رأسها الإمبريالية الأمريكية بالطبع، تنظر لوطننا العربي من خلال عدة محاور متداخلة:
أ- كمخزون هائل للنفط يشكل المصدر الرئيسي للطاقة وللعديد من المواد الأولية التي يعتمد عليها الاقتصاد الرأسمالي برمته، وتزداد الحاجة الماسة إليها يوما بعد يوم حتى في الولايات المتحدة نفسها.
وما من شك في أن حماية السيطرة على النفط العربي، وضمان تدفقه إلى العالم الرأسمالي، وضبط أسعاره ضمن حدود المصالح الإمبريالية.. كل ذلك يشكل هدفا رئيسيا للإمبريالية العالمية وعلى رأسها الإمبريالية الأمريكية.
ب- كسوق واسعة وغنية لتصريف المنتجات الرأسمالية العالمية تتضاعف أهميتها بصورة كبيرة في ظل حالة الأزمة العامة التي يعاني منها الاقتصاد الرأسمالي العالمي. ويدخل في هذا المحور اهتمام الاحتكارات الإمبريالية باستعادة الثروات الضخمة التي تشكلها عائدات النفط.
ج- كموقع استراتيجي بالغ الأهمية والخطورة في خريطة الصراع الدولي.. ولذا فقد احتلت مسألة تصفية العلاقات بين البلاد العربية والمعسكر الاشتراكي البند الأول على جدول نشاطات الإمبريالية الأمريكية في المنطقة (كان أول إعلان لكسينجر في تعاطيه مع مساعي التسوية هو تصريحه الشهير بأن هدف الولايات المتحدة الأول هو طرد السوفييت من المنطقة).
الأهداف الصهيونية:
إن الحركة الصهيونية تحمل في طبيعتها منذ نشوئها بعدين متمايزين من جهة ومتداخلين من جهة أخرى، هما: البعد الكولونيالي (الاستعمار الاستيطاني)، والبعد الإمبريالي (الاستعمار الحديث).
أ- بالنسبة للبعد الأول تعتبر القضية الرئيسية هي إقامة "الوطن القومي" الصهيوني التوسعي، ويستحوذ الاستيلاء على الأرض وتهويدها على الأهمية القصوى في منظور أصحاب هذا البعد. وهم الصهاينة التقليديون (أو ما يسمى ب “الصقور") والمتعصبون أمثال كتلة "الليكود" والأحزاب الدينية.
ب- أما بالنسبة للبعد الثاني فيجري تركيز أكبر على توظيف هذا "الوطن القومي" في خدمة المطامع الاقتصادية "للإمبريالية الصهيونية" في المنطقة العربية. بحيث تكون "التسوية السياسية" فرصة تاريخية لفتح أبواب هذا العالم العربي على مصاريعها أمام الرساميل الصهيونية الكبرى. ويتمثل أصحاب هذا البعد بمن يسمون "الحمائم" وعلى رأسهم ناحوم غولدمان وكبار البيوتات المالية الصهيونية في إسرائيل وأوروبا وأمريكا.
آخذين بعين الاعتبار هذا التمايز النسبي فيما بين بعدي الصهيونية، نستطيع أن نرى التداخل القائم في الأهداف الصهيونية تجاه مسألة التسوية السياسية.
فمن جهة هناك ضغط صهيوني كبير من أجل تهويد أقصى ما يمكن من الأراضي التي احتلت عام 1967 والاحتفاظ بها، وحتى الحصول على المزيد (في جنوب لبنان).. ومن جهة أخرى هناك ضغط صهيوني آخر من أجل الحصول على تسوية سياسية تفتح أبواب المنطقة أمام "الإمبريالية الصهيونية".
الضغط الأول يركز على الضمانات الإقليمية (الجغرافية) للحدود الآمنة التي يجب أن توفرها التسوية، في حين يركز الضغط الثاني على الضمانات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي يجب أن تقوم عليها التسوية، أي السيطرة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية على المنطقة المحيطة بالكيان الصهيوني. (من ذلك مخطط تمزيق المنطقة إلى دويلات طائفية وعنصرية ومذهبية مختلفة ومتناحرة).
إن التمايز بين هذين المحورين في الأهداف الصهيونية لا يبلغ حدود التعارض.. بل إن حيزا كبيرا من التلاؤم والتنسيق يقوم بينهما، بحيث يتحول الموقف الصهيوني العام إلى المعادلة التالية:
الانسحاب من أقل ما يمكن من الأراضي المحتلة عام 67 وعام 73 مقابل الحصول على أقصى ما يمكن من التنازلات العربية (في كافة المجالات). مع توفير أقصى العوامل التي تساعد على هضم تلك التنازلات وتحويلها إلى وقائع غير قابلة للتغيير.
إن التنسيق بين الموقفين الأمريكي والصهيوني هو الذي يحكم مساعي التسوية منذ عام 1967، ويزداد هذا التحكم "خطوة- خطوة"، بغض النظر عن حجم العوامل الأخرى الداخلة في تفاصيل هذه المساعي.. فالمحصلة العامة جاءت مؤكدة لحقيقة التحكم الأمريكي- الصهيوني.. وها هي الوقائع.
1- جرى إخضاع المنطقة بصورة شبه كلية للنفوذ الأمريكي، وباتت الأكثرية الساحقة من الأنظمة العربية تدور في فلك هذا النفوذ.
2- جرى إنزال ضربات قاصمة بالعلاقات بين البلاد العربية والمعسكر الاشتراكي عامة والاتحاد السوفييتي خاصة.
3- جرى إخضاع النظامين المصري والسوري للرجعية العربية، بحيث أصبح "التضامن العربي" الراهن برمته محكوما بنفوذ الرجعية السعودية خاصة والرجعية النفطية عامة، وذلك كله تحت مظلة الولايات المتحدة الأمريكية.
4- جرت تحولات داخلية في ظل النظامين المشار إليهما سابقا لصالح تحالف طبقي جديد يشكل قاعدة للانحراف وللارتباط بالسوق الإمبريالية، وهذا التحالف يضم الرجعية التقليدية جنبا على جنب مع البرجوازية الجديدة شديدة الشراهة وشديدة البعد عن أية طموحات إنتاجية أو إنمائية، وبالتالي عن أية طموحات وطنية أو قومية تحررية.
5- جرى تطويق القوى الثورية العربية، وفي مقدمتها حركة المقاومة الفلسطينية، وفرضت شروط هذا الوضع العربي الجديد عليها.. كما جرى تعميم المناخ الديكتاتوري في المنطقة العربية.
6- جرى التحكم شبه المطلق بسياسة النفط والعائدات لصالح الاحتكارات الإمبريالية.
هذا بالنسبة للأهداف الإمبريالية، أما بالنسبة للأهداف الصهيونية فقد جرى ما يلي:
1- مرت حتى الآن عشر سنوات (أي ما يعادل نصف عمر الكيان الصهيوني حتى عام 1967) دون أن تكون قوات الاحتلال قد انسحبت إلا من بضعة كيلومترات على الجبهتين السورية والمصرية. في الوقت الذي تتعاظم فيه وتتعمق سياسة التهويد وزرع المستعمرات في الأراضي المحتلة.
2- أصبح الاستعداد للاعتراف بالكيان الصهيوني معلنا، بصورة مستمرة، على ألسنة معظم الحكام العرب.. وحتى على لسان قيادة منظمة التحرير الفلسطينية.. وانتقل هؤلاء الحكام من رافضين للمفاوضات والصلح مع العدو الصهيوني (قرارات مؤتمر الخرطوم عام 1967) إلى مستميتين في سبيل تلك المفاوضات وذلك الصلح.
3- جرى إجهاض حرب تشرين وتبديد إيجابياتها التي كان يمكن أن تشكل منطلقا لنهوض نوعي واسع في الموقف العربي.
4- جرى "فصل القوات" على الجبهتين المصرية والسورية ووضع الفنيين وأجهزة الإنذار المبكر الأمريكية في سيناء، بحيث يتضاءل الأمل أمام الشعب العربي باحتمالات أية حرب عربية جديدة بعد حرب تشرين.
5- جرى المرور الحر للبضائع الصهيونية في قناة السويس وتخفيف قيود المقاطعة العربية في مصر، وترسيخ سياسة الجسور الاقتصادية المفتوحة في الأردن (ومؤخرا عبر جنوب لبنان) وفتح البوابات في الجولان.
6- أعلن عن اتفاق رسمي بين وزارة التربية والتعليم في الكيان الصهيوني ووزارة التربية والتعليم في مصر، للتعاون وتبادل الخبرات في "شؤون التربية الوطنية ومناهج التعليم" بين الوزارتين. كما أن السادات أبلغ واشنطن خلال زيارته لها في نيسان 77 أنه على استعداد لإقامة علاقات طبيعية مع إسرائيل خلال خمس سنوات من توقيع اتفاق بإنهاء حالة الحرب!
7- جرى استخدام الأنظمة العربية لضرب الثورة الفلسطينية وتنفيذ المجازر الدموية ضدها وضد الحركة الوطنية اللبنانية.
8- جرت إثارة المشاعر والعصبيات الطائفية والمذهبية والعنصرية في الوطن العربي، بشكل لم يسبق له مثيل، كما جرى تفجيرها بشكل دموي مريع في لبنان، وهناك مساع واضحة لتفجيرها في الأقطار العربية الأخرى.
كل هذا- وغيره كثير- جرى في ظل مساعي التسوية السياسية ومن ضمنها، ودون أن يكون قد استعيد من الأراضي المحتلة إلا بضعة كيلومترات على الجبهتين المصرية والسورية كما قلنا سابقا.
إن سياسة الأنظمة العربية تجاه مساعي التسوية السياسية، هي بشكل واضح، خضوع لقواعد اللعبة التي يتحكم بها التحالف الإمبريالي- الصهيوني.. فهذه الأنظمة تعمل لاستعادة بعض الأراضي المحتلة عام 67 عن طريق كسب رضا ذلك التحالف بتقديم التنازلات الكبرى له.
وهذه بالضبط هي قواعد اللعبة الأمريكية الصهيونية. وليست التنازلات في ظل هذه القواعد إلا تفريطا بأوراق القوة العربية لصالح المزيد من الاختلال في موازين القوى المحكومة أصلا بتفوق الطرف الآخر.. بالرغم من ضخامة الإمكانيات العربية التي تكبلها هذه الأنظمة وتعطلها". (ص4و5و6و7).
عدد الزيارات
16305967

Please publish modules in offcanvas position.