في ضوء حادثة فرنسا الأخيرة.. المشكلة مقلوبة و الفشل في المسلمين و ليس في الإسلام

أ بهجت سليمان في مكتبهد. بهجت سليمان


1▪︎
من خلال جملة واسعة من الأساليب يحقّق أعداء العرب و الإسلام يوماً بعد يومٍ تحوّلات ثقافيّة و أيديولوجيّة و سياسيّة في مزاج و سيكولوجيا الشّعوب الغربيّة ، عن طريق تأليبها ضدّ الإسلام بواسطة صناعة صورة نمطيّة للمسلمين يؤطّرها التّعصّب و البربريّة ، في سياق مخطط أصبح واضحاً و بسيطاً بالنّسبة إلى الباحثين عن “ الحقيقة ” التي يجري تكريسها اليوم حيث يجري الانقضاض على حقوق الشّعوب و المجتمعات و الأفراد التي جاهرت بعدائها للظّلم العالميّ الذي تقوده “ احتفاليّة ” العولمة و التّط بيع بيع بيع .
2▪︎ و حيث لا تنفكّ المشاريع السّياسيّة الإستعماريّة تتوضّح على عادتها دائماً و بمناسبة و من دون مناسبة ، فإنّها تسخّر لها جزءاً واسعاً من أفكار و أفراد و دول التّخلّف و على رأسها الدّول و المجتمعات العربيّة و الإسلاميّة ، لتعمّق بواسطتها الذّرائع و الحجج التي تدّعيها من أجل كسب المزيد من الإقناعات و القناعات الاجتماعيّة و السّيكولوجيّة في مجتمعات الغرب السّاذجة إلى صفّها ، من أجل التّحضير لعالم جديد و العمل على أن يكون هذا العالم خالياً من الرّافضين لأيّ فكرة أو تحويل ثقافيّ يجري اليوم في نطاق تعقيم العالم التّدريجيّ من الأفكار الحرّة و الثّقافات الخاصّة ، سعياً وراء ثقافة واحدة تشمل فيها أهمّ أهداف تطبيع العالم بأفكار و مذاهب و مناهج العادات الجديدة التي تقبع وراءها حداثات العالم المعاصر المتقدّمة و التي تعمل عليها الفكرة العولميّة الواحدة في تدجين الشّرق و الغرب.
3▪︎ تسخّر لها الحداثات الصّهيونيّة العالميّة نسقاً شاملاً من الحساسيّة العالميّة و طرائق التّحشيد النّفسيّ الاجتماعيّ للشّعوب ، بواسطة تحطيم المثل التّقليديّة للبشريّة من أديان و معتقدات و قناعات و مذاهب في عمليّة من عمليّات توحيد “ الحكم ” البشريّ ضدّ بقايا العالم التّقليديّ القائم أو الذي كان قائماً في مخيّلات الخطاب الحداثيّ حول الحقيقة و الواقع و الحقوق الإنسانيّة التي نادت بها أفكار التّنوير.
لقد انعطفت “ البشريّة ” اليوم منعطفاً حادّاً في اتّجاه إنكار جميع أفكارها و تقاليدها قبل عصر العولمة الذي نضج بشدّة مع الألفيّة الثّالثة، و انقلبت على جميع ما كانت هي نفسها وراءه من نظم و تقاليد حيث تطلّب و يتطلّب “ التّطوّر ” الجديد المعاصر لقوى الإخضاع و السّيطرة العالميّة ، ما من شأنه أن يشكّل دفعاً حديثاً و “ حداثيّاً ” معاصراً للخصخصة الرّأسماليّة خارج إطار الدّولة القوميّة الإمبرياليّة ، و تمزيقاً شاسعاً للخصائص الوطنيّة و القوميّة التي شكّلتْ إلى حين عائقاً أمام تطوّر السّوق العالميّ من جهة عولمة الاقتصاد العالميّ في الإنتاج و التّوزيع ، عبر الاحتكارات التي طوّرتْ و تجاوزت الإمبراطوريّات الرّأسماليّة التّقليديّة ، و دخلت في نماذج أخرى مستحدثةٍ بمهارة و فرادة و عجائبيّة لتعاضدات القوّة و السّيطرة و المال و التّكنولوجيا و الاقتصاد العالميّ ، بعيداً عن الأشكال المحصورة في دول.
وقد تحوّل و يتحوّل العالم إلى دولة من الفكرة الواحدة التي طغت على غيرها و هي التّسلّط بالقوّة و العنف و ذلك مهما كانت مواضيع العنف و القوّة.

4▪︎ في هذا الإطار كان لا بدّ للفكرة العالميّة من أن تغتذي على أحداث و قوى و مؤامرات في إطار الثّقافة و السّياسة و الدّين على مستوى البشر ، و دخلت من أضعف مواطن الثّقافات العالميّة التي لم تجارِ في تطوّرها واقع الحداثة العالميّة الأخيرة في شكلها العولميّ و المعولم ، و طبيعيّ أن تجد في “ الإسلام ” كنماذج و أنماط للتّفكير الأيديولوجيّ و الحزبيّ و الاجتماعيّ و السّياسيّ و الجغرافيّ و النّفسيّ موطئاً خصباً و بيئة جاهزة للعبث و الّلغبصة الفرديّة و النّسقيّة و الاجتماعيّة ، من أجل التّأثيرات الكاسحة التي شهدناها و نشهدها في العقود الأخيرة ، و التي سحقت تماسك الإسلام و المسلمين عبر عصابات و جماعات و أحزاب سياسيّة و إسلامويّة سخّرت لها قوى و جيوشاً من الإرهاب و العنف اكتسحت أوّل ما اكتسحتْ دولاً و مجتمعات إسلاميّة و حطّمتها ، و حقّقت بواسطتها أهدافاً مباشرة في تصوير الإسلام على أنّه دينٌ للعنف بالعنف!


5▪︎ كان هذا ممّا حضّر البيئة البشريّة العالميّة للعداء للإسلام اليوم . و في المقابل نشرتْ العولمة لها هذا السّلاح " الإسلاميّ " في معظم دول العالم المعتبرة من دون استثناء.
و حيث وصل الأمر إلى هذه الدّرجة ، كان لا بدّ من خلق وقائع مزيّفة و مدبّرة و مأجورة من ضمن قوى الإسلام السّياسيّ العالميّ.. لتجعل منها مثالاً للمقارنة بينها و بين “ ثقافة الغرب ” المتسامحة ثقافيّاً و فكريّاً وفق ما عملت عليه العولمة الإعلاميّة و الثّقافيّة من تصوير ناجح و مدروس.
فجرى تظهير الإسلام كأعنف فكرة دينيّة عرفها التّاريخ في وقت من الزّمن اجتاحت فيه أفكار “التّحضّر” و التّمدّن و “الخير” المزعوم بيئة البشر في كلّ مكان . وتحدّد “الإسلام” وجرى تسويقه كمعادٍ للبشريّة و الإنسانيّة و جميع قوى العدالة ( المزيّفة ) في الأرض و إلى جانبها قوى “الخير” و “السّلام” و “المحبّة” و “الجمال”.
هذه مصطلحات و مفاهيم استطاعت أن تغزو “ضمير” المجتمعات ( السّاذجة ) في جميع أصقاع الأرض..و كان لا بدّ لها من أجل ذلك أن تُقارَنَ مباشرة بالنّقيض الثّقافيّ العالميّ “العنيف” الذي كان عليه أن يظهر بمظهر الوحشيّة و القتل و الظّلم و الاعتداء على مقدّسات الإنسانيّة ، فاستطاعت حداثة العولمة أن تحوّله إلى “واقع” مباشر و مصوّر في هيئة البشر ، فاختاروا له - هم أنفسهم قادة العولمة المعاصرة - أفراداً من هنا و هناك صنعوها بإتقان و مهارة جديدة على البشر ، و أطلقوها كالوحوش حقّاً في المجتمعات العالميّة.
و حادثة فرنسا الأخيرة و قبلها غيرها.. كانت من نتائج ذلك التّدبير الذّكيّ ، و معها كانت ردود الأفعال الاجتماعيّة و السّياسيّة و الثّقافيّة و الإعلاميّة الغربيّة جاهزةً لمزيد من الاتّهام الثّابت و تأجيج الكراهيّة ضدّ الإسلام و المسلمين و تصويرهم كنوع منحرف ببربريّة نحو توحّش جديد.. !
6▪︎ من الأهداف التي تعمل عليها الأمركة العولميّة الصهيونيّة في العالم اليوم ، التّضييق على الإسلام و المسلمين في كلّ المجتمعات و الدّول و في كلّ مكان ، و بخاصّة اليومَ في دول المهجر الأوربيّة التي تحاصر المهاجرين المسلمين من أجل فرض عزلة و اندماج قسريّ و وضيع في الوقت نفسه ، إذ تصوّرهم أنّهم مجرمون في نماذج من حثالات الإسلام السّياسيّ استؤجروا لهذا الغرض ، فيما تصوّرهم في الوقت نفسه في ما تصنعه منهم من صور ضروريّة خائفة و جبانة و “مسالمة” و مدحورة في اختيارات ذاتيّة ناجمة عن الخوف من ردّ الفعل الاجتماعيّ و السّياسيّ الأوربيّ.
مرّةً أخرى ، هذه فرادة و عجائبيّة في غزارة أفكار و أساليب العولمة المعاصرة في القرن الواحد و العشرين ، و مستقبلها الطّاغي.
7▪︎ الحادثة الأخيرة في فرنسا التي شغلت كثيرين ، ما هي سوى حادثة إسلامويّة سياسيّة إجراميّة نظّمت لها قوى التّطبيع العالميّة بقيادة أميركا و بريطانيا و فرنسا و “إسرائيل” و غيرها أيضاً من الدّول الوازنة في العالم.. و التي حقّقتْ أهدافها في تصويرها لإرهابيّة الإسلام التي صنعوها له في دول الحكومة العالميّة المعاصرة ، و في دحر الثّقافة الإسلاميّة بما تشكّله من قوى و فضاءات جيوسياسيّة و إقليميّة و دوليّة في انتشارها القسريّ مؤخّراً في العالم ، و إبرازها كثقافة معادية للشّعوب بدون استثناء.
8▪︎ لقد استطاعت قوى الغرب القاهرة للبشريّة بالعنف المباشر و غير المباشر أن تحقّق نقلة جديدة على طريق تراكم “مآثر” و “جرائم المسلمين”..
و في سياق ذلك فإنّنا نقف على أتفه إعلام عربيّ و إسلاميّ عرفته الحاضرات و الأرياف المتوحّشة اليوم في العالم ، و أكثرها بدائيّة و كهفيّة و مأجوريّة و نذالة.. بالدّفاع عن “الجريمة” بوصفها مثلاً و قدوة للإسلام.
في الوقت الذي كان على الإسلام التّبرّؤ من الفعل السّاقط الأخير الذي ادّعى أنّه فعل ينصر من لا حاجة فيه إلى نصرة الإنسان..وهو نبيّ الإسلام الرسول محمّد بن عبد الله ، في الوقت الذي استطاع فيه الحدث الشّنيع بالقتل أن يُظهر أنّ الإسلام لا يعرف التّسامح مع “الرّأي” و بالتّالي هو غير جدير بأن يكون مكوّناً من مكوّنات العصر الحضاريّة وأنه ينبغي استئصاله بكلّ الأشكال الممكنة و طبعاً المتاحة بواسطة مسلمين.. أفراداً و قوى و أحزاباً و دولاً و مؤامراتٍ و خيانات.
9▪︎ في السّياق نفسه من احتقار العالم و الأديان و العقول الذي يُمارسه اليوم طُغاةُ العالم ، فإنّه ليس مفاجئاً ، مثلاً، في سياق ذلك ، هذه المصالحة التّاريخيّة الأخيرة بين “دولة طالبان” في أفغانستان المصنّفة كأعتى “دولة” إرهابيّة في العالم المعاصر ، و بين الولايات المتّحدة الأميركيّة في مشهد لا يمكن أن يسبقه مشهد غيره بالفظاظة و الفظاعة و الصّفاقة و قلّة الحياء السّياسيّ و انعدام الأخلاق الذي سجّلته البشريّة مؤخّراً بواسطة دولها العالميّة الأكبر اليوم!
إنّ وقاحة الحداثة العالميّة الجديدة بلا ضفاف أو حدود . غير أنّ جزءاً من المشكلة التي ليسَ لها حلّ ، هو فينا و هو كامن في تكويننا التّاريخيّ كمسلمين و مشرقيين و هو أنّنا قبلنا بواسطة منظومات من السّياسات و الدّول و المجتمعات و الأفراد أن نكون هزيلين في مقاومة الجزء الأهمّ من الحرب ، و هي الحرب ضدّ الوجود بما هو الوجود هويّة و ثقافة و أنفس و عقول و كرامات و صفات.
10▪︎ إنّ التّعبير الأخير بواسطة الجريمة الإسلامويّة السّياسيّة في أوربا ، لا يُمكن أن يعبّر عن “الإسلام” على الرّغم من أن الغباء يجعل منه تعبيراً رسميّاً فعليّا عن الإسلام ، بواسطة وعي ناقص و تافه يخوضه كثير من المسلمين في العالم وراء فخّ نصبه لهم أسيادهم هنا و هناك ، للقيام بالدّفاع عن “الجريمة” قبل أن يتمكّن الغرب العولميّ اليوم من أن يُسوّق ذلك في إطار حاجات العالم المعاصر في سحق كلّ من تخلّف عن التّقدّم بما فيه “المسلمون”.. و طبعاً دون الإسلام.
عدد الزيارات
16225731

Please publish modules in offcanvas position.