الغضب المتراكم.. لماذا يكرهون الغرب؟

كتب عدنان بدر حلو- باريس:

(بمناسبة الأزمة الحالية بين القيادة الفرنسية والعالم الإسلامي نعيد نشر هذا المقال الذي تعرض لظاهرة العنصرية ضد الجاليات العربية والإسلامية في العالم الغربي..وقد سبق نشره بالتاريخ المذكور أدناه):
ما من شك في أن الاعتداءات الدموية التي شهدتها باريس مؤخرا هي عمل إرهابي متوحش يستحق أقصى درجات الشجب والإدانة.
لكن، مع ذلك، يبقى حدوث هذا العمل البربري وما سبقه من أعمال مماثلة وما قد يتبعه أيضا، مدار تساؤل حول الخلفية التي تنطلق منها تعبئة هذه المجاميع من الشباب العرب والمسلمين الذين تربوا معظمهم في أحضان الغرب وتمتعوا بخيراته وتعلموا في مدارسه وتمرسوا في التعامل مع تقنياته المتقدمة، ويفترض أنهم تشبعوا بما في مجتمعه وثقافته من قيم الحرية والإخاء والعدل والمساواة!
ثمة تاريخ لا يمكن تجاهله:
1- ما من شك في أن الذاكرة الجمعية لشعوب بلدان العالم الثالث، وفي مقدمتها البلدان العربية والإسلامية، تحتفظ في زاوية شديدة الخصوصية بعقود من الاحتلال والاستعمار عانت فيها الكثير من الظلم والقهر والاستغلال ونهب الثروات الوطنية.
2- وبعد أن قدمت هذه الشعوب ما قدمت من التضحيات من أجل الحصول على الاستقلال، واصلت الدول الغربية عمليات التدخل في الشؤون الداخلية لتلك الدول حديثة الاستقلال، سواء من حيث التلاعب والتأثير في اختياراتها السياسية وشؤونها الداخلية، أم من حيث مواصلة استغلال ثرواتها ونهبها بمختلف الطرق والوسائل، وفي مقدمتها الشراكات المصلحية القذرة مع النخب الفاسدة المتحكمة برقاب هذه الشعوب وحياتها السياسية والاقتصادية في فترات ما بعد الاستقلال.
3- ما من نظام ديكتاتوري في العالم الثالث إلا وكان يتمتع بالدعم والحماية من قبل الدول الغربية، سواء بدعوى محاربة الشيوعية خلال فترة الحرب الباردة، أم بدعوى ضمان الاستقرار واستتباب الأمن في الفترة التي تلت تلك الحرب.
4- ما من حالة فساد واحدة في كل أنظمة الحكم التي عرفها العالم الثالث خلال فترة ما بعد الاستقلال، إلا وكانت خيوطها ممسوكة بأيدي شركات الغرب متعددة الجنسية والعابرة للدول والقارات. وما من فاسد واحد في هذا العالم "المتخلف" إلا وكان فساده نوعا من الشراكة المباشرة مع المؤسسات المالية والاقتصادية الغربية بحيث يحصل على شيء من فتات ما تجنيه تلك المؤسسات من ثمار فساده.
5- كل النزاعات والحروب الداخلية والخارجية التي عانى منها العالم الثالث منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية منتصف القرن الماضي، كانت من موروثات ومخلفات العهود الاستعمارية وما رسمته تلك العهود من تقسيمات وتشكيلات مزروعة بالألغام السياسية والعنصرية والدينية والطائفية والمذهبية التي ظلت المصدر الرئيس لمناخات التدخل والتلاعب الخارجيين بمصائر تلك الشعوب وتفجير تناقضاتها المرسومة مسبقا بالكثير من العناية!
هذا على صعيد العلاقة بين الغرب وشعوب العالم الثالث، وفي مقدمته شعوب العالمين العربي والإسلامي. لكن ماذا عن العلاقة مع المهاجرين من أبناء هذه الشعوب الذين تيسر لهم أن يهاجروا ويعيشوا بين ظهراني شعوب الدول الغربية؟
ما من شك في أن حقبة الاستعمار قد خلقت بالضرورة روابط مصلحية وحياتية بين الغرب وبين مجموعات كبيرة من أبناء البلدان المستعمَرة ارتبطت بالإدارة الاستعمارية والكولونيالية، وكان طبيعيا أن تلتحق كثرة منها بمكونات تلك الإدارة عندما انسحبت إلى بلدانها. وعلى هذا الأساس نرى أن أعدادا كبيرة من أبناء المستعمرات قد انتقلوا للعيش في بلدان مستعمريهم السابقين. فنرى أجيالا من أبناء الهند الصينية وشمال أفريقيا، بشكل خاص، يعيشون في فرنسا. كما نرى الكثير من الهنود والباكستانيين واليمنيين وبعض أبناء البلدان الأفريقية التي كانت مستعمرات بريطانية يعيشون في بريطانيا.
يضاف إلى هؤلاء وأولئك أن البلدان الأوروبية احتاجت في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية إلى عدد كبير من الأيدي العاملة الرخيصة، فعمدت إلى تشجيع وتسهيل هجرة مئات آلاف الشباب من أبناء المستعمرات السابقة لاستخدامهم في الأعمال اليدوية التي لا تحتاج إلى مهارات متقدمة كمناجم الفحم والمعادن والسكك الحديدية والنظافة وغير ذلك من الأعمال التي لا تشكل جاذبا للعمالة الأوروبية الأصلية. ومن الطبيعي أن يكون هؤلاء العمال المهاجرون من فقراء بلدانهم ولا تمكنهم دخولهم المتدنية من العيش بين ظهراني الشعوب المتقدمة في مهاجرهم الجديدة، فراحوا يشكلون "غيتوات" وأحياء فقيرة ومدن صفيح خاصة بهم منعزلة في أطراف المدن الأوروبية وضواحيها. وكان طبيعيا، نتيجة ذلك أن يتشكل مجتمعان مختلفان ومتفاوتا التطور في كل بلد من بلدان العالم الغربي! المجتمع الأوروبي العادي بمستوى معيشته وثقافته وقيمه الحضارية المعروفة، ومجتمع المهاجرين الفقراء بكل ما حملوه معهم من بلدانهم المتخلفة من عادات وأساليب حياة ومعيشة مختلفة كليا عما لدى "جيرانهم" في البلد الواحد!
ما من شك في أن هذا التفاوت بين المجتمعين المتجاورين في البلد الواحد سيشكل بالضرورة مادة لنوع من الشقاق المعبر عنه بأشكال من العنصرية لدى شرائح معينة من أبناء المجتمع الأوروبي الأصلي، وبأنواع من الشعور بالدونية والحقد الاجتماعي والطبقي لدى قطاعات واسعة من أبناء المجتمع المهاجر. وقد زاد من حدة هذا التفاوت ومنتجاته الانشقاقية ما شهدته المجتمعات الغربية من تطورات مع العقود الأخيرة من القرن الماضي وخاصة مع بروز ظاهرة البطالة كمشكلة حادة جدا أصابت تلك المجتمعات. وفي غياب الحلول الحقيقية والجذرية لهذه المشكلة لدى الطبقة المسيطرة على الحياة السياسية الأوروبية، ازدادت مساحة القطاعات التي انتشرت لديها القناعة بأن المهاجرين هم الذين يسرقون منها فرص العمل ويتسببون ببطالتها!! الأمر الذي كان يشعل المزيد من الوقود في أتون الحالة العنصرية ويمد القوى اليمينية المتطرفة بالمزيد من القوة، ويوسع من دائرة نفوذها وتأثيرها على الحياة السياسية في بلدانها.
ومن المؤسف أن شيوع الانتهازية السياسية لدى الأحزاب الأوروبية اليمينية واليسارية ما بعد انهيار المعسكر الاشتراكي واضمحلال ظاهرة الشيوعية الأوروبية، دفع بالطرفين المشار إليهما لمسايرة الظاهرة العنصرية بمواقف وشعارات كانت تصب كلها في طاحونة اليمين المتطرف وتزيد من عوامل الغضب والحقد المتراكمين بين المجتمعين!
ومع نهاية القرن الماضي وبدايات القرن الحالي، شهدت المجتمعات الأوروبية معطيات جديدة تبلورت في أمرين:
- الشيخوخة الاجتماعية لدى الأوروبيين: والفجوة العمرية الكبيرة التي بدأت تظهر في هذه المجتمعات نتيجة قلة عدد المواليد الجدد والأيدي العالمة الأوروبية الشابة.
- الثورة التقنية: التي أظهرت حاجة ماسة لدى هذه المجتمعات لأيدي عاملة شابة ومتعلمة ومؤهلة لاستيعاب التقانات الجديدة والمتطورة والتعامل معها.
في هذه الأثناء ظن الأوروبيون الغربيون أن فرصة كبيرة قد سنحت لاستدراك هذا "النقص" البشري مع انهيارات أوروبا الشرقية، اعتقادا منهم أن أعدادا كبيرة من شباب هذه البلدان الشيوعية السابقة سيرفدون سوق العمل الغربي ويسدون عوزه للعمالة الشابة! لكنهم سرعان ما فوجئوا بأن أوروبا الشرقية ليست أقل منهم معاناة من الشيخوخة الاجتماعية.
وقد كان لدى الأوروبيين الغربيين منجم حقيقي (بل كنز) لتلبية هذه الحاجة الملحة، هو الأجيال الجديدة من أبناء المهاجرين الذين ولدوا وترعرعوا وتعلموا في المدارس والمعاهد الغربية وباتوا يتقنون بشكل تام لغاته وعلومه وتقاناته. وما كان الأمر ليحتاج إلا لتعامل جيد وطبيعي وعادل مع هذه الأجيال الشابة ينسجم مع ما يرفعه المجتمع الأوروبي من شعارات وقيم تتمحور حول العدالة والحرية والمساواة، كي يستوعبوا مئات آلاف الشباب الذين كانوا سيعتبرون أنفسهم أبناء شرعيين للمجتمعات الأوروبية التي ولدوا بين ظهرانيها ويحملون جنسياتها ويتشربون بثقافاتها.
لكن ما كان يجب شيء... وما جرى بالفعل شيء آخر.
فقد انسحبت النظرة والمعاملة مع أجيال المهاجرين السابقة الفقيرة والبسيطة والمهمشة، على الأجيال الجديدة. من حيث التمييز في التعامل الاجتماعي أو الإداري أو السياسي أو الديني.
وأضاف إلى هذه الحقائق ذات النكهة العنصرية ما جرى من تطورات سياسية عالمية تتعلق بالمواقف الغربية من قضايا عربية وإسلامية ظهر فيها الانحياز ذو المظهر العنصري حادا وجليا. لاسيما عندما كان الأمر يتعلق بالصراع العربي- الإسرائيلي (الانتفاضتان الأولى والثانية وإعادة احتلال الضفة الغربية وغزة ومحاصرة القيادة الفلسطينية في رام الله واغتيال الرئيس ياسر عرفات) أو بغزو العراق وما صاحبه من حملات افترائية مفضوحة لم يكن هناك أي مجال أمام الأجيال الجديدة من أبناء المهاجرين العرب والمسلمين الذين تربوا على قيم العدالة والحرية والمساواة في المجتمعات الغربية، إلا تفسيرها على قواعد التمييز والعنصرية والكذب المفضوح، فيزدادوا قناعة بعدوانية هذه المجتمعات تجاههم وتجاه ما هم مرتبطون به من قضايا في مجتمعاتهم الأصلية التي تربطهم بها روابط الوطن والدين والقومية.
وما من شك في أن اضمحلال وغياب الدور السياسي للقوى الديمقراطية والتقدمية في البلدان العربية والإسلامية خلال العقود الماضية قد أثر تأثيرا سلبيا كبيرا على هذه الحالة الاغترابية، وترك المجال مفتوحا أمام القوى الدينية بكل ما لديها من تمويل ودعم "بترودولاري" لاستثمار الغضب المتراكم لدى هذه الآلاف المؤلفة من الشباب العربي والإسلامي الذي يعيش في المهاجر الأوروبية وتمويل ما ظهر بين صفوفه من حركات وجمعيات ومنظمات دينية مناهضة لمجتمعاتها والدفع بها في متاهات التطرف والتكفير ومن ثم الإرهاب الذي بات يشكل خطرا كبيرا على هذه المجاميع الشبابية نفسها قبل أن يكون خطرا حقيقيا ومدمرا على المجتمعات التي تعيش بين ظهرانيها وعلى قضاياها الوطنية والقومية والدينية التي تعتقد أنها تناضل من أجلها وتزود عن حياضها.
 

تنويه: كتب المقال في 17/11/2015

عدد الزيارات
16287385

Please publish modules in offcanvas position.