عولمة الحرب السّوريّة على المستوى الدّاخليّ- 2 من 3

أ بهجت سليمان في دمشق[ عولمة الحرب السّوريّة ، على المستوى الدّاخليّ ]
( الدّور المرسوم ، و التّفادي الممكن لنتائج المَأزِق التّاريخيّ )
( إعادة الهندسة السّياسيّة للدّولة و المجتمع )
《 الحلقة الثانية " 2 من 3 " 》
 
● د. بهجت سليمان
 
11▪︎و إذا كانت (اليابان) هي اليوم أكثر الأمم شيخوخة على ظهر البسيطة ، نتيجة الانخفاض الحادّ في معدّلات المواليد ، فإنّ ما هو مرسوم من دور للمجتمع السّوريّ ، يدخل في بوتقة أكثر المجتمعات شيخوخة في غضون الخمسين سنة المقبلة . و هذا إذا أخذنا بعين الاعتبار ما ينتظر مجتمعنا من تجنّب الأسر للولادة مع انخفاض فرص العيش و العمل و الطّعام و الشّراب ، و مع سوء الأوضاع الصّحيّة و تكاليف العلاج الباهظ التي هلّت بشائرها ، و ارتفاع أسعار الأدوية ، و انخفاض معدّلات دخول الأفراد و الأسر موزّعة على المواليد الجديدة و أصحاب الأسر و السّاكنين ؛ حيث ينتظر المجتمع السّوريّ تراجعاً سلبيّاً في معدّلات النّموّ السّكانيّ ، إلى درجة انعكاس مؤشّر هذه المعدّلات انعكاساً سلبيّاً إلى ما دون الصّفر .
12▪︎ ربّما ستواجه سورية حالة غير مألوفة من أوضاع المواليد ذوي النّسب المجهول ، لم تعرفها البشريّة منذ آلاف السّنين أو أكثر أو أقلّ ، حيث كان عسيراً على النّظام الاجتماعيّ السّائد توثيق نسب المولود لاختلاط الأبوّة في الوقت الذي لا تنفع فيه الأمومة في تحديد مرجعيّات النّسب . لا أتحدّث فقط عن "مجاهدات النّكاح" الإسلامويّات البدائيّات المتوحّشات الّلائي انتشرت ظاهرتهنّ في الحرب الإسلامويّة السّوريّة المعاصرة ، و إنّما أيضاً أشير إلى الطّابع الاجتماعيّ المختلط للإنجاب في ظروف العجز عن ابتناء الأسرة المعروفة للثّقافة المعاصرة ، و انتشار ثقافة "المساكنة" التي يحتفي بها البعض اليوم ، منضافاً إليها تقاليدٌ جديدة من الإدمان على المخدّرات و العقاقير المهلوسة بأنواعها الهابطة و المدمّرة للجملة العصبيّة و الصّحّة العامّة و الوعي المسؤول و الإدراك لأبعاد السّلوك و التّصرّفات ، مع ما يُرافق ذلك من دمار و تدمير ذاتيين يبدوان للكثيرين أنّهما أفضل ما يُؤتَيان من حُلول سهلة غير مكلفة و بأثمان بخسة و مقدور عليها دون غيرها من الحلول المضمونة و الضّامنة لمواجهة المصاعب بالهروب و النّسيان .
13▪︎ يرتبط الأمر ، كما أشرنا ، بثقافات شاملة حول الجدوى الكامنة في قيمة الحياة نفسها التي يمنحها المرء لنفسه و للآخرين ممّن هم في عداد الالتزامات و الواجبات . و تظهر آثار هذا الأمر في ثقافة الدّفاع عن الذّات الأسريّة التي كانت ، إلى حين ، جزءا من ثقافة مقدّسة و قد غدت اليوم عبئاً على الوجود الذّاتيّ ناهيك عن الشّعور المرتبط بجدادتها الموحية بالجناية التي يمارسها الأهل على الأبناء . و بالعموم ، فإنّ عصراً كاملاً متباينَ القيم و الاعتبارات ، قد أزف مع الحرب السّوريّة ، حتّى كأنّنا ، عند الدّقة و التّدقيق ، قد دخلنا في عصر جيولوجيّ و مناخيّ مغاير و مباغت و ماحق ، مع أنّه - بالفعل - ليس بعيداً عن معقوليّة هذا الانحراف البشريّ و الظّرفيّ العالميّ المحيط .
14▪︎ لقد طرحت الحرب السّوريّة جملة من المعضلات التي ليس لها حلول عمليّة كفيلة بإنقاذ المجتمع و الأفراد و العلاقات و التّضامنات و التّكافلات التي كانت إلى حين من معتبرات شبكة العلاقات الاجتماعيّة في الدّائرتين الصّغرى و الكبرى اللتين يقوم عليهما المجتمع في حياته الطّبيعيّة اليوميّة و العامّة . و حيث لا يخرج الأمر عن إطار الوقائع الفعليّة لآثار الحرب ، فإنّ الأسئلة المطروحة على الدّولة في سورية تعبّر عن مأزق تاريخيّ جِدّيّ يصبح معه تجاهل الواقع أو التّهرّب أو الهروب منه ، ليس أكثر من أمنيّات يعرض اجترارها فشلاً ذريعاً في محاولات القفز المُتعثّر فوق مضامينها المطروحة بالجملة في وقت لم يجرؤ التّخطيط و لا كذلك القدرة عليه تناول تلك المشكلات التي يزيد من تفاقمها عزوف البرامج الحكوميّة عن إيلائها الاحصائيّات و الدّراسات و المسؤوليّات المناسبة ، في بيئة تنفيذيّة من آخر همومها أن تُخطّط لما هو يتجاوز جشعها و تحلّلها من واجباتها التي لا تعرفها ، بل و لا تستطيع ، و ذلك بحكم التّركيبة المأقوتة لما يُسمّى ، تقليداً فارغاً ، بإدارة الأزمات .
15▪︎ لسنا ، في الحقيقة ، في بيئة من بيئات الأزمات التّقليديّة العابرة مع هذه النّتائج غير الموصوفة ، بعد ، لفظائع هذه الحرب ، على هذا المستوى المحدّد و حسب ، ناهيك عن الآثار الأخرى التي لا يمكن التّطرّق ، بالحديث ، لها ، في مثل هذه المناسبة التي حدّدت لها إطاراً نوعيّاً لإثارة مشكلتها على التّخصيص . غير أنّ ما نثيره ، هنا ، هو كفيل بإلقاء الضّوء ، بالإيحاء و الاستنتاج ، على قائمة من المشكلات الأخرى التي تتّصل ، بتلاحم عضويّ مباشر ، بجوهر هذه المشكلات العضويّة التي تؤسّس لوقائع أخرى وثيقة الصّلة بها ، لا يعتبر السّكوت عليها أو ضيق الحديث دونها ركوناً من الطّمأنينة إلى انتفائها أو إعفاء أنفسنا منها بوصفنا ( أي بوصف المعنيين ..) مخطّطين أو منفّذين لسياسات الدّولة في الحكومة و المؤسّسات و مهمّات التّوقّع و التّحليل و القراءة و الإحصاء و التّخطيط و وضع البرامج و الحلول .
16▪︎ و في هذا السّياق لنا أن نتصوّر حجم معاناة المستقبل الاجتماعيّ و السّياسيّ لحياة "الضّعفاء" الذين هم كتلة المجتمع العامّة ، من انتشار بيئة الجريمة بكلّ صنوفها مع ما يتعمّم من روح اجتماعيّة عامّة من ثقافات الأنانيّة و النّصب و الاحتيال و الانعزاليّة الأخلاقيّة المتطرّفة ، مع ما يُرتّبه هذا الأمر من إمعان في سلوك المصادرة الفرديّة للحقوق العامّة بما يرافق ذلك من جشع كلبيّ و ذئبيّ و متغوّل في سلوك أعزل كافٍ بذاته ، أو مسلّح .. كما هو منتشر حاليا ، مع دخول ذلك في طور "التّنظيم" و الجريمة المُمَأسَسَة و المدعّمة ، رسميّاً ، بمرجعيّات منهجيّة ليست غريبة على أجواء ممارسة "القانون" و "المحاماة" و "القضاء" و "السّياسة" ، بحيث يتحوّل ، اليوم ، جميع ذلك ، تدريجيّاً ، إلى "مؤسّسات" حقيقيّة و فعليّة لتجاهل الانحراف و الجريمة و القفز عليها ، طالما أنّ هنالك من يقوم بدور تمويل هذه "الظّاهرة" العامّة من الابتكارات المعاصرة من فائض المال الدّخيل على الحياة الطّبيعيّة و النّشاط الإنتاجيّ المشروع ، لإعادة "تنظيم" المجتمع و "المؤسّسة" العامّة على إيقاع الانفلات الشّامل من القيود الأخلاقيّة التي كانت صالحة لمجتمع سابق ، ولّى إلى غير رجعة ، و صار من عداد الذّكريات .
17▪︎ أسّست "الحرب" لثقافة تدميريّة حقيقيّة اخترقت الأصول و الفروع الاجتماعيّة و الثّقافيّة و الاقتصاديّة و السّياسيّة ، أعادت تشكيل الوعي العامّ و "المؤسّسة" العامّة ، إذ كانت تلك الهيكليّة البنيويّة مؤهّلة بطبيعتها لأجل ذلك في ظلّ غياب وعي اجتماعيّ متضامن و متكافل و مؤطّر لمواجهة الآثار النّاجمة عن هذه الحرب .
إنّ الأغرب في هذا الواقع ، إنّما هو عجز الجميع عن تصوّر المواجهة المناسبة لهذه المستجدّات ، و عدم الرغبة في هذه المواجهة ، إذ تتدفّق المصالح المختلفة من شتّى الأطراف و الجهات لتجتمع في اتّفاق مقول أو مضمر ، و لكنّه مفهوم و مقصود من قبل أطرافه و مستفيديه ، و ذلك من أجل استدامة بيئة التّخريب الموافقة للحداثة السّوريّة المعاصرة التي أينعت مؤخّراً في اتّجاهات جرى و يجري الاحتفاء العامّ بها بوصفها اتّجاهات خادمة على نحو بليغ لانحطاط إنسان هذا العصر الذي انفتحت أمامه مختلف طرق "الفرح" التي تُتاح لأكثر المكوّنات الاجتماعيّة جهالة و تخلّفاً و بدائيّة و وحشيّة و بذاءة تاريخيّة حان موعدها بعد طول انتظار !
رافق ذلك ، الاستخفاف بمنظومة القيم التي كانت قد شكّلت حاملاً تاريخيّاً لشخصيّة المجتمع و الدّولة و المؤسّسات و الحكمة و التّقدّم التّاريخيّ ، ليدخل "الجميع" ، راغبين أو صاغرين ، في "تطوّر" تاريخيّ يبدو أنّه من المُحال الرّجوع عنه إلّا بتنظيم عال و كبير لتركيبة سياسيّة وطنيّة و تاريخيّة تختلف بالمطلق ، في مفاهيمها ، عما هو سائد منذ بدء الحرب ، بل منذ ما قبل الحرب .
● ثانياً - هل سيُتاح للسّوريين الخروج من هذا المَأزِق التّاريخيّ ؟
18▪︎ لا توجد و لا تقوم دولة من دون مجتمع قويّ و "سليم" في الحدّ الأدنى الذي وجد من أجله الاجتماع البشريّ التّاريخيّ في إطار أبعاده الإنسانيّة الأوّليّة و البسيطة .
حتّى أنّ القوّة السّياسيّة للدّولة هي من غير المُتصَوَّر بعيداً عن وشائج اجتماعيّة وظيفيّة موزّعة على أدوار و تفاعلات و بنًى إنتاجيّة مادّيّة و رمزيّة ، تكفل حدّاً أدنى طبيعيّاً من مولّدات الوجود اليوميّ الكفيل بإضفاء "المعنى" على أشكال التّفاعلات المحدِّدة للاستمرار الذي يشجّع عليه الوعد بالنّتائج التي ينتظرها السّلوك و الفعل بالمضمون الملموس ، عمليّاً و نظريّاً ، لتحقيق الأغراض المرتبطة بالأمل الموجِّهِ و المُحدِّدِ للحيويّة البشريّة في الأهداف المعقولة و العقلانيّة المرتبطة بالتّلقائيّة المنافية للإحباط و اليأس في النّتائج المترتّبة على العفويّة و التّخطيط .
و من الظّاهر أنّ اقتران هذه المسوّغات المختلفة و المتبادلة التّشارط إنّما هو أمر يقرّره الوجود العمليّ للدّولة و المؤسّسات كما يُقرّره الوجود الاعتباريّ لشبكة علاقات الأفراد التي تأخذ شكل النّسيج الحيّ العضويّ و الفاعل للاقتصاد و التّبادل في جهود مختلف الأطراف التي تعبّر عن حياة الظّاهرة الاجتماعيّة و السّياسيّة في تفاعلاتها المستمرّة في جميع المناسبات .
19▪︎ تعيش سورية اليومَ على آثار أزمة مباشرة و تفصيليّة للدّولة و المجتمع ، بحيث تشكّل هذه الأزمة واقعاً يصعب فيه تحديد المسؤوليّات من جهة تبادل الأسباب و النّتائج و لو أنّه كان وراء كلّ ذلك واقع الحرب العدوانية على سورية الذي قد شكّل بدوره ، هو نفسه ، تداخلاً معقّداً بين الأسباب و النّتائج في اختلاط التّقوّلات و الأفعال .
و على عكس المألوف في القول ، فإنّ من الصّعب ، في هذه المناسبة التّاريخيّة العارمة ، أن يكون التّنظير ممكناً و بسيطاً ، ناهيك عن تصوّر الحلول العمليّة الكفيلة بتحديد مسارات الحدّ الأدنى و الأوّليّ للوصول إلى أولويّات و أوّليّات المخرج العامّ من هذا الواقع الفظيع .
تدخل الدّولة السّوريّة ، اليوم ، في غيبوبة الاختناق النّظريّ في التّخطيط ، كما في شلل العجز العمليّ عن القدرة على تجاوز محدوديّة المعطيات الموضوعيّة و الذّاتيّة ؛ فيما تعمل على محاولة تطبيع العلاقات اليوميّة للأفراد بواسطة رؤيتها التّنفيذيّة المحدودة و التي لا معالم نظريّة أو عمليّة لها كفيلة بصناعة الحثّ و التّحريض التّاريخيّ القيميّ الذي يشكّل دافعاً لبنى المجتمع نحو التّمسّك بالثّوابت التي تُعتبر مجرّبة بالنّسبة إلى مجتمعات أخرى و آخرين .
و ما ينطبق على الدّولة ينطبق على المجتمع ، أيضاً ، من جهة فقدانه محرّكاته القيميّة النّظريّة و العمليّة ، فيما تجري فيه المقارنات القاهرة بين سلوك الأفراد و سلوك المؤسّسات ، لينعكس ذلك في فظاعات أخلاقيّة و أنانيّة تحكم على معظم المواطنين بالانعزاليّة و الفرديّة و التّشرذم و محدوديّة الأغراض و الأهداف و عقم الغايات .
20▪︎ عمليّاً ، و بالّلغة اليوميّة الدّارجة ، لا يبدو في الأفق النّظريّ أو العمليّ ، إذاً ، أنّ ثمّة طريقاً مطروقة سابقاً للخروج من واقع هذه "الأزمة" التّاريخيّة التي أوجدتها الحرب . و هذا أمر طبيعيّ ، بل و منطقيّ - حتّى - بالقياس إلى طبيعة الحرب التي فُرضت على السّوريين و جعلت من "الواقع" الاجتماعيّ و السّياسيّ مختبراً للمُحالات .
و المشكلة الأفظع و الأنكى ، هي في أنّ للجميع ذرائعهم و حُججهم و أسبابهم و افتعالاتهم و تسويغاتهم التي اختلط فيها الواقع بالخيال ، و الحقيقيّ بالكاذب ، و الاجتماعيّ بالاقتصاديّ ، و السّياسيّ و العسكريّ ، و الخرافيّ بالأسطوريّ ، و الانتقام بالرّذيلة ، و الخاصّ بالعامّ ، و التّاريخيّ باليوميّ ؛ فإذا للجميع رواياته و حكاياته و قصصه و مطوّلاته ، كما للجميع مسوّغاته و مبرّراته ؛ إلى الدّرجة التي تُضطّرّ العقل ، في كثير من الأحيان ، إلى الدّخول في معمعة اليأس و مصنع القهر الذي دونه يشترك الوهم و الخيال و الفرضيّات بتسطير النّتائج اليوميّة التي تعصف بالوطن.
 
● غدا: الحلقة الثالثة والأخيرة " 3 من 3 "
 
عدد الزيارات
16286900

Please publish modules in offcanvas position.