علي محي الدين أحمد: عن التنمر والمتنمرين

آثار التنمر - موضوعالتنمر هو الإساءة لفظيا او جسديا تجاه أشخاص أضعف في الدفاع عن أنفسهم اتجاه هذه الإساءة وهو حقيقة ما يعرف عندنا بالعامية(بالمسخرة)و ما يعرف في مصر بالتريقة، باختصار الموضوع ليس جديدا وهو مرتبط بنفسية الشخص المتنمر و نظرته للاشخاص ،غالبا في مجتمعنا عانى أصحاب العاهات والاحتياجات الخاصة من التنمر والمسخرة بل وارتبطت العاهة باسم الشخص فنعت بالأعرج أو الأفصع وتعدى موضوع التنمر حتى العاهات الخلقية إلى أشياء أبسط تبدأ ربما بالنظارة الطبية، فسمي صاحبها أبو نضارات، أوأبو اربع عيون ،لينتقل التنمر إلى تنمر على طريقة الحديث أو الشكل أو حتى اللباس الصراحة عانيت كثيرا من التنمر في صغري بسبب مشيتي الغريبة، مرة مثلا كنت اقطع الشارع وباغتني سرفيس مسرع. كاد يدهسني فقال شاتما: شبك متجر جرياتك متل القرد قدامي، ابن عمي مثلا أمضى سنوات ينعتني بالنمر الوردي بل ويقلد مشيته مع الموسيقى كلما رآني.
اكثر موقف سبب انعطافا في مسيرة حياتي هو حين دخلت مدرج كلية الاقتصاد حاملا حقيبتي السوداء و مرتديا لباسا كلاسيكيا، فظن أحد الطلاب أنني الدكتور المحاضر، فباغته صديقه بجملة: "ناقصنا معاقين"، للأمانة في تلك اللحظة قررت أن أنهي الأربع سنوات ولن أعود لجامعة تشرين وهذا ما كان.
ناهيك عن مدرس الفيزياء في الثانوية الذي رمقني بنظرة وقال بقرف: أنت طالعلك عامة؟ ببساطة أن يتنمر عليك لعاهة ما فيك أمر يمكن تجاوزه مع الزمن، ولكن اليوم تجاوزنا مرحلة التنمر على أمور خلقية أو شكلية وأصبح لدينا فوبيا تنمر، فأصبح الموضوع زائدا عن حده في قصة المدافعين عن المتنمر عليهم و زيادة تنمر المتنمرين على من يتنمرون عليهم، وصولا لهمروجات التنمر على فيس بوك، على ممثل، أو وزير أو تصريح أو إجراء حكومي.
والغريب أن يأخذ التنمر أشكالا مختلفة حسب طبيعة المتنمر عليه أو الفيديو او التصريح المنسوب له، ولنأخذ نموذجين من حملات التنمر النموذج الأول لذاك الشاب الذي كان يروي قصة ضابط أمن كبير (بضيعته ما اندفن)، والنموذج الثاني المدام فاتن موظفة قطاع عام انفعلت في وجه مراجع وأصبحت تريند في ساعات قليلة، الفيديو الأول اصبح مصدر شهرة لذاك المواطن المسحوق بل وأصبحت جملته الشهيرة (لشو تتطول لسينك شو الدولة أمك خيت بيك) من الأقوال الخالدة التي لن تمحى من ذاكرة السوريين، فيما سوء حظ الزميلة فاتن كانت ربما في توقيت الفيديو في ظل أزمات معيشية خانقة يعيشها المواطن.
هنا و في ظل زمن الطوابير الذي تطول او تقصر طوابيره بقوة الله والخفي وليس بقوة الاجراءات و المحاسبة الصراحة، يفتقر قطاعنا العام للكثير من الاصلاحات على مستوى توزيع الموظفين ومهامهم بل و تعاملهم مع المراجعين وهذه حكاية اخرى.
و لكن التنمر على سيدة صورت بكاميرا خفية أمر جعل كل موظفات القطاع العام كمن على رؤسهم الطير فيما أصبحت اي صورة لذاك المواطن ترسم الابتسامة على الوجوه، نحن مجتمع مليء بالنواقص عنصريون تجاه ما نعتقده صحيحا، نبحث عن الكمال ونشير للأعور بعدة اصابع حتى لو كنا عميان بصيرة.
لن ينتهي التنمر بعد فيديو مدام فاتن، فسيستمر المتنمرون بالتنمر و المتنمر عليهم بالصبر بانتظار معجزة تمسح هذا المصطلح من الوجود، مرة اشتريت قصة من قصص المكتبة الزرقاء الصادرة عن دار المعارف المصرية، كانت تحكي عن مواطن ياباني قميء الشكل نبذه المجتمع حتى قامت الحرب و أصبح مقاتلا لامعا التفت حوله الجميلات ممن كن يشحن النظر عنه حين كان انسان عاديا كحالي حين كنت في الجامعة و العشرينيات وكن هن في زهوة الصبا، و أصبحن يرون فيه بطلا لأن الجمال في خدمة الوطن الكريم كما قال بطل القصة في نهايتها، و أصبحت الثلاثينيات منهن يرونني خيارا حين وصلن للمحطة ثلاثين المرافقة لشبح العنوسة مجتمعيا، حقيقة قرأت هذه الحكاية آلاف المرات كلما فتحت الدرج الموجودة فيه كنت أقرأها، ربما لأنها تعني لي الكثير.
ببساطة كان هتلر حاسما في موضوع التخلص من أصحاب العاهات كونه جنبهم الكثير من حملات التنمر ونظرات الشفقة والاستعطاف، الى المدام فاتن ترفع لك القبعة بوقوفك الى جانب زميلك في وظيفة المسحوقين وإلى المتنمرين عليها تنباعوا بالعزا والشحار اللي يقرعكن.
ختاماً: و من شخص سبب له التنمر رهاب جمهور ورغبة أبدية في العزلة شكرا لمن تقبلونا كما نحن وراؤوا فينا أصدقاء دون النظر إلى أية اعتبارات أخرى وعلى رأسهم الصديق ميلاد غانم الذي كان سببا بمعرفة الكثير من الأصدقاء وصولا للزميل علي خضر والمرحوم الشهيد نسيم ديب.
و في النهاية سيبقى الجميع يبحث في نواقص غيره عن كماله المفقود، وسيبقى الزمن كفيلا بطي الصفحات وتحويل العادي الى خارق و البارز إلى إله!!
عدد الزيارات
16285346

Please publish modules in offcanvas position.