الناخب الأميركي بين خيارين أحلاهما مرّ

كتب محمد نادر العمري المختص في العلاقات الدولية- فينكس- خاص:
 
هذا الترقب الذي أصبح محط اهتمام دول العالم ليس إنطلاقا من أهمية الولايات المتحدة الأمريكية في النظام الدولي فقط، بل لتداعيات هذه الانتخابات التي يصفها البعض بأنه ستشكل بداية لحرب أهلية هي الثانية من نوعها في تاريخ أميركا.
فضلاً عن ان هذه الانتخابات ورغم استطلاعات الرأي التي تشير لتقدم المرشح الديموقراطي جون بايدن بفارق يتراوح بين 3 إلى 9 بالمئة في عدة نتائج أجرتها مراكز الاستطلاع في أغلب الولايات إلا إنه من الصعب التكهن بنتائج الانتخابات، والأبرز أن بقاء الرئيس دونالد في إدارة البيت الأبيض أو قدوم بايدن سيكون كارثة للأمريكيين والعالم، لعدة أسباب:
أولاً: صحيح إن المناظرة الثانية التي جرت بين المتنافسين وصفت بكونها أكثر انضباطاً من سابقتها، ولكنها لم تخل من "الرداءة الأخلاقية السياسية" لكلا المرشحين، وبخاصة من حيث توظيف الاتهامات الشخصية، بعد المناظرة الأولى التي وصفت من قبل متابعين وخبراء ونخب سياسية أميركية بأنها تعكس هشاشة الواقع السياسي الأمريكي.
ثانياً فيما يتعلق بملف كورونا وتحمل المسؤولية، فمن المؤكد أن ترامب ونتيجة عدم اكتراثه بخطورة الوباء ومحاولة توظيفه سياسيا ضد الصين، ألقى بالمسؤولية عنه باتجاه إدارة الرئيس السابق أوباما ومنظمة الصحة العالمية، ولم يفِ بوعوده فيما يتعلق بإنتاج اللقاح واستمر بتقديم وعود بأنه سيكون متاحاً قبل الانتخابات ومن ثم خلال أسابيع، إلا أن المرشح بايدن في المقابل لم يعلن بشكل صريح وواضح عن كيفية مواجهة الوباء... هل سيكون بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية؟ او من خلال استكمال متابعة مراكز الأبحاث والجامعات الأمريكية؟ أو كليهما؟
ثالثاً أيضاً من الجانب العنصري، كلا المرشحين يمتازان "بالعنصرية"، فالرئيس ترامب إعلن عنصريته منذ حملته الانتخابية في عام 2016، سواء تجاه الأقليات داخل أميركا أو بمعاداته للإسلام وصولاً لقضية جورج فلويد وما تخللها من قضايا كان أبرزها التأييد الكامل للعنصرية الإسرائيلية، ولكن في المقابل فإن المرشح الديمقراطي هو من ساهم بإعطاء الضوء الأخضر لمحمد بن سلمان لغزو اليمن والإدارة التي كان نائبها هي من وظفت الربيع العربي وعقدت صفقات مع الإخوان المسلمين في عام 2010 في البيت الأبيض، فضلاً عن أن بايدن صاغ مشروع قانون جنائي، عام 1994، زاد من حبس المتهمين من الأقليات.
رابعاً صحيح إن جميع استطلاعات الرأي تشير لتقدم المرشح الديمقراطي للفوز بالانتخابات، غير إن هذه النتائج لايمكن التعويل عليها بشكل مؤكد، وبخاصة بعد فوز الرئيس الأميركي الحالي ترامب في عام 2016، والذي شكل مفاجأة من العيار الثقيل، ولا سيما بعدما بينت استطلاعات الرأي استمرار تقدم منافسته المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون، تماماً كما تظهر، حالياً، تفوف جو بايدن.

علماً إن هناك فئة مازال يعول عليها ترامب يسميها "الناخب الصامت" وهم البيض من غير المتعلمين والتي تجاهلتها استطلاعات الرأي في عام 2016، والناخبين من مناطق "حزام الصدأ" وهي ((ولايات حازت على تسميتها في أواخر سبعينيات القرن الماضي، بعد انخفاض حاد في العمل الصناعي ترك العديد من المصانع مهجورة ومقفرة. هذا الحزام يبدأ في وسط نيويورك ويمر غرباً عبر بنسلفانيا وأوهايو وماريلاند وإنديانا وميشيغان، وينتهي شمالاً في إلينوي وشرق أيوا وجنوب شرق ولاية ويسكونسن)).

غالبية هذه الولايات صوتت لترامب في عام 2016، بعدما قال لناسها إن دخول الولايات المتحدة إلى منظمة التجارة العالمية كان خطأً، وإن دولاً نمت على حساب أميركا، وإذا ما صوتوا له، سيعيد تلك المصانع إلى العمل. وهذا ما حصل خلال ولايته الأولى، بعد فرض ضرائب كبرى على العديد من الدول وأبرزها الصين، وأعاد مصانع السيارات إلى ميشيغان، وحصل نمو غير مسبوق في تاريخ أميركا بعدد الوظائف قبل انتشار وباء كورونا.
 

خامساً وهي النقطة الأخطر والأبرز، والمتمثلة برأي الكاتب بوقوف أميركا على حافة الحرب الأهلية في حال نجاح ترامب أو بايدن لأسباب متعددة:
1. الرئيس ترامب في أكثر من مناسبة وتصريح لم يعلن استعداده عن التخلي عن السلطة في حال خسارته الانتخابات، وقبل الانتخابات بأشهر شكك في مصداقيتها في حال خسارته، وهدد سابقاً بحرب أهلية في حال نجح الديمقراطين في عزله، وتزامن ذلك مع بروز جماعة تسمى "حراس القسم" والتي تتألف من 25 ألف شخص من المتطرفين لصالح ترامب هددت باستخدام السلاح، وهذا يعني بأنه في حال عدم نجاح ترامب قد يلجأ لتقديم اعتراض داخل المحكمة الدستورية التي أصبحت لجانبه بعد نجاحه في تعيين القاضية "آيمي كوني باريت" في هيئة المحكمة العليا، وقد يتحرك مناصريه في الشارع للمطالبة ببقاء ترامب مع احتمال حصول صدامات تدفع بالجيش الأميركي للتدخل.
2. في حال فشل بايدن بالنجاح في الانتخابات، قد يدفع الأخير نحو توظيف ذلك لتحريك الشارع الأمريكي بذريعة قيام المجمع الانتخابي بتلقي رشاوي وانتقاء ترامب على عكس إرادة الناخب الذي يختار مندوب هذا المجمع، كما حصل مع بعض أعضاء المجلس في انتخابات عام 2016، وهو الامر الذي قد يزيد من زخم الاحتجاجات التي تشهدها أميركا اليوم.
3. انتشار السلاح بكثافة داخل الولايات المتحدة الأمريكية، لدرجة تراوحت بعد التقديرات إن جانحو كورونا أدت لزيادة مبيعات الأسلحة في بعض الولايات بين 40 _70 % عما كانت عليه في السابق.

لذلك فإن الناخب الأميركي وشعوب العالم تترقب هذه الانتخابات، فالأهمية لم تعد تكمن بوصول الرئيس واسمه وحزبه بل بتداعيات وصوله للسلطة وهو مايضع الناخب الأميركي بين خيارين قد يكون أحلاهما مرّ وبطعم العلقم.
عدد الزيارات
16285346

Please publish modules in offcanvas position.