مشهد الهوية السياسية.. بين الهوية والوطنية و هوية الدولة 1من2

 
 
                                                                                             ●  د . بهجت سليمان أ بهجت سليمان في مكتبه
 
1▪ ما بين " العروبيّة " و " السّورويّة " تكاثف الّلغط و ازداد التّشكّك و التّشكيك بطبيعة الهويّة الاجتماعّية و السّياسيّة و التّاريخيّة ، لسورية ، حتّى اختلط الأمر على الكثيرين .
     من الطّبيعيّ ، لمحاولة فكّ ”ترميز” هذا الجدل و أبعاده المختلفة ، و نواياه المستترة ، و أهدافه غير البريئة ؛ أن نلجأ ، أوّلاً ، إلى فكّ التّشابك المفهوميّ الذي يؤدّي عند الكثيرين إلى الخلط المقصود و غير المقصود عند تناول حديث ”الهويّة” ، مع أنّنا تناولنا موضوع ”الهُويّة” غير مرّة في كتاباتنا سابقا ، إلّا أنّنا لم نتعرّض إلى تمييز مبدئيّ لنوعين من الهويّة يجري بينهما الخلط حتّى يُهَيَّأَ إلى الكثيرين تشابه الخطأ و الصّواب و الحقيقة و أشباهها ، في ظروف قلقة هي ظروف هذه الحرب الشّعواء التي جعلت الكثير من المسلّمات ، بحاجة إلى إعادة نظر أو مراجعة للثّقة التي كانت تتولّى أمر بديهيّات ، من شأنها أنّها كانت متّفقة على ذكاء الشّعب السّوريّ ، و هو ما أكّدت الأحداث المديدة و تفاعلات هذه الحرب المنظّمة أنّه ، مع غيره من قناعات و إيمانات و مقولات ، يحتاج إلى إمعان النّظر في الصّميم ، و أعني في الصّميم النّظريّ للكثير من القناعات التي فاجأت ذاتها ، ربّما ، قبل أن تفاجئنا و تفاجئ الآخرين .
 
2▪ كنّا نعوّل على أشياء و مواضعات جرى تجاوزها ، عندما كنّا نتحدّث عن ”الهُويّة” و نحن نرمي ، معاً ، إلى الحديث عن كلتا ”الهُويّتين” ، ”الوطنيّة” و ”السّياسيّة” ، لولا أنّ واقع المماحكات و التّثاقفات المختلفة قد أفضى بنا إلى حالة يُضطّر فيها العقل إلى التّنبّه من مغبّة الطمأنينية السّياسيّة إلى النّتاج الثّقافيّ و التّاريخيّ ، الذي يدّخره الغالبيّة من السّوريين ..
     فَتُقَرِّرُ ، جرّاء ذلك ، الضّرورة ، بالعودة إلى بدايات ، قد لا تكون هي كذلك في ظروف التّخبّط الثّقافيّ التّاريخيّ و بخاصّة منه المعاصر ، و الذي غزا الوعي الاجتماعيّ السّوريّ ، حتّى شكّل مشكلة شَخَصَت ، اليومَ ، أمامنا ، في ”الانتماء” ، معبّرة في ذاتها بعجزها عن التّنظيم الذي يؤهّل البدايات و النّهايات في الثّقافة و الممارسة و الاجتماع .
 
3▪ بعيداً عن الجدل السّياسيّ الإمبرياليّ الدّائر منذ ستّينيات القرن الماضي العشرين ، حول مفهوم ”صراع الحضارات” ، أو ”حوار الحضارات” ، يمكننا أن نتجاوز ، الآن ، هذا الجدل في صيغة أكثر تحرّريّة ، و بخاصّة بعد أن اندرجت غالبيّة أفكار ”صراع” و ”حوار” الحضارات تحت مظلّة إعادة تأهيل ”العالم” كمقدّمة للعولمة هذه التي ننظر إليها ، اليومَ ، على أنّها كانت مجرّد إعادة تقسيم عالميّ ( أي : ما بعد الدّوليّ ) للعمل ، و بخاصّة بين ”الإنتاج” و ”الاستهلاك” و ”الأدوار” ، و ما يرتبط بذلك من مفاهيم القبض على الثّروة العالميّة و إعادة توزيعها وفق مراكز القوى في العالَم .
     و مع العولمة أعيدت طروحات و ألحان نغمة احتقار ”الهويّة” التّاريخيّة ، و الهويّة السّياسيّة المتمثّلة بالحرّيّة السّياسيّة المستقلّة في قرار سياسيّ سياديّ ، و قبلها في صراع و حوار الحضارات ، و اختلطت المفاهيم المؤدّية إلى التّمييز المحدّد للهّويّة السّياسيّة الخاصّة بحضارة أو أمّة أو مجتمع ، بين ما إذا كانت هذه ”الهُويّة السّياسيّة” نفسها من البديهيّات التّحليليّة أو من القضايا التّركيبيّة ، التي ينبغي أن تدخل في التّفسير و التّأويل و الصّراع حول مبدأ القرار السّياسيّ المستقلّ .
 
4▪ لقد عاصرنا و نعاصر اليوم طرح مسألة الهويّة الثّقافيّة و الهُويّة السّياسيّة و الهويّة الوطنيّة و الهويّة القوميّة و الهويّة الحضاريّة .. إلخ ؛ على أنّها موضوعة واحدة في الفكر ، و على أنّها شيءٌ خليط من مضامين مبهمة و غيبيّة ، أو اختياريّة و انتقائيّة ، هذا مع أنّ المحدّدات المختلفة تجعل من ”الهُويّة” نفسها أمراً قميناً بالاستعادة ، على ما بدا ، و ليس ذلك فقط بسبب الحرب التي عانيناها و نعانيها في سورية ، مثلاً ، و إنّما أيضاً بسبب ارتباط المشروع الثّقافيّ العولميّ جذريّاً بقضيّة الهُويّة الحضاريّة العالميّة أو الهُويّات المتعدّدة .
 
5▪ باختصار ، لقد ساعد التّثاقف السّوريّ المعاصر ، بسبب الحرب ، على المزيد من الخلط و التّردّد و سوء الفهم الذي لحق بمفهوم الهويّة السّياسيّة نفسه ، و انشطاره الأيديولوجيّ ، حتّى بات من الضّروريّ أن نستعيد هذه المناسبة للحديث عن ”الهُويّة السّياسيّة” ، بعد أن شكّل النّقاش غير التّخصًصيّ و غير المعرفيّ ، السّوريّ ، حالة من التّسيّب الثّقافيّ الذي جعل من ”الهُويّة السّياسيّة” ، من جديد ، محلّ نقاشات أمميّة في عمليّة تدويل الشّخصيّة السّياسيّة الوطنيّة ..
     و هو ما شكّل إشكاليّة أخرى تنضاف إلى جمهرة أعداد الإشكاليّات التي دخلت في تناقضات الثّقافات السّوريّة ، أثناء الحرب ، بخاصّة ، و محاولات كلّ منها الانفراد بالوعي السّياسيّ المجتمعيّ المُنفصل و المؤهَّل ، أصلاً ، تاريخيّاً ، للانقسام ..
عدد الزيارات
16892265

Please publish modules in offcanvas position.