روسيا و سورية.. اتّفاقاتٌ مؤجّلةٌ و تفويضاتٌ مجهولةٌ و اجتهاداتٌ بلا عنوان- 1 من 7

أ بهجت سليمان في مكتبهد. بهجت سليمان
■ أؤكد منذ البداية ، بأن هذا المقال " البحث " الطويل ( من 7 حلقات ) هو رأي شخصي محض ، وهو تفنيد ورد على مقالات وبحوث بعض الكتاب الروس وبعض الكتاب السوريين . ■
1▪︎ يتعقّد المشهد السّوريّ الذي تعاني فيه الدّولة و المجتمع منذ عقد من السّنين جرّاء ظروف “الحرب” و ما نجم عنها من تطوّرات و علاقات إقليميّة و دوليّة جديدة لا تعوزها الغرابة و المجاهيل و التّعقيد و التّشابك و التّركيب ، و يدخل في كلّ يوم في تطوّرات جديدة ليست خاضعة كلّها لأعراف سياسيّة ثابتة أو غير ذلك ، بحيث يُمكن الحكم عليها حكماً نظريّاً اختصاصيّاً إجماليّاً ، و ذلك بالغاً ما بلغت مهارات و خبرات الاختصاصيين من المحلّلين السّياسيين المنخرطين في الاهتمام.
و لا تخرج جميع الدّراسات و البحوث المتعلّقة بذلك عن هذا الوضع بغضّ النّظر عن جدّيّة أو احترافيّة المشتغلين بالتّحليل سواء منه الموجّه رسميّاً أو ما يقع منه ضمن دائرة الاجتهاد و الهواية و الاستعراض.
2▪︎ و نظراً للدّور الرّوسيّ الجدّيّ و “الجديد” و المعروف في سورية منذ سنوات خلت ، فإنّ من الطّبيعيّ أن تنشط الاجتهادات التّحليليّة السّياسيّة و الدّبلوماسيّة الرّسميّة و المبرمجة و الممنهجة الرّوسيّة منها و السّوريّة ، و الموجّهة عبر قنوات معروفة أو غير معروفة ، سواء بوظيفة تكليفيّة أو اجتهاديّة شخصيّة من قبل أصحابها المتعدّدين ، و أن تَظهر بمظهر اليقين الذي غالباً ما يُعتبر مضلِّلاً بحكم قصور المضمون الحقيقيّ للمعلومة المحتكرة في السّياسات و المقتصرة على أصحابها من قادة “ القرارات ” و “ الفعل ” السّياسيّ ، و هذا سواءٌ أكان ما ينساق في سياق التّحليل مقصوداً و مدبّراً ، أو كان بريئاً فعلاً و يدخل في فصل الأحكام الصّادقة بالنّسبة إلى أصحابه من الفاعلين على ما يجعلهم دوماً ، في رأينا هامشيين أو شبه هامشيين في إطار “الحقيقة” السّياسيّة التي تنتظم الوقائع و التّطوّرات و الظّاهرات الفعليّة ، التي تؤلّف واقع السّياسات الحقيقيّ الذي يفعل فعله بعيداً عن المظاهر اليوميّة التي غالباً ما تشكّل و حسب مادّة للإعلام.
3▪︎و كنّا قد تعرّضنا سابقاً ، هنا ، و منذ فترة زمنيّة قريبة إلى ذاكرة القرّاء ، بالبحث و النّقد لجملة من طروحات بحثيّة سياسيّة روسيّة و “عربيّة” ، صارت معروفة ، عملت على توجيه الرّأي العام في انحرافات تشكيكيّة أو جدّيّة و حقيقيّة و في تأثيريّات منظمّة على الرّأي العامّ الرّوسيّ و السّوريّ و الإقليميّ.. عملنا فيها على تفنيد كثير من الادّعات التّحليليّة النّظريّة لواقع العلاقة السّوريّة الرّوسيّة و احتمالات تطوّراتها الممكنة ، و خلصنا يومها إلى قناعات أكّدتها الأحداث و العلاقات التّالية لخّصت رأينا في “الخصوصيّة” غير الواضحة للجميع ، و التي تطبع تطوّرات الدّبلوماسيّة الرّوسيّة و السّياسات السّوريّة إزاء جملة من القضايا المتعلّقة بالواقع العسكريّ الميدانيّ السّوريّ في “الجنوب السّوريّ” و “الشّمال” و “الشّمال الغربيّ” و “الشّمال الشّرقيّ” في سورية ، بما في ذلك اعتباراتنا لوجود القوى الغازية الأميركيّة و التّركيّة للأراضي السّوريّة ، و النّشاطات و الحركات الانفصاليّة الكرديّة مع تلك القوى الأخرى المدعومة و الموظّفة من قبل تركيا و دول خليجيّة أيضاً ، بما يشمل ضمناً مختلف الخلفيّات الرّاعية لتلك الانفصاليّات و الإرهابيّات.
4▪︎ من جديد ، و في أيلول/ سبتمبر الماضي من هذا العام صدر بحثان “تحليليّان” جديدان حول واقع و آفاق العلاقات السّوريّة الرّوسيّة في الآونة الأخيرة ، واحدٌ منهما عن “مركز دمشق للأبحاث والدراسات ( مداد ) ” ( للكاتب السوري : الدكتور عقيل سعيد محفوض ) في 22/ 09 / 2020 ؛ بعنوان ( ماذا ينتظر السوريون من روسيا؟ ) ؛ و الثّاني عن " ( المجلس الروسي للعلاقات الدّولية ( RIAC ) “ ( للكاتب الىوسي : ألكسندر أكسينينوك ) في 16 / 09 / 2020 ؛ بعنوان ( روسيا وسورية : الفروق الدقيقة في علاقات الحلفاء ) . و قد تناول كلاهما الظّروف الجديدة و المستجدة لجوانب الانسجام و التّناقض بين “الشّراكة” الرّوسيّة السّوريّة في واقع الحرب السّوريّة و مواجهة الإرهاب في إطار هذه “الشّراكة” ، مع ما يتّصل بذلك من علاقات اقتصاديّة و سياسيّة و دبلوماسيّة بين البلدين بما في ذلك أيضاً واقع العلاقات الإقليميّة و المواقف الرّوسيّة من دول كـ”إسرائيل” و تركيا و إيران ، و ما يتّصل بهذه المنظومة من علاقات روسيّة - أوربّيّة - أميركيّة أيضاً.
5▪︎ و كلّ ذلك كبيئة سياسيّة واسعة الشّمول تتناسب مع ما هو بحكم النّتائج الإقليميّة ( أو الواقع الإقليميّ المستجدّ ) المترتّبة على “الحرب السّوريّة” منذ اندلاعها في ربيع ( 2011م ) و آثارها التي شملت ظروفا جديدة من الغزو الأجنبيّ للأراضي السّوريّة و ما أثاره من تحوّلات في مواقع و علاقات “الإرهاب” مع دول إقليميّة كتركيا و حركات انفصاليّة صريحة كالانفصاليّة الكرديّة.
شمل البحثان ( الدّراستان ) كذلك الآثار الاجتماعيّة و الاقتصاديّة في سياق “الحرب” مع ما فرضه الموقف الأميركيّ الأخير في احتلاله للشّمال الشّرقيّ السّوريّ ، و ما ساوق ذلك من حصارات و ضغوطات أخرى كان أهمّها ما تجلّى في “قانون قيصر” الأميركيّ للعقوبات على سورية ، و التّعنّت الأميركيّ باحتلاله لأراض سوريّة و الموقف الأميركيّ العدائيّ تجاه سورية في “الأمم المتّحدة” ، و مباحثات “اللجنة الدّستوريّة” في إطار ما يُسمّى بالحلّ السّلميّ للحرب.. و تعليق “إعادة الإعمار” السّوريّ على كلّ ذلك و غيره و بخاصّة على ما عرف من تفسير أميركيّ خاصّ لقرار مجلس الأمن الدولي رقم ( 2254 ) بشأن ما سموه “نقل السّلطة السّياسيّة” في سورية و ما إلى ذلك من استطرادات.
6▪︎واضح أنّ ثمّة تنسيقا و ظيفيّا “ ماكرا ” ( و لكن بضعف مكشوف ) بين الجهات النّاشرة للبحثين المذكورين ، السّوريّ و الرّوسيّ ! .
فالدّراسة السّوريّة قد نشرت في تاريخ لاحق للدّراسة الرّوسيّة ، في حين يُظهر مضمونا “ الدّراستين ” بوضوح أنّ “الدّراسة” الرّوسيّة قد جاءت كبحث في معرض الرّدّ و التّعليق السّياسيّ عل الدّراسة السّوريّة ، مع العلم أنّ تاريخ نشر الدّراسة السّوريّة لاحق على تاريخ البحث الرّوسيّ. هذا تنسيق صريح للمناسبتين اللتين تُنكران ضمناً هذا التّنسيق و تحاولان أن تبدُوَا كسبب و نتيجة لسجالٍ سياسيّ و إعلاميّ ، كان يُمكن لو حصل فعلاً أن يُشكّل مناسبة جيّدة للتّعارضات المضمونيّة في المواقف البحثيّة ، و هو ما كان قد ترك له أثراً إيجابيّاً في الأوساط البحثيّة السّياسيّة السّوريّة و الرّوسيّة ، على حين أنّ “الواقع” الحقيقيّ في توقيت و تنسيق “النّشر” قد حرم كلّاً من الدّراستين جدّيّة سياسيّة “وطنيّة” و أكاديميّة و بحثيّة رصينة ، سوف تخسر أثرها و تأثيرها كذلك على مستقبل مضمون “البحثين” كما سوف نرى عندما سنشير إلى ذلك في هذا السّياق.
7▪︎ و سوف نتناول في هذه الدّراسة النّقديّة المضمونين بأهمّ نقاطهما بحيث سوف نتتبع منطق “القول” و “القول على القول” بخصوص مضمونيّ “البحثين” على ما يقتضيه تتبّع “الأثر” النّقديّ و المضمونيّ في مناسبة كلّ من “الحديثين”، السّوريّ و الرّوسيّ ، كما يُفترض في الحقيقة و في واقع الأمر ، و كما سيتبيّن للقارئ ، من أنّ البحث الرّوسيّ هو نوع من العتاب النّقديّ الذي لا يُخفي “لطفه” الشّخصيّ و لو أنّه يصل إلى ما يُريد من مواقف و قناعات “روسيّة” شخصيّة أو غير ذلك ، و هو الأمر الذي يضع “البحث السّوريّ” في قفص الاتّهام ، من حيث هو “جسر” سياسيّ مجانيّ ، أو غير مجانيّ .. للنّقد الرّوسيّ العنيف لسورية و السّوريين !.
و هو ما يعني لاحقيّة “الدّراسة الرّوسيّة” الوظيفيّة و المدروسة مسبّقاً و الموجّهة و الممنهجة و المبرمجة على هذا الأساس ، على “الدّراسة السّوريّة” التي قدّمت فرصة سياسيّة سلبيّة جديدة للدّراسة الرّوسيّة ، للوصول إلى “غرض” خاص لن يخفى على القارئ المتأنّي على طول ما سوف نقدّمه من أفكار نقديّة لكلتا “ الدّراستين” ؛ فنتناول أهمّ ما جاء في “ البحث السّوريّ ” لننتقل من ثمّ إلى “ الرّدود ” التي تضمنها “ البحث الروسيّ ” على ذلك.
● أولاً - في “ البحث السّوريّ ”:
8▪︎ يقول “ الباحث السّوريّ” :
“ تراجعَ إيقاعُ العمليات العسكرية في سورية ، إلا أن الحرب رغم ذلك لا تزال تمثل "الإطار الإرشادي" أو " المرجعي" لكل ما يجري في الحدث السوري والإقليمي. هذا يعني أن ليس ثمة نهاية قريبة للحرب ، وأن وجود روسيا في سورية سوف يمتد إلى أمدٍ غير معلوم ، بكل الدلالات والفرص والتحديات الملازمة لذلك ، لدى الروس والسوريين على حد سواء.
“ من غير المعروف بالتمام كيف تنظر روسيا لوجودها ودورها في الحرب السورية ، وخاصة مع بروز مدارك تهديد متزايدة لديها بشأن “ ارتفاع التكاليف ” و” انخفاض العائد ” من مشاركتها في الحرب ؛ وما هي “ نقطة التوازن ” المحتملة أو الممكنة بين هذا وذاك ، بين “ صعوبة التراجع ” في سورية ، و” صعوبة الاستمرار ” ، وإلى أي حدٍّ يمكن أن تستمر حالة “ الانحباس ” و” اللا يقين ” في المشهد السوري؟ ”.
9▪︎ واضح من خلال استعراض واقع محدّد مختلف عليه في تقديرات الحسابات العسكريّة الاستراتيجيّة ، أنّه واقع غير مفهوم بالنّسبة إلى غير المحلّلين العسكريين الاستراتيجيين ، بل و حتّى بالنّسبة إلى غير أصحاب القرار العسكريّ من السّوريين و الرّوس و غيرهم كالإيرانيين مثلاً.
و واقع كهذا ليسَ من شأن المحلّلين السّياسيين و ذلك مهما علت درجة موسوعيّتهم الاستراتيجيّة ، على اعتبار أنّه أمر يتجاوز هواية أو احترافيّة التّحليل ، إذ تبقى نسبة مصداقيّة القدرة في التّحليل منخفضة جدّاً في واقع الحرب السّوريّة ذات الأبعاد غير المنتهية في التّعقيد .
صحيح أنّه من حقّ بل و من واجب المحلّلين السّياسيين الخوض في كلّ ما يتعلق بالسّياسة كالحرب و مشتملاتها على اعتبار أنّ الحرب نفسها هي ظاهرة سياسيّة مسلّحة ، إلّا أنّ حجم الحكم و صدقيّته في ظروف الحرب السّوريّة يتعدّى مهمّة السّياسيّ غير المرتبط بالشّؤون العسكريّة المباشرة و العمليّة ، و يمتنع بالتّالي على واقعيّة النّتائج التي يذهب إليها “التّحليل”.
هناك واقع حقيقيّ و فعليّ يُظهر “ تريّثات ” ميدانيّة وصفيّة محضة ؛ غير أنّ الوصفيّة السّياسيّة لحالة عسكريّة أو لحالات عسكريّة ، غالباً ما يؤدّي إلى نتائج غير مرغوبة في إثارة “الرّأي” أو في تثقيف الجمهور بالعمليّات ذات الطّبيعة الاستراتيجيّة نوعيّاً و هو ما ينفصل عن الوصفيّة السّياسيّة للميدان ، و هو أمر وقع في خطئه معظم المحلّلين الذين يدّعون “الاستراتيجيّة” أو يوصفون بها ، من جهة النّتائج الثّقافيّة السّياسيّة الكارثيّة التي ألمّت بشهوة الهواة في المشاركة حتّى في قرار الحرب و السّلم ، الذي هو من المعروف أنّه ذو بعد محض اختصاصيّ و محدّد و محدود التّعاطي به في هوايات التّحليل.
10▪︎ و لا ينتهي الأمر ، الذي نحدّده هنا ، بمخاطر تحوّل الاختصاصات الاحترافيّة العسكريّة المعقّدة و المشتركة في إطار مركّب من التّحالفات و الشّراكات إلى ثقافة عامّة أو رغبة في ذلك.. و إنّما تثير هذه “الوصفيّة” غير المعلّلة كالتي يتناولها “البحث” السّياسيّ كما أدرجناها نوعاً من التّيئيس الثّقافيّ و الاجتماعيّ و السّياسيّ عند العامّة و الخاصّة من المتابعين و المهتمّين.
عادة ما يتبع ، أو يجب أن يتبع ، “ الوصف” السّياسيّ الوضعيّ الذي يكون من موقع “الاضطرار” و الواجب التّوعويّ ، شيئاً آخر يتعلّق بالتّعليل الممكن أو الاحتماليّ ، و هو ما افتقده صاحب “ الدّراسة السّوريّة ” في هذا “النّصّ” الافتتاحيّ المقتبس من “دراسته”، بل و يبدو أنّه تعمّد تجاهله في إطار شروط التّركيب و التّعقيد اللذين يطبعان الوقائع الميدانيّة في الحرب السّوريّة ، على تنوّعها و عدم إمكانيّة ضبطها بكلمات و عبارات سائبة و عابرة كالتي اعتمدها “البحث” ، الذي نحن بصدد قراءته و تفنيده و نقده بسهولة و يسر و قفز فوق مسؤوليّة ينبغي أن تكون بالعكس منها على درجة عالية و حذرة و في أرفع درجات المسؤوليّة التّحليليّة في غضون حرب عاتية و معقّدة ك " الحرب السورية " - والأدق : الحرب الدولية على السّوريّة.
.● غدا : الحلقة الثانية " 2 من 7 "
عدد الزيارات
16892849

Please publish modules in offcanvas position.