احسان عبيد: جماعة البكالوريا

بعد تهانينا لجميع الناجحين أود أن أطرح فكرتين على الطلاب وأهلهم.أ أحسان عبيد
.
الفكرة الأولى تتمثل بمقولة: لا تتدخلوا برغبات أولادكم فيما يرغبون من اختصاص بعد نجاحهم في الثانوية، وهذا الكلام يحمل قدرا من الصحة ولكنه قد يحمل قدرا من الخطورة.. كيف؟
.
بعض الطلاب، وأكرر: بعض الطلاب في هذه المرحلة العمرية يكون في مرحلة تشرد ذهني هي أقرب لمرحلة المراهقة منها إلى النضج، ولا ينظرون إلى المستقبل ومتطلباته، فيأتي أحدهم وكان يحلو له أن يمشي في الشوارع حاملا غيتاره على ظهره ومرتديا قبعة بالمقلوب ولابسا بنطلونا ممزقا، ويقول: أنا سوف أختص موسيقى.. هكذا أرغب!
.
ولو تركه أهله دون نقاش (ولا أقول: إجبار) فسينتهي أمره إلى مدرس موسيقى يأخذ راتبا لا يسمن ولا يغني، أو سينتهي إلى عازف ضمن فرقة في إحدى المرابع الليلية، وسيقضي لياليه في المستقبل خارج بيته تاركا زوجته وأولاده، ثم يقضي نهاره نائما.. ومن المتوقع أن تطلب منه زوجته الطلاق إذا استمر على هذه الحالة.. لأنه بالأصل لم يكن ينظر إلى أعباء الحياة ومرحلة بناء المستقبل ما بعد الزواج.
.
والحالة ذاتها سيقع بها المولع بالكومبيوتر الذي – بعد انتهاء دراسته – سيفتح محلا للبيع والتصليح.. والأمثلة كثيرة.. خاصة وأن كثيرا من هذه الرغبات ممكن أن تمارس كهوايات وليس كمهنة لأكل الخبز، وتعليم الأولاد في المستقبل تعليما نوعيا يحتاج إلى فتّ ولتّ من الفلوس.. سيقول لي أحدهم: إن برمجة الكومبيوتر هي ذهب خالص، وثمن البرنامج رقم من 6 أصفار.. وأجيب لإن البرامج العملاقة تتولاها شركات عملاقة، فيها مهندسون يعيشون على الراتب والباقي تأخذه الشركة وتتكفل بصيانة البرامج.
.
الفكرة الثانية: أدري أنه لا يستطيع أي طالب أن يختار ما يريد، لأنه محكوم بالعلامات، وفي هذه الحالة عليه أن يدرك أن ثمة اختصاصات ستصبح بعد 10 سنوات على قفا من يشيل وفقا لواقع العرض والطلب.. هنا عليه أن يدرك ببصيرة ثاقبة التطورات التقنية المستقبلية، مما يجعله يدخل معهدا أو يمارس مهنة تقنية (فني أسنان – فني معدات طبية – فني معدات كهربائية منزلية – فني هندسة طيران.. إلخ) فالمهن أصبحت أغنى مردودا من حمل الشهادات، خاصة الأدبية منها..
.
أنصح الطلاب والأهل بفتح باب النقاش مع ابنهم، ومشاورة أهل العلم والخبرة، حتى يتبع الطالب مصلحته ومصلحة أولاده في المستقبل، مع عدم إهمال هواياته.
.
أقول ذلك من خلال تجربة شخصية مع ابني وبناتي، تخللها الحوار والنقاش، ثم الاقتناع، وهم الآن يشكرون ربهم على ماهم عليه من مراكز ودخل.
.
هل أنقل لكم قصة واقعية؟ كان طموح ابني تمام أن يذهب إلى وادي السيلوكون لأنه كان مولعا بالحاسوب، وعلاماته تخوله دخول الاختصاص الذي يريد.. تناقشنا.. عاند.. تركته.. وذات يوم أحضرت له صورة مع مقال يظهر الذين ينامون في الشوارع بانتظار فرصة في وادي السيلوكون.. بعد ذلك غير رأيه.. وهو الآن يوشك أن يتخرج طبيبا جراحا في أمريكا، وبقي يمارس هواية الحاسوب حتى أنه زار عمه ذات يوم في ولاية ميريلاند فصادف رجلين يخرجان من بيته.
.
قال له عمه اتصلت بالشركة التي اشتريت منها حاسوبي لكي يضعوا لي برنامجا لكنهما لم يفلحا.. قال له: عمي أعطني الحاسوب.. وخلال ربع ساعة أنزل البرنامج.. والشاهد هنا أن ممارسة الهواية تأتي في المرتبة الثانية – بتقديري – بعد مصلحة المستقبل.
.
ولا أشك في أن بعض الطلاب هم من الوعي بحيث ينظرون إلى مستقبلهم بعين الصقر، ويشتغلون على هذا الأساس.. فطوبى لهم.