image.png

إحسان عبيد: رحلة المعزى والغنم.. ح4

هذه الحلقة قد لا تكون أفكارها متسلسلة، بقدر ما تكون انطباعات متفرقة..أ أحسان عبيد

.

بداية أعتقد أن تعامل فريق الكورونا الحكومي مع الحالة، كان تعاملا اعتباطيا تجريبيا لا يستند إلى خطة إدارية محسوبة وعملية للأزمة.. فمثلما تعرف أجهزة الأمن جميع أسماء المغتربين ومكان ونوعية عملهم وهذا معنا وهذا ضدنا وهذا هربان من الخدمة وذاك هربان من الاحتياط وهذا لا يهش ولا ينش، كان على فريق الكورونا أن يعمل على:

.

أولا: على جماعة وزارة الصحة أن يحسبوا ويتوقعوا جميع حالات المرض للقادمين وخاصة مرضى السكر، مع العلم أنهم من شريحة الكبار في السن والمعوقين والحوامل والمرضى.. وكان عليهم أن يجهزوا أنفسهم سلفا لهذه الحالات. كما كان عليهم أن يخيروا النزلاء بين النزول في فندق معين (مش عدة فنادق لتسهيل الإشراف) ويتحملون نفقاته أو ينزلوا في استضافة الحكومة فتنجوا الحكومة من اللوم.

.

ثانيا: على فريق الاستضافة أن يكشف مسبقا على مكان الضيافة، ويصلح الزجاج المكسر والمغاسل، وشوديرات المياه الساخنة ونظافة البناء وتعقيمه من الصراصير والزيزان والاطمئنان على أسرّة النوم.

.

ثالثا: على فريق الداخلية أن يسارع لختم الجوازات، ثم توزيعها على أصحابها لتكون بحوزتهم حال تخرجهم، لا أن يخرجوا ويدورن ليسألوا: أين مخفر برزة؟ وأين جامع الرحمة، وكل محجر يتبع لمخفر يعلم الله أين هو.

قد يقول قائل: يا أخي للداخلية و( الأمن ) لهم حساباتهم الخاصة!! وأجيب بنعم [ ذات يوم دخلت على 5 أشخاص داخل قاعة في محجرنا بينهم عقيد بالشرطة، وطالبتهم الإسراع بالماء البارد فقالوا لي: نحن من الأمن ولا علاقة لنا بطلباتك ).. وكان المفروض أن يكون اجتماعهم بدائرة حكومية وليس عندنا، والمفروض أن يحتفظوا بجوازات المطلوبين والمشبوهين، ويوزعوا الباقي .

.

رابعا : يبدأ الاشتباه بالفايروس حال ارتفاع حرارة المصاب في كل أنحاء العالم دون إعطاء النزيل أي دواء .. وإذا لم ترتفع الحرارة فبعد 4 أيام ستظهر الأعراض حكما ، وبناء عليه تبدأ الفحوصات وبعدها إما يُحجر أو يعزل أو يذهب للحجر المنزلي .. والمفروض أن يطلقوا سراح من لم تبدُ عليه الأعراض في اليوم الخامس على أن يحجر نفسه طوعيا 14 يوما في بيته احتياطا ، حيث الخدمات والراحة النفسية والتوفير على الدولة .

.

لقد سمعنا ( رسميا ) أنهم فتحوا محاجر في كل محافظة ، وعلى سبيل المثال قال لي أحد العاملين بمشفى السويداء أننا أخلينا مشفى سالي من المرضى وجهزناه لا ستقبال العائدين، لكن الحكومة لم ترسل له أحدا .. كما سمعنا عن محجر المدينة الجامعية في نجران السويداء، ومحجر "نيوأدرس" بين السويداء وقنوات، ولو أرسلونا ( 21 ) نفرا من السويداء لكان ذلك أيسر على الجميع.

.

صهري زوج ابنتي لبناني من آل الريس عاليه، معه ومع أسرته (أهله) جنسية كويتية، أصيب بالكورونا، قالوا له كما قالوا لجميع الكويتيين المصابين: إحجر نفسك في بيتك، خذ خافظ حرارة ومقويات مناعة، وإذا اشتدت حالتك اتصل بنا.. فحجر نفسه 16 يوما وخرج سالما دون أن يكلف الدولة فلسا واحدا.. أما فريقنا هنا، فكأنه مكلف رسميا أن يكرّه الناس في الدولة السورية وأن يفقدوا الثقة فيها وبعلاجها وبقراراتها.

.

ثمة ملاحظة سوف أبق البحصة فيها – أنا لا أعمم إطلاقا – ولكنها ملاحظة لمسناها.. ثمة نزلاء ونزيلات من بعض المحافظات كأنهم لم يعرفوا الحضارة ولا التصرف الحضاري ولا النظافة، ولا تقدير موقف وحالات الآخرين، وكان كثيرا عليهم الاستضافة في منازل الصفيح، وليعذرني القراء على ورود بعض الألفاظ.

- في المحجر غفَّ الإيمان الرمضاني على البعض.. فصاروا يذهبون للوضوء.. يرفعون دشاديشهم يمدون أرجلهم على المغاسل كاشفين عن أفخاذهم أمام النساء، ناهيك عن البصاق والمخاط الذي تسمع صوته لـ 30 مترا فيردده صدى البناء ويوقظ النائمين.. ناهيك عن السعال والعطاس الذي يشبه صوت القذيفة دون أن يكون عليهم كمامات فيتناثر العطاس في كل الاتجاهات رغم التحذير الدائم لهم.

- يقف أحدهم في باب الجناح مناديا صديقه بأعلى صوته وكأنه في البرية، ولو تقدم 10 أمتار لكفانا شر هذا الإزعاج والضجيج الصوتي الدائم..

- تضع المرأة على رأسها صبورا من الثياب السوداء الملفوفة عليه، تضع كرسيا باب غرفتها، تشعل سيجارة وراء سيجارة، وترمي الفلتر في الممر.

- إذا استوقف نزيل أحد أفراد الطاقم الطبي ليسأله سؤالا، فيهجم 10 يسألون مع بعضهم مقاطعين النزيل الأول والمسؤول معا، وتكتشف أنهم كلهم يسألون نفس السؤال وكأنهم لم يسمعوا الإجابة منذ البداية فيقول لهم المسؤول.

.

كان عدد ركاب طائرتنا 250 راكبا، فهل يعقل أن يكون فيها 52 مصابا إلى الآن – أكثر من الخُمس – والحبل على الجرار.. هذه النسبة لاتكون في مدينة عدد سكانها 200 ألف نسمة.. أنا شخصيا لا أستغرب.. وسبب عدم استغرابي هو حبسهم لنا في باصات محكمة الإغلاق لمدة ساعتين بأرض المطار كما تحبس قطعان المعزى والغنم، لقد كان ذلك كافيا للعدوى، وزاد في الطنبور نغما وجودنا في محجر يستهتر فيه النزلاء بلبس الكمامة والقفازات.. لذلك لا غرابة أن تكون النسبة أكثر من ذلك؟..

.

لم أجد إلى الآن تبريرا لهذا الحبس الذي بالت الناس فيه بثيابها إلا تبريرا واحدا من أمرين.. أو الاثنين معا.

الأول: أن الفريق المكلف لم يكن يعرف ماذا يتصرف وبأي محجر سنكون؟ فجلس يفكر وتركنا ملكوعين في الباصات

الثاني: أن يكون الفريق صائما فانتظر موعد الإفطار، ثم اجتمع وأعطى قرارا بتحرك الباصات.

أنا أدرك أن هذين (التبريرين سخيفين وتافهين) لكن اعطوني تبريرا آخر مقنعا حتى أتخلى عن توقعي..

.

ختاما: لابد لي من أن أنوه وأشيد بكادر الفريق الطبي الذي كان يعاملنا بعالي الخدمة ومنتهى الروح الإنسانية المتفانية.. حصل ذلك أثناء وجودنا في المحجر، وحصل من فريق المتابعة في السويداء الذين يتصلون بنا بشكل شبه يومي.

كما أشكر العسكريين الذين كانوا يقدمون خدمة للنزلاء، ويشترون لهم ما يحتاجون مترفعين عن التطلب جراء خدمتهم، وتحت الإلحاح يأخذون مكافأة خدمتهم ولكن بنفس غير رخيصة، بخلاف عمال المطار الذي يتجاوز دخل الواحد منهم 10 آلاف ليرة يوميا وهم يحومون حول المسافر (الحمد لله على سلامتك.. الله يخلي أولادك.. الله يخلي مرتك.. توصل بالسلامة) ليأخذ 200 أو 500 ليرة بدون أية خدمة أحيانا.

.

انتهى

عدد الزيارات
13869528

Please publish modules in offcanvas position.