سينما العباسية... "سينما باراديسو"

مفيد عيسى أحمد - خاص فينكس:
لم تكن المدينة مدينةً في عرفنا إن لم يكن فيها سينما، كان ذلك عندما كنا أطفالاً و في سن اليفاعة و حتى الشباب. حينها كان للسينما أهمية و دوراً في الحياة الإجتماعية.
كان في طرطوس ثلاث دور للسينما؛ العباسية و السبع و الأمير، و هكذا على صغرها حتى الثمانينات من القرن الماضي، كان يمكن اعتبارها مدينة.
أول مرة أحضر فيلماً سينمائياً كانت في سينما العباسية، مع أمي و أبي و عمتي و غيرهم. الصغيرمفيدكانت السينما فرجة و متعة و طقساً اجتماعياً، فقد كانت العائلات ترتادها كأي مرفق. لم أكن قد تجاوزت الثانية من عمري، لذلك لا أذكر من الفيلم شيئاً، و لا أذكر أني قد شاهدته. ما يذكرني به الصورة التي أخذت لي بعد الفيلم مباشرة في استديو مجاور للسينما.
تقول أمي أن الفيلم كان عن الفدائيين؛ و أني بكيت كثيراً أثناء عرضه، لذلك لم يكن من المناسب أن أتصوّر حينها، لأن الحزن و الخوف ظاهر علي في الصورة، لكن كل صوري اللاحقة كانت مثل هذه الصورة.
كانت هذه أول مرة أبكي و أنا أشاهد فيلماً سينمائياً، و لم أكن واعياً حينها، ربما بكيت فزعاً و ليس تأثراً، أما المرة الثانية فقد كانت و أنا أشاهد فيلم "سينما باراديسو" للمخرج الإيطالي "جيوسيبي تورناتوري" بطولة جاك بيرين، فيليب نواريه، ليوبولدو ترييستي، ماركو ليوناردي، أنييزي نانو وسالفاتوري كاشو.
  بكيت و أنا واع، تأثراً و لعنت "ألفريدو" مع من فعل ذلك من المشاهدين في "سينما باراديسو".سينما بارديسو
أعادني "جيوسبي تورناتوري" إلى سينما العباسية خاصةً، فكثير ما شدتني غرفة العرض و وقفت بجانب بابها الذي كُتب أعلاه "لطفاً ممنوع الدخول" و لم يتيسر لي شخص مثل "ألفريدو" ليدخلني و يريني كيفية العرض السينمائي.
 كانت العباسية تعرض الأفلام المشهورة، عربياً و عالمياً، و فيها عرفت: دريد لحام و صباح الجزائري، ياسين بقوش و نجاح حفيظ، ناجي و محمود جبر..
 و عرفت عربياً: رشدي أباظة و عمر الشريف، عادل أدهم و توفيق الدقن، نور الشريف و محمود ياسين، إسماعيل ياسين و أمين الهينيدي، عادل إمام و سمير غانم، فاتن حمامة و شادية، هند رستم و هدى سلطان، عبد الحليم حافظ و عبد السلام النابلسي، زهرة العلا و سامية جمال...
و عالمياً عرفت: مارلون براندو، روبيرت دي نيرو، آل باتشينو، جال نيكلسون، كلينت ايستوود، كيرك دوغلاس، جان بول لولمندو،  جيسكا لانغ، كاترين هيبورن، كاتلين تورنر،  جوليتا ماسينا، صوفيا لورين، بريجيت باردو، كاترين دونوف...
كانت العباسية تضع إعلانات مرافقة لـ "أفيشات" الأفلام فيها الكثير من التشويق و الطرافة، مثل الاعلان الذي وضعته لفيلم لم أعد أذكر اسمه و هو "لا وجود للموت هنا" رغم أن كل من الفيلم يموت.. إلا البطل فقد جُرح جرحاً بليغاً فقط.
أما سينما السبع فقد كانت تعرض أفلام الأكشن، و كانت أول من إبتدع أسلوب العرض المستمر في طرطوس، أي دون التقيد بمواعيد معينة، و في نهاية كل فيلم أو عرض كان يخرج منها عدد من الأبطال، المشاهدين الذين تأثروا بالفيلم لدرجة أنهم صاروا يحاكون بطل الفيلم، و ليسوا أقل منه، فقد كان يخرج عشرة بروسلي أحياناً، و مثلهم أو أقل أو أكثر جاكي شان أو جيت لي، أو أرنولد شواريزنغر.... يسيرون نافخين صدروهم و عضلاتهم، التي لا تلبث أن "تفش" شيئاً فشيئاً ليعودوا إلى الواقع.
و كان الحضور فيها يصفقون بحماس للبطل الذي يصل في اللحظات الحرجة، و يقفون أحياناً، و كأن ما يحدث حقيقة و واقعا و ليس تمثيلاً.
سينما الأمير، كانت الأجرأ على عرض المشاهد الشبيهه بتلك التي  كان القس يمنع عرضها في "سينما باراديسو" و يقطعها "ألفريدو"  لكن دون أن تكون في عرض واحد أو محدد،سينما الجنة 6 أو وقت معروف من العرض، فخلال عرض الفيلم، يُفاجأ الحضور بقطعه و عرض مشهد سريع أو مشهدين رومانسيين قريبين من السخونة، ثم يعود عرض الفيلم.
لهذا السبب كان الحضور دائماً في حالة ترقب، فالكثيرون كانوا يدخلون السينما من أجل هذه المشاهد، لذلك كان تأخرها أو عدم عرضها يستدعي الصفير. و هناك من كان يفوته المشهد لأنه كان نائماً و عندما يستيقظ يبدأ بالتبرم و الشتم.
لم تعد هذه الدور موجودة، بقيت فقط سينما الكندي التي أنشات فيما بعد، و لم يكن لها سحر العباسية أو السبع أو الأمير...
صارت طرطوس مدينة أخرى، مدينة بدون سينما، أما نحن فثمة شريط ضائع... لم يعده إلينا أحد كي نشاهده، كما فعل "ألفريدو" لـ "سلفاتوري دي فيتا" في نهاية فيلم "سينما باراديسو".