"نيتشه" روح معذبة بين "ديونيسيوس" و"المصلوب"

أوس أحمد أسعد- خاص فينكس:

رغم مضيّ مائة وواحد وعشرين سنة على وفاته 1900م. ظلّ "فريدريش نيتشه" من أكثر الفلاسفة مقروئيّة ومتعة وتأثيراً على الأجيال. فهو من القلّة القليلة التي كتبتْ بجرأة ووضوح عاليين ضدّ المقدّسات والثّوابت واليقينيّات القارّة، وأوّل من أعلن موت الله، داعياً لإعادة تقييم القيم كلّها.نيتشه 1

يقول متسائلاً ساخراً بطريقته الخاصّة بإثارة الشّكوك: "هل الإنسان هو أكبر خطأ ارتكبه الله؟ أم الله هو أكبر خطأ ارتكبه الإنسان؟.. البوذيّة لم تعِدْ بشيء، لكنّها .حافظت على الوعود، و المسيحيّة وعدتْ بالكثير ولم تحافظ على وعد"

كان حضوره طاغياً على مختلف فئات المثقفين (وليم بيتلر يتس، جورج برنارد شو، راينر ماريا ريلكه، دي إتش لورانس، أوغست ستريند بيرغ، ألبير كامو، جون بانفيل، ريتشارد ستراوس، غوستاف ماهلر.. إلخ) وقد تأثّر به الفلاسفة الذين لحقوه، بل حتّى الذين رفضوه، واستحمّ الكثيرون في الخطاب الرّغوي لكتابه "هكذا تكلّم زارادشت*" الذي وصفه بقوله: "كتاب للجميع وليس لأحد". الكتاب الذي صُنّفَ بأنّه من أكثر الكتب شعبيّة في العالم، لدرجة أشعرته بالفزع، فكتب بطريقة تحذيريّة يقول: "فوق كلّ هذا، لا تقحموني بما لستُ عليه!".

نشر "نيتشه" أفكاره الفلسفيّة حول المستقبل في كتابه "ماوراء الخير والشّر". لم يتقيّد بمنهج الفلاسفة الأكاديميّين، بل نثر آراءه بطريقة الأقوال المأثورة أو الشذرات، كما كان يسميها، نابذاً الأصول الفلسفيّة لكلٍّ من المثاليّة الكانطيّة والشوبنهاوريّة، والتقاليد المسيحيّة الأفلاطونية، التي تعتبر العمود الفقري للثقافة الغربية منذ 2000سنة. وكان يحرّض أتباعه على تسلّق القمم الأكثر ارتفاعاً في جبال العقل، محتقراً الدروب الآمنة كلّها.

يقول: "إنّ الفلسفة كما عشتها وفهمتها حتى الآن، هي أن تعيش طوعاً في الجبال العالية في الجليد.. وكم هي كميّة الحقيقة التي يمكن للروح أن تحتملها، وكم هي كميّة الحقيقة التي تتجرّأ الروح عليها". مجّد علاقته بالموسيقي الشهيرنيتشه كتاب "فاغنر" كصديق وقدوة له في البداية، ثمّ كعدوّ فيما بعد، يقول بهذا الصّدد: "أشعر معه بالحضور السّماوي.. أنا أسمّي فاغنر، فاعل الخير الأعظم في حياتي". وبعد تحوّله عنه وجد تعويضه الموسيقي في التّحفة الموسيقيّة "كارمن" للموسيقي الفرنسي "جورج بيزيه" الأوبرا الأكثر شعبيّة ورومانسيّة، التي كان يسمعها كثيراً، يقول في امتداحها: "بدا لي في كلّ مرّة أسمعها، أنّني أصبح فيلسوفاً أفضل. أصبح أكثر صبراً وأكثر سعادة وأكثر ثباتاً، أصبحُ هنديّاً أكثر".

أمّا علاقته بالنّساء أيضاً فكانت إشكاليّة وغريبة، تلخّصها مقولته المشهورة، في كتابه الممتع "هكذا تكلّم زارادشت": "أذاهبٌ أنت إلى المرأة؟ إذن لا تنسَ سوطَكَ!". وقد قيل بأنّ السبب، هو معاناته مع مرض السفلس، وهو "أيدز" القرن التاسع عشر. أمّا علاقته النسائيّة الوحيدة المهمّة فكانت مع "لو سالومي" 1882م والتي لم تتجاوز حدود القبلة. تعرّف عليها عام 1882م، ووقع في حبّها وهو الذي يزيدها بسبعة عشر عاماً. كانت معجبة بالفيلسوف الشاعر المهيمن فكريّاً. تقول عن علاقتها به: "أيّة نجوم أرسلتنا ليدور أحدنا في فلك الآخر؟" رفضت عرضه لها بالزواج، ثمّ قالت أنه انهار و"بكى" حين اتّخذوا وضعيّات معيّنة في الاستديو لكي تُلتقط لهم صورة ثلاثيّة. تلك الصورة السّيئة السمعة والمخيّبة للآمال. التي تبدو فيها عربة ريفيّة صغيرة يقودها "نيتشة وري" فيما "لو" تلوّح بالسوط بفتور وتظهر وراءهم خلفية لجبال الألب. فالسّوط والعربة من تحضير الاستديو وتلك كانت فكرة "نيتشه" كما قالت "لو".

كان يوقّع رسائله باسم "ديونيسيوس" إله الخمرة. أو باسم "المصلوب". لتظلّ الدمغة المسيحيّة لابن القسّ ترافقه مدى الحياة، قابعةً تحت وثنيّة الفيلسوف البالغ. مشيرة إلى الحالة الكلاسيكيّة لكبتٍ لا جنسي. ولقد زاد من ضعفه الجسدي، آلامَه الدّائمة في الرأس "الشّقيقة" التي كانت تبقيه في الفراش لوقتٍ طويل، وضعف الرؤية لديه، ولقد لقّبه رفاقه في شبابه الأوّل بـ "الروح المعذّبة".

أمّا مثاله الثاني الذي تأثّر به بشدّة فكان فيلسوف التشاؤم "شوبنهاور" وخاصة بكتابه "العالم كإرادة وتصوّر" الذي قاده إلى تلمّس طريق جديدة في فهم الكون، يقول: "أمسكتُ بالكتاب بيدي كشيء غير مألوف تماماً، وبدأتُ بتقليب صفحاته. لم أعرف أيّ "دايمون = روح" كان يهمس لي ويقول: "خذ هذا الكتاب للبيت" ولدى عودتي إلى البيت، .استرخيتُ على زاوية الأريكة.. وتركتُ هذا العبقري الكئيب الحيوي يعمل في عقلي" ولاحقاً قال في كتابه "شوبنهاور كمعلم" أنّه عرف "بعد قراءة الصفحة الأولى، أنه سيقرأ كل صفحة، وسوف يستمع إلى كل كلمة سيقولها. كانت ثقتي به فوريّة.. فهمته كما لو أنّه كتب لي شخصيّاً". لقد أصبح " شوبنهوريّاً متقداً "يقيّد جسده بأربع ساعات نوم كتمرين لقهر الجسد ويسير حثيثاً باتجاه الفلسفة ويكتب مقالات رائعة في المجلّات الفلسفيّة، هكذا وجد صوته المتميّز.نيشه كتاب1

كان كتاب "هكذا تكلّم زارادشت" أطول وأعظم عمل له. كتبه في طفرات من الإلهام الهوسي، يتردّد فيه صدى من الإنجيل أو السخرية منه. وقد صدّر من خلاله مصطلحه عن الإنسان السوبرمان، الذي لا يعني به نوعاً جينيّاً محسّناً، بل كياناً أرقى نفسيّاً وأخلاقيّاً وجماليّاً والذي كان عظماء الماضي "يوليوس قيصر، بيتهوفن، غوته" مجرّد أشباه له. يقول: "ما هو القرد بالنسبة للبشر؟ مهزلة أم عار مؤلم. كذلك سيكون البشر بالنسبة إلى السوبرمان.. أنا أعلمكم من هو السوبرمان، إنّ السوبرمان هو معنى الأرض".

بدأت أوهامه عن العظمة وعن الصحة وبأنه يبدو أكثر شباباً، بالتفاقم لديه. كتب ديوان "ديونيسوس أو أناشيد ديونيسوس" وهي قصائد جميلة مجزّأة جميلة، استبقت الشعر الحرّ في القرن العشرين. وبدأ يعتقد أنّه ديونسيوس وقد عاد إلى الأرض. وبأنه الإله الذي سيغيّر كل القيم. ويسحق الرايخ الألماني.. كتب لصديقه "ستريندبيرغ" بعد عيد ميلاده مباشرة: "طلبت اجتماعاً للأمراء في روما. أريد أن أطلب قتل القيصر فيلهلم الثاني". في عام 1889م انهار تماماً وهو يحاول معانقة حصان يتم سوطه في الشارع. عندما صحا كان مجنوناً بشكلٍ كامل كتب إلى "ميتا فون ساليس": "لقد تغيّر مظهر العالم لأنّ الله على الأرض. ألا ترى كيف تحتفل الجنان كلّها؟ لقد استوليت للتوّ على مملكتي وألقيتُ البابا في السجن". ووقع الرسالة باسم "ديونيسيوس". وقد تمّ تسليمه في "بازل" إلى مركز صحي حيث جاءت والدته وأخذته إلى "نامبيرغ" لتعتني به. وظلّ تائها وغائباً عن الوجود حتى 1900م حيث توفي بالسكتة الدماغية.

* هكذا تكلم زرادشت صدر في عدة ترجمات، المتداول منها ترجمة "فيليكس فارس"، لكن الترجمة الأكثر دقة هي للتونسي "علي مصباح" و التي تقع في ما يزيد عن 600 صفحة مع هوامش هامة.