Group 422
كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

عندما خسرت الثقافة السوريّة أحد أعمدتها… المفكر السوريّ جورج طرابيشي

لم يلقَ جورج طرابيشي الاهتمام الذي يستحقه بوصفه أحد أهم رجال الفكر والتنوير في الثقافة العربيّة المعاصرة، وقد يعود ذلك إلى بعده عن الساحة العربية بسبب إقامته في فرنسا أربعين عاماً.

ولد جورج طرابيشي في مدينة حلب 1939م، ورحل عن هذه الدنيا في باريس عام 2016م بعد أن ترك ثروة معرفية ضخمة في مجالي الترجمة والتأليف.

درس طرابيشي في مدارس حلب قبل أن ينتقل إلى دمشق؛ لينتسب إلى جامعتها، ويتخرّج فيها بعد حصوله على الإجازة في اللغة العربيّة، ثمّ حصوله على درجة الماجستير في كلية التربيّة.

عمل مديراً لإذاعة دمشق (1963-1964م)، ورئيساً لتحرير مجلة دراسات عربية (1972-1984م) ، ومحرراً رئيساً لمجلة الوحدة (1984-1989م). وقد أقام مدةً قصيرةً في لبنان قبل أن يغادره مع بدء الحرب الأهليّة إلى فرنسا التي عاش فيها حتى وفاته.

تميّز بكثرة ترجماته ومؤلفاته، فقد ترجم لفرويد وهيغل وسارتر وماركس وغيرهم، وبلغت ترجماته ما يزيد على مئة كتاب في الفلسفة والأيديولوجيا والتحليل النفسي في الرواية.

تنقّل طرابيشي بين أيديولوجيات مختلفة، مثل كلّ المفكرين الكبار، من الفكر القومي إلى الوجودية ثمّ إلى الماركسيّة والتحليل النفسي، قبل أن ينتهي إلى تبني نزعة نقديّة جذريّة يرى أنّها الموقف الوحيد الذي يمكن أن يخدم القضية التي يدافع عنها، وهي قضية النهضة العربيّة وتقدّم الأمّة.على أن طرابيشي يتحدّث في آخر مقالٍ له منشور عام 2016 أي سنة وفاته، عن ست محطات في حياته كان لها تأثيرٌ كبيرٌ في رحلته في عالم الكتابة، إذ قادته في هذا الطريق الذي سلكه.

تمثّل المحطة الأولى مرحلة الطفولة والمراهقة ضمن أسرة مسيحيّة كان فيها متديناً بشدّة، إلى أن حضر أحد الدروس الدينية لكاهن معروف بصرامته الشديدة جعلته ينفر من الدّين، ومن ذلك اليوم ((كففت عن أن أكون مسيحياً)).

المحطة الثانيّة حينما حضر أحد الدروس الدينية الإسلاميّة في المرحلة الثانوية بعد أن أدخلت الدولة التعليم الديني إلى المدارس الرسمية بطلب من الإخوان المسلمين عام 1955م بعد إسقاط حكم أديب الشيشكلي. حين دخل قاعة التدريس وجد عنوان الدرس مكتوباً على السبورة: ((كل من ليس بمسلم فهو عدو للإسلام))، ومع ذلك تابع حضور الحصة الدرسيّة حتى جاء وقت النقاش. ومن هنا بدأت تتشكل لديه قناعة بأنّ مهمة كبيرة جداً لا تزال تنتظر المجتمعات العربيّة وهي قضية تغيير على صعيد العقليات.

تتعلق المحطة الثالثة بحادثة حدثت معه في السجن، حينما التقى فيه رفاقاً حزبيين له من مسيحي حوران، ودار حديث حول جرائم الشرف التي دافع عنها هؤلاء الرفاق على الرغم من تقدميتهم المعلنة في انتمائهم إلى حزب تقدّمي. ((منذ ذلك اليوم توطد لديّ الاقتناع بأن الموقف من المرأة في مجتمعاتنا، يحدد الموقف من العالم بأسره)).

في المحطة الرابعة من حياته، جاء دور فرويد بعد مرحلة القومية العربية والبعثية واليسارية والماركسية. يروي طرابيشي أن علاقته بفرويد جاءت بعد قراءته مقالاً لأحد تلامذة فرويد يتعلّق بعادة كان قد اعتادها، وجاءت هذه المقالة لتوضح له أنَّ هذه العادة مرتبطة بعرض عصابي على صلة بعلاقته بوالده التي لم تكن على ما يرام في مراهقته ((ومنذ أن قرأت ذلك المقال انفتحت على التحليل النفسي، وعكفت على قراءة فرويد ثمّ شرعت أترجم له. ووجدتني أتصالح مع أبي _وكانت قد مضيت سنوات على وفاته_ وأصفّي حسابي مع نفسي تجاه أبي)).

أمّا المحطة الخامسة، فهي المتعلقة بعلاقته بمحمد عابد الجابري إذ أثّر فيه كثيراً في البداية بسبب انبهاره بهذا الإنجاز قبل أن يكتشف السقطات الكبيرة للجابري في أحكامه. إذ قال ((إنّي أعترف للجابري، الذي قضيت معه ربع قرنٍ بكامله، وأنا أقرؤه، وأقرأ مراجعه ومئات المراجع في التراث الإسلامي، ومن قبله المسيحي ومن قبلهما التراث اليوناني، وكل ما يستوجبه الحوار من مشروعه))، فقد ردّ على مغالطات الجابري بخمس مجلدات تحت عنوان (نقد نقد العقل العربي).

 المحطة السادسة، هي محطة الصمت والشلل التام والتوقف عن الكتابة: محطة الألم السوري المتواصل منذ عشر سنوات، لقد شكلت أحداث سورية صدمةً كبيرةً له. والتي علّق عليها بقوله ((ولكن، وكما أثبت التطور اللاحق للأحداث، فإن ما قام البرهان على أنه كان في محله هو توجسي بالذات: فالربيع العربي لم يفتح من أبواب غير أبواب الجحيم والردّة إلى ما قبل الحداثة المأمولة والغرق من جديد في مستنقع القرون الوسطى الصليبية / الهلالية)).إنّ إحياء أعمال هذا الرّجل لهو واجبٌ وطني في وجدان كل من يهتم بنهوض سوريا من كبوتها، بعد أن تجاهله الناس مدةً على الرغم من غزارة إنتاجه تأليفاً وترجمةً، بالإضافة إلى عمق هذا الإنتاج؛ لأنّ صاحبه كان يحمل همّاً كبيراً، ولديه مشروع ثقافي تنويري حقيقي.

آلاء ياسين دياب

مدى