Group 422
كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

الأخيرة للمرة الثالثة

علي الرّاعي - خاص فينكس:
كان ذلك قبل عشر سنوات، وربما أكثر بقليل؛ يوم صدرت روايته "إلى الأبد ويوم" التي كانت حينها مفاجأة الشاعر السوري عادل محمود للمشهد الشعري، لاسيما وقد نالت جائزة أدبية رفيعة من دولة خليجية… كانت مُفاجأة لأن محمود لم يُعرف عنه غير كتابة الشعر وبعض المقالات الصحفية على مدى عقود طويلة، ويومها أعلن إن رواية "إلى الأبد ويوم" التي كانت أقرب إلى السيرة الذاتية: إنها ستكون روايته الأولى والأخيرة، لكن الحفاوة النقدية التي استقبلت بها الرواية حينها، دفعه لأن يُكرر التجربة الروائية مرة ثانية في "شكراً للندم"، وحينها أعلن إنها ستكون الرواية الأخيرة أيضاً، ولم ينس عادل محمود، وهو يُوقع روايته الثالثة "قطعة جحيم لهذه الجنة" في إحدى دورات معرض الكتاب في دمشق؛ أن يؤكد إنها ستكون الرواية الأخيرة كذلك.. الرواية التي اكتشف الشاعر محمود إنها "نوعٌ مؤلم من النشاط الإنساني، لأن التجربة تُعاش، انفعالياً، مرتين؛ مرة فيها، ومرة عنها."..
والحقيقة ثمة غواية روائية تجذب الكثير من المبدعين اليوم لكتابة (رواية)، وأياً كان الإبداع الذي عُرف فيه المبدع ولسنين طويلة؛ تبقى دائماً ثمة رواية وكأنّ عليه واجب أن تكون (خاتمة) إنجازه الإبداعي مهما كان متنوعاً، أو مهما كان مُخلصاً لنوع إبداعي واحد طول الوقت.. وكأنّ المسيرة الإبداعية تبقى ناقصة إن لم (تُزيّن) بخاتمة روائية..
وفي رصد المشهد الإبداعي السوري؛ فإن الغواية الروائية بدأت حين أعلن روائيٌّ سوري، وكانت الحماسة الروائية في ذروتها في العالم العربي، وأظنه حنا مينة من أن الرواية اليوم؛ تعتبرُ (ديوان العرب)، وذلك في إشارته لتراجع النص الشعري لصالح الرواية التي وجدها حينها أنها تجاوزته.. ورغم المُغالطة الرهيبة لتلك (المقولة) التي نادراً ما بقي ناقد أو مُبدع حينها لم يُرددها ويكررها عشرات المرات بمناسبة، وحتى بدون مناسبة؛ فقد بقي الشعر – على عكس ما كُرر ورُدد -؛ هو الإبداع الأول في العالم العربي، ولم يتجاوزه أبداعٌ آخر، وهذا ما أثبتته التجارب الإبداعية منذ زمن إطلاق تلك المقولة، وإلى اليوم سواء كان من حيث الكم، أو كان من حيث النوعية، فقد بقيت (الرواية العربية)، إن جاز لنا القول والحديث عن رواية عربية لها معالمها ومميزاتها الخاصة، والتي هي بقيت من الندرة من حيث النوعية، وبقيت كذلك صدى بعيد لتلوينات روائية عالمية من أوروبا وأمريكا اللاتينية، ولم تكتسب خصوصيتها الخالصة، وهذا بعكس القصيدة، حيث لم يتفوّق العرب سوى بالشعر..
بعض الذين كتبوا القصة القصيرة؛ لم تكن تلك الكتابة سوى (بروفات) وذريعة للانتقال للكتابة الروائية، وربما كان الأمر واضحاً أكثر عند الجانب النسوي أكثر منه عند الذكوري، فيما كثيرون من الذكور أيضاً هجروا الشعر وإلى غير رجعة، ومن ثمّ كان الانهماك الكامل في الكتابة الروائية – خليل صويلح، عمر قدور- ومايزال الكثير من الذين لم يفعلوها من قاصين وشعراء؛ يُصرح في الكثير من حواراتهم: "لابد سأكتب روايتي قريباً!!"..
على ما يروي الأديب علي عبد الله سعيد؛ إنه منذ منتصف تسعينات القرن الماضي وحتى عام 2010، ومع تدفق المال الخليجي على الدراما السورية وعلى ممثلاتها الفاتنات؛ كنت إذا ما التقيت بكاتبٍ سوري، أي كاتب سوري لا على التعيين وتسأله: ما هو مشروعك الكتابي بهذه الأيام؟ يجيبك على الفور: "أكتب سيناريو، أو انتهيت من كتابة سيناريو!!".. وبعد توقف تدفق المال الخليجي تقريباً عن الدراما والممثلات الرائعات؛ فكلما سألت شاعراً أو صحفياً أو قاصاً أو ممثلاً أو أو.. والمفاجئ إنه حتى إذا ما سألت كاتب السيناريو نفسه: ما هي مشاريعك الكتابية؟ سيجيبك على السريع: أكتب رواية، أو لقد كتبت رواية، وربما الهدف من وراء ذلك المال الخليجي أيضاً.. أي جماعة بوكر الرواية!!
وحتى لا يظن البعض، إنني أهاجم كتّاب الرواية، أنا أيضاً سأكتب روايتي، وأظنها ستكون الأولى والأخيرة، إذا ما أتاحت لي الأيامُ الفسحة الكافية لكتابتها!!