Group 422
كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

غراميات جبران خليل جبران.. مي زيادة.. ماري هاسكال ونساء أخريات

اشتهر الجانب العاطفي لدى جبران خليل جبران، من خلال سياقات معطيات علاقته بالأديبة مي زيادة. أمر تجلى واضحا عبر  رسائلهما المتواصلة لمدة عشرين سنة، دون أن يلتقيا قط، للمفارقة العجيبة! ولو لمرة واحدة على أرض الواقع. أيضا، انتظرت مي زيادة اثنتي عشر سنة بالتمام والكمال كي تعترف أخيراً لجبران بأنها تحبه، وتسكنها رغبة دفينة أن يطلبها للزواج، سؤال تجنبه جبران على الأقل مع مي، غاية موته. في حين ألح عليه كثيرا مع ماري هاسكال، كما سنرى بقليل من التفصيل في الشق الثاني من هذه المقالة.
غير أن انكشاف حيثيات ثلاث ستضفي التباسا على تلك العلاقة الغرامية الطويلة، والاستثنائية بكل المقاييس الجسدية والروحية، التي شكلت دائما نموذجاً للحب العذري أو الصوفي يصعب احتذاؤه بالنسبة لثنائي آخر، سوى فيما ندر.
هي حيثيات حين النجاح في تسليط الضوء عليها، تزيل على نحو ما،غشاء الطُّهر والنقاء التامين عن غرام جبران ومي، بحيث تخضعه لميزان التقييم البشري المألوف، المحكوم بالنسبية والارتياب، وتسائل بالدرجة الأولى حقيقة مشاعر جبران خليل جبران، الذي جعل من رسائله العاشقة إلى مي، كما طواها كتابه”الشعلة الزرقاء”،مثلما اتضح، مجرد هرمون محرِّض لخياله يلهمه الإبداع الأدبي والفني،لأن جبران كما هو معلوم، كان أديبا ورساما تشكيليا.
-المسألة الأولى: لقد عاش جبران في أمريكا علاقات عاطفية عديدة مع نسوة، فاق عددهن العشرات، حسب بعض الروايات، وهن تحديدا : سلطانة تابت، جوزيفين بيبوديه، ميشلين، شارلوت تايلر، ماري قهوجي، ماري خوري، كورين روزفلت، مسز ماسون، بربارة يونغ، حلا الضاهر، ماريتا لوسن،هيلانة غسطين…دون الإشارة، ضمن المتتالية إلى اسم التي اختزلت حضورهن جميعا وشغلت” بالمطلق” قلب جبران، أقصد دائما ماري هاسكال.
معطى أساسي، دفعت ميخائيل نعيمة الصديق الحميم لجبران، في سيرته عن حياة الأخير، كي يقر بأن صاحب النبي لم يكن حقا نبيا، لمجرد تأليفه كتاب بهذا العنوان، بل كان منغمسا في طيات ملذات جسدية متعددة، فترة كتابته تلك الرسائل المعطرة بعبق السمو إلى مي زيادة.
– المسألة الثانية: لم يحتفظ جبران ضمن موروثه الفكري برسائل مي، سؤال يدل حسب الراجح عن عدم إهتمامه بها.
– المسألة الثالثة: على امتداد عشرين سنة، فترة زمنية ليست بالتأكيد هينة، لم يبد جبران إبانها أي سعي للقائه مي زيادة، رغم تنقلاته من أمريكا إلى فرنسا غير ما مرة. أيضا، لم يوجه لها أيّ دعوة بأي صيغة من الصيغ، مما يظهر بجلاء أن جبران فضّل في قرارة نفسه حياة حرة مستقلة تتخلص من كل ارتباط مؤسساتي. ضمن سياق الغرابة نفسه،انتظرت مي اثني عشرة سنة، كي تجهر أخيراً بما تشعر به نحو جبران والفضل في ذلك يعود للورق الذي منحها جرأة البوح. تقول رسالة لها بهذا الخصوص :
”ما معنى هذا الذي أكتبه؟ إني لا أعرف ماذا أعني به؟ ولكني أعرف أنكَ ”محبوبي”، وإني أخاف الحب…كيف أجسر على الإفضاء إليكَ بهذا، وكيف أفرط فيه؟ لا أدري. الحمد لله أني أكتبه على ورق ولا أتلفظ به، لأنكَ لو كنت حاضرا بالجسد لهربت خجلا بعد هذا الكلام، واختفيت زمنا طويلا.فما أدعكَ تراني إلا بعد أن تنسى. حتى الكتابة ألوم نفسي عليها أحيانا لأني بها حرة كل هذه الحرية. قل لي ما إذا كنت على ضلال أو هدى فاني أثق بكَ، وأصدق بالبداهة كل ماتقول ! وسواء كنت مخطئة فان قلبي يسير إليكَ وخير مايفعل هو أن يظل حائما حواليكَ يحرسكَ ويحنو عليكَ”.
تلك حقائق أساسية بخصوص فهم العلاقة الوجدانية بين جبران ومي، ولاشك توجد أخرى، إن تعمق الباحث في سبر أغوار هذا الموضوع وخصص له وقتا كبيرا قصد مزيد من البحث والتقصي، حول خبايا حياة رائدين من رواد فكر النهضة الحديثة بدايات القرن العشرين.
لقد اختارت مي زيادة عشقها لجبران، بالعقل والقلب معا، قلبا وقالبا، متجردين عن أيَ مثيرات ظرفية، قوامها مصالح ذاتية عابرة.امرأة قوية وشفافة، حرة ومستقلة، ذكية ومثقفة بامتياز، كانت تشرف في مصر منذ عام 1913 على صالون فكري، تعقده كل ثلاثاء داخل منزلها، تحضره قامات بلغت السماء طولا على مستوى الإلهام والفصاحة والبلاغة والبيان، يكفي ذكر: أحمد شوقي، طه حسين، عباس محمود العقاد، مصطفى عبد الرزاق، أحمد لطفي السيد، مصطفى الرافعي خليل مطران…أضمروا لها مشاعر تراوحت بين التقدير والإعجاب بل وتبادلت مع بعضهم رسائل خاصة جدا، ملؤها الحب والشوق مثلما جرى الأمر بينها والعقاد، إلى درجة كتابته رواية عنوانها ”سارة” اختزلت مضامينها اعترافات حبه نحو هذه المرأة الفريدة من نوعها.
بهذا الصدد، أكد مؤلف ”العبقريات” في إحدى لقاءاته، بأن فؤاده لم ينشغل طيلة حياته سوى بسارة ثم مي زيادة، التي منحته السعادة منجذبا إلى نوعية سماتها الذهنية واستقلال شخصيتها.
بدورها، تماهت مي زيادة بكل انسيابية مع صمت رغباتها المتوارية، فكتبت إلى العقاد مايلي: “إن ما تشعر به نحوي هو نفس ماشعرتُ به نحوك منذ أول رسالة كتبتها إليك وأنت في بلدتك التاريخية أسوان، بل إني خشيت أن أفاتحك بشعورك نحوي منذ زمن بعيد، منذ أول مرة رأيتك فيها بدار جريدة ”المحروسة”.إن الحياء منعني، وقد ظننتُ أن اختلاطي بالزملاء يثير حمية الغضب عندك. والآن عرفت شعورك، وعرفت لماذا لاتميل إلى جبران خليل جبران”.
فعلا، رغم كونها محاطة عن قرب بجاذبية هؤلاء الكبار، فقد حلقت جوارحها بعيدا؛ أبعد من المحيط الأطلسي، تحديدا صوب جبران نتيجة سحر خواطره ومفعول كلماته الأخاذة. كانت زيادة في سن السادسة والعشرين، تحديدا عام 1912، حين اطلاعها على كتاب ”الأجنحة المتكسرة”،العمل الذي نشره جبران خليل جبران في نيويورك، بعثت له رسالة عربونا عن إعجابها بما خطته أنامله وما انطوى عليه أسلوبه. ثم تطور التراسل بينهما إلى أن أفرز لنا ظاهرة ثنائي جبران/مي الشهير، دون أن يخلص بعد كل شيء، غاية انصهاره الروحي بكيفية ملموسة، وظل الأمر مجرد تحليق أثيري للخيال.
سنة1931، توفي جبران، ثم خلال السنة الموالية فقدت مي زيادة والديها، وضع أشعرها بقسوة الوحدة والعزلة، إضافة إلى ظلم الأهل والأقارب، تحديدا أبناء عمومتها،الذين أودعوها مصحة نفسية في لبنان قصد الاستحواذ على إرثها. مصير مأساوي صاحبها غاية وفاتها سنة1941،عن سن يناهز الخامسة والخمسين.
سعيد جعيط
ثقافات