Group 422
كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

النهضة النسويّة السوريّة "ماري العجمي" مثالاً

أوس أحمد أسعد- خاص فينكس:

إنّ مساحة الإقصاء للحضور النّسويّ "المهمّش" من قبل الثقافة الذكوريّة المهيمنة تاريخيّاً، تزداد طرداً مع محاولة نهوضه المحتمل بين حينٍ وآخر. وإنْ حدثَ واستطاع هذا المهمّش إثبات وجوده في مرحلةٍ ما، فإنّ التاريخ الرسمي المطمئنّ لرسوخه الذّكوريّ يسارع لاحتوائه عبر الامتداح والإطناب، لكن دون إسناد حقيقيّ على أرض الواقع. هكذا بقى النّضالُ النّسويّ أشبه بجزرٍ متفرقةٍ عموماً، لم يستطعْ مراكمة وإنضاجَ تجاربه المجتمعيّة العميقة حتى الآن، وذلك لأسبابٍ ذاتيّة وموضوعيّة كثيرة. وضمن هذا التّصوّرفإنّنا سنحاول إلقاء الضوء على اسم نسويّ حقّق حضوراً لافتاً في المشهد السوريّ الحديث، ثمّ مالبث أن غفا كغيره من إنجازات النساء في بطون الكتب وعلى رفوف التّاريخ. إنّها المناضلة السورية "ماري العجمي"، الأديبة المثقّفة المترجمة الشاعرة التي علا صوتها جريئاً ضدّ القهر والاستبداد العثماني والفرنسي في بدايات القرن العشرين، هاهي تقول متحدّيةً: "إنّ أمّة هان على أبنائها بذلَ الدماء، لا يصعب عليها الانتصار في ميادين العمل".ماري عجمي

هذا الحضور الجريء جعل كبار الشخصيّات السياسيّة والأدبيّة الذكوريّة المعاصرة تُشيد به، ومنهم السياسيّ السوريّ المعروف "فارس الخوري" الذي امتدحه بطريقته المهضومة قائلاً:

يا أُهيلَ العبقريّة         سجّلوا هذي الشّهادة

إنّ ماري العجميّة         هي ميٌّ وزيادة

كذلك فعل الشاعرالمهجريّ الكبير "إيليا أبو ماضي" بقوله :

بنتَ سورية التي أبكي بها             همّة اللّيث وروحَ الحَملِ

و قالت فيها الأديبة السوريّة الرائدة "وداد سكاكيني":

(كان الفرزدق إذا سمع شعراً للخنساء قال: تلك أنثى غلبتْ الفحول.. وفي زماننا هذا لو يُسأل فحولُ الأدب عن "ماري عجمي" لأعادوا قولَ الفرزدق في الخنساء).

أتقنتْ "ماري عجمي" ابنة دمشق المولودة عام 1888م ـ وهي حفيدة لجدٍّ يمتهن التجارة عبر الأسفار المتواصلة إلى بلاد العجم، أكسبها كنيتها هذه ـ اللّغتين الفرنسيّة والإنكليزيّة إلى جانب العربية. ثمّ التحقتْ بعد نيلها الشّهادة الثانوية، بمدرسة التمريض التّابعة للكليّة الأمريكية في بيروت، لتعيّن معلّمة من الدرجة الأولى. ثم لتتابع رسالتها التعليميّة في كلٍّ من فلسطين والعراق ومصر. إلى جانب نشاطها الإعلامي الذي ابتدأته بتأسيس أوّل مجلّة نسويّة تربويّة فكاهيّة سورية عام 1910م باسم "مجلّة العروس" والتي توقّفتْ أثناء الحرب العالمية الأولى 1914م لأربع سنوات، ثمّ عاودتْ الصّدور حتى عام 1926م. وقد امتدّ نشاطها الثّقافي إلى مصر أيضاً من خلال تحريرها لمجلّتي "الأحرار والعروس" المصوّرتين. وكان شعارها هو التالي: "إنّ الإكرام أُعطيَ للنّساء ليزيّن الأرضَ بأزهار السّماء". كتبتْ في افتتاحيّة المجلّة موضّحةً منهجها النضالي للارتقاء بمكانة المرأة ودورها الاجتماعي، بالقول: (إلى الذين يؤمنون أنّ في نفس المرأة قوة تُميتُ جراثيمَ الفساد، وأنّ في يدها سلاحاً يمزّق غياهب الاستبداد، وأنّ في فمها عزاءً يخفّف وطأة الشقاء البشري. إلى الذين يمدّون أيديهم لإنقاذ بنات جنسهم من مهاوي هذا الوسط المشوّه بانتشار الأوهام، أقدّم مجلّتي لا كغريبة تثقل كواهلهم، بل كتقدمةٍ إلى من يليق بهم الإكرام وتناط بهم الآمال).

لقد كان شغلها الشّاغل محاولة النّهوض بالوعي النسويّ، إلى جانب النضال ضدّ الاستبداد والمحتلّ للأرض، لذلك أسّستْ النادي النسائي الشاميّ مع المناضلة السورية الدمشقية "نازك العابد" 1920م التي خدمتْ في سلك الجيش. هذا النادي الذي يعتبر من أقدم وأعرق النوادي في سورية. وهاهو صوتها المطالب بالمساواة يدوّي رنّاناً في حفل الافتتاح، تقول:(لقد ثبتَ للعلماء إنّ إصلاح البلاد لا يتمّ ما لم يوجد التوازن بين الجنسين في العلم والمعرفة، ليتعاونا معاً في الوصول إلى مركزهما العلميّ. إنّ صرخة النساء في طلب المساواة طبيعيّة لامناص منها، وبرهاني على ذلك يقضي الرجوع إلى التاريخ، فإذا قلبتم صفحاته ترون الأمومة أقدم عهداً من الأبوّة).

لم تكن "ماري" هاوية شعارات فقط، بل أنّها قرنتْ، قولها بسلوكٍ عمليّ شخصيّ تكرّسَ بعلاقةٍ عاطفيّة مريرة النتائج ـ بقيت مخلصة لها طيلة حياتها ـ علاقة تُوِّجَتْ باستشهاد الحبيب "بترو باولي" الذي جمعتها معه الأفكار الثورية الواحدة. حيث استُشهِدَ على يد الأتراك المحتلّين للأرض، الذين سجنوه وعذبوه ثم أعدموه ضمن قافلة شهداء السادس من أيار عام 1915م. وقد واظبتْ على زيارته في السجن، ونقل الرسائل السريّة إليه، دون خوفٍ أو توجّس. وهاهي تصفه متوجّهاً إلى منصّة الإعدام،بفخرٍ، فتقول:(وكما يحتفل الفتى بزفافه، هكذا احتفل الشهيد بمشنقته، فما دعي إلى ارتقائها حتى صاح بشركائه فيها قائلاً: هلّموا أيها الأخوان، إنّها أرجوحة الأبطال، وأنت يا تركيا الشقية: حياتنا في ظلّك ممات ومماتنا في ظلّك حياة، فدونك إذن هذي الروح التي أقمتِ منذ عامين تحومين حول نزعها بكل ما لديك من وسائل الاضطّهاد، وما عهد سقوطك ببعيد، وهنيئاً لمن يعيش ليرى الرجاء..).

وتقول برسالةٍ أخرى:(أخي السجين أكتبُ إليك على ضوء القنديل، ولكن ما ينفع النور إذا كان القلب مظلماً؟ لقد نسيت العالم منذ رأيتك على هذه الحال، خذ حريّتي إن شئتَ وأعطني سجناً كسجنك...أخي السجين أتدري أنّك في سجنك أكثر حريّة مني، وأنّ السلاسل والأقفال التي يغلّون بها أيدي السجناء، ليست بأشد مما توجّه إلى ذاكرتي). كما فضحتْ واقع السجون والحالة القاسية التي يعيشها السجناء، أيام السّفاح جمال باشا، قائلةً:(وكنت إذا وقفت أحدّث أحداً من الأدباء السجناء، سددتُ أنفي بالمنديل لنتانة الروائح التي يستنشقونها ولا يميّزون، وقد رأيت الخفر يُخرِجون جثّة من السجن مضى عليه أربع وعشرون ساعة، وكان الأدباء يفترشون الكراسي في الليالي الباردة مخافة سرايا البعوض المزدحمة على تلك الفرش البالية).

كما كان لها مواقفُ مناهضة للحروب وبطولات الغزاة الفاتحين، تقول في مقالة لها ضدّ الحروب: (هكذا تُفصَل الأجساد عن الرؤوس من أجل أراضٍ صمّاء تبتلع الإنسانية ولا تفنى، إنّ كلّ ما أحرزه "نابليون" من الظفر، لا يوازي حياة إنسان واحد في عين الله، لا أرى في العالم إلا شرائع الدمار ووسائط الخراب، إنّ حفلة تعدّ لترقية المدارس هي خير لدى العقلاء من أسطول إنكليزي ثانٍ، وعمل "باستور" في العالم هو أشرف وأفضل من عمل جميع أبطال العالم وفاتحيه).

كرّمتها الإذاعة البريطانية بجائزة الفوز لعام " 1946، 1947م" عن قصيد تها "الفلاح" تقول فيها:

هو الزّارع الفلّاح لولا جهادَه        لما شِمْتَ بالرّيحان حُسْنَ المخايل

نبيٌّ فقد أوحى إلى القفر بالشّذى       وعلّق أقراط الغصونِ الحواملِ

رحلتْ أديبتنا المناضلة عام 1965 م عن دنيانا، بعد اعتزال طويل في بيتها الدمشقي، في حيّ "باب توما" عن خمس وخمسين قصيدة ، ورواية عنوانها "المجدليّة الحسناء" التي تُرجمت إلى الإنكليزيّة وصدرتْ عام 1913م. كما عرّبت عن الإنكليزية رواية أمجد الغايات " 1927م "للكاتب "باسيل ماسيوز".