Group 422
كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

كتاب الأكثرية والأقلية: سوريا... وردة أم قنبلة؟

أُبي حسن- صحيفة السفير- موقع الرأي الالكتروني- 15 أيار- 2006

   يثير الباحث السوري المعروف محمد كامل الخطيب جملة من الأسئلة في كتابه الجديد <وردة أم قنبلة؟ إعادة تكوين سورية>.. أسئلة تعتمل في طياتها هواجس مفتوحة على مستقبل مجهول. يأتي في مقدمة هذه الأسئلة طرحه لمصطلحي <الأقلية> و<الأكثرية>، معيباً على التقدميين النظر إليها بالمعنى الديني أو الطائفي، في الوقت الذي يراها هو من المصطلحات المدنية السياسية، مبرراً وجهة نظره هذه بأن الطوائف والأديان مجرد مجموعات فكرية شبه ثابتة لا تخضع في اعتقاداتها وآرائها لمفهومي الأقلية والأكثرية السياسيين والمتحركين. لينتقل بعد هذا لمناقشة موضوع الهوية، مفرقاً بين نوعين من الهوية، الأولى: هوية مفروضة على الشخص بحكم عوامل زمانية ومكانية، وهي هوية تشمل لون العينين والبشرة وتنتهي بالمذهب الديني الذي يولد عليه الشخص وهذه الهوية هي التي تقف عائقا أمام شخص مثل سليم الحص أو كمال جنبلاط أو غسان تويني من أن يصل إلى رئاسة الجمهورية في بلد كلبنان (كما يرى الباحث في بحث آخر له على صلة ببحثه هذا بعنوان <العرب: وجهة نظر عربية>)، أما الهوية الثانية، فهي الهوية المكتسبة التي يختارها صاحبها بملء إرادته بغية تحرير نفسه من هويته الأولى مسبقة الصنع إن جاز التعبير.

   أسئلة الخطيب وهواجسه نابعة دون شك من زخم القلق الذي يعتري الشارع الثقافي السوري بكليته. وعلى الرغم من نبل مقصد فكرة الخطيب المتمثلة في تحديده للمصطلحات إلا انه وقع في فخ التناقض، ربما من حيث لا يدري، فهو، كما أسلفنا، سبق أن رأى أن الأكثرية والأقلية بالمعنى الديني مجرد مجموعات فكرية شبه ثابتة لكنه سرعان ما يستشهد أثناء تطرقه لموضوع الهوية في تحول مصر من التشيع إلى التسنن، وإيران من التسنن إلى التشيع، كما يستشهد بالتحولات التي عصفت بإسبانيا من مسيحية إلى إسلامية ثم إلى مسيحية... ولأن حال الأفراد والجماعات لا تختلف عن حال المجتمعات يستشهد أيضاً بالتحولات العرقية والدينية التي شملت بعض آل البستاني والشهابي وجنبلاط (العائلة الأخيرة من الكردية السنية إلى العروبة الدرزية)، ولعمري هذا إن دل على شيء وانطلاقاً من إدراكنا المتواضع لتناقض الخطيب فإنه يدل على أن مفهومي الأقلية والأكثرية ليسا شبه ثابتين حتى في حال أخذناهما بالمعنى الديني.
    من جهة أخرى نلحظ أن ثمة قسرية في أن يعيب الخطيب على التقدميين أو بعضهم النظر إلى ذينك المفهومين من وجهة نظر دينية، وآية ذلك إذا ما نظرنا إليهما من وجهة نظر تاريخية، نجد أنها كثيرة هي كتب التاريخ التي جاء في بطونها القصد بالمعنى الديني أو الطائفي للأقلية والأكثرية، وعلى سبيل المثال لا الحصر سبق أن ذكر الدبلوماسي الروسي قسطنطين بازيلي في كتابه الصادر في القرن التاسع عشر <سوريا وفلسطين تحت الحكم العثماني> الأقليات بالمعنى الديني كـ(النصيرية وسواها)، وقل الأمر نفسه في أوراق فارس الخوري أثناء تطرقه لذات الموضوع، وكذلك الأمر في كتاب <العلويون ودولتهم المستقلة>، هذا في الحالات الطبيعية. وإذا ما أتينا مع الباحث بأن اللاحم الاجتماعي في زمن الإمبراطورية العثمانية كان هو اللاحم الديني، كما قال في غير مكان من بحثه، نستطيع أن نتساءل: ترى ألا تشهد مجتمعاتنا العربية والإسلامية الآن راهناً يعود بها إلى ما قبل المجتمعية حيث القبلية والطائفية والعشائرية؟ وغني عن القول أنها عودة باتت لواحمها وروابطها الاجتماعية أقوى من اللاحم الوطني لا سيما في ظل غياب الوطنية في بلدان كان <قدرها> أن تحكم بأنظمة شمولية.
    مجددا، لست بحاجة للتأكيد على نبل الفكرة التي نشدها الباحث والتي أشاطره إياها، لكن السؤال الذي يطرح نفسه ببساطة: هل نستطيع حقاً أن نبني مصطلحات قائمة على افتراض غير كائن حالياً على الأقل؟
    وفي حال أخذنا المصطلح من زاوية معرفية بحتة، فأين الغضاضة بالقول أثناء تشخيصنا للظاهرة: أقلية مسيحية أو درزية أو سنية أو علوية أو أكثرية سنية أو شيعية؟ أوليسوا كأي أقلية أو أكثرية أخرى؟ كقولنا: أقلية مثقفة وأكثرية جاهلة أو أقلية فاحشة الثراء وأكثرية تعيش تحت خط الفقر إلخ....؟
    وإذا ما عدنا إلى موضوع الهوية، وبغض النظر عن أن الهوية المفروضة أو المعطاة هي هوية ناقصة شئنا أم أبينا، اللهم إلا إذا كانت هوية ميتة يصعب عليها أن تتعلم من الجديد، سنجد أن الباحث غفل عن ذكر الاستبداد السلطوي الكائن حالياً في المجتمعات العربية، وهو استبداد سلب السياسة من المجتمع مكرساً عوضاً عنها كل ما هو مكروه من الأمراض المجتمعية التي لم تسعفنا في النظر بهويتنا الجمعية كعرب أو سوريين (بافتراض أن البحث عن سورية) بغية تطويرها مسقطين منها العناصر غير القابلة للحياة، مضيفين إليها في الآن ذاته عناصر جديدة تحفل بالحيوية والقدرة على مواكبة روح العصر الذي ننتمي إليه جسداً فحسب... وربما لأننا لم نقدم على فعل ذلك استقرينا في هزيمتنا.
    وربطا مع موضوع الهوية نستطيع أن نقفز إلى ما ذكره الخطيب عن قضية الكيان السوري والنص الموفق الذي استشهد به لساطع الحصري الذي يسهب في الشرح عن ذلك الكيان الذي تشكل في عشرينات القرن الماضي (سورية).. ترى ألا نستطيع القول إن ما أعاق ذلك الكيان عن النمو كي يبلغ طور دولة المواطنة والقانون هو بؤس الايديولوجية أكثر ما أعاقه في ذلك عوامل الخارج ومصالحه (مع ملاحظة أنها إعاقة ما فتئت تصدّر إلى خارج ما)، وكي أكون أكثر وضوحا، أستطيع القول: لقد تشكلت على يد نخبة من التيارات القومية هوية عربية تقوم على قومية تجاهلت الوطنية (بجزئياتها التي تشكل تفاصيل الحياة السورية الاجتماعية والسياسية من حيث هو مجتمع مكون من أعراق وأديان متباينة) وبالغت في قوميتها حداً وصل الأمر معه إلى مواجهة مترفة في شوفينيتها مع الآخر ومع التحديات الخارجية في آن واحد دون الأخذ بعين الاعتبار المتغيرات التي كانت تجري في العالم، الأمر الذي انعكس سلباً على أبناء هذا الكيان، وهذا ما نلمسه في سيطرة روح الاغتراب على غالبية الشباب السوري، وهو اغتراب أخذ أشكالاً عديدة (للحديث في هذا الجانب مقام آخر). لكن نستطيع القول، في سياق الحديث عن الكيان السوري والأحلام الطوباوية للقوميين الأوائل الذين قفزوا فوق الجغرافية الثقافية والعرقية والدينية أثناء رسمهم لأحلامهم، التي كلفت أبناء جيلنا (على الأقل) الكثير، إن غالبية الدول الأوربية القائمة الآن بحدودها السياسية الراهنة تشكلت بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية، واستطاعت تلك الدول أن تنجز الكثير لشعوبها بعد أن بلورت هويتها متماشية مع معطيات واقعها عاملة على تحسين شروطه، على النقيض من ذلك لم نستطع نحن، مثلا، أن نكوّن علاقات صحية، كسوريين، مع أكثرية الدول العربية المجاورة لنا في ظل حكم حزب قومي يعتقد بعصمة أفكاره وأهدافه وخلود رسالته(؟) أقول هذا بغض النظر عن مسلكية <نخبه> الحاكمة التي أوصلتنا إلى طرق مسدودة في زمن قياسي تحسد عليه(؟). أليست علاقتنا السيئة مع لبنان الآن في أحد جوانبها نتيجة شوفينية قومية وافتقادنا إلى تكوين هوية وطنية حقيقية قبل التنطح للحديث بهوية قومية (جامعة مانعة)؟
    بكلمة أخرى لم تقم لدينا حتى اللحظة هوية قائمة على معايير العصر، فأين الهوية السورية التي تقوم على روح المواطنة ومفهوم المساواة ودولة الدستور والمؤسسات؟ وهل ثمة هوية لدينا تقوم على سيادة القانون؟ وهل استطاعت هويتنا التي استعصت على التغيير تماشياً مع منطق جدل الطبيعة على الأقل أن تحول العلم إلى تكنولوجيا؟ وهل انتصرت في حربها مع الغيبي لصالح العقلاني؟ وهل انتصر العقل على النقل؟ بل أين مساهمتها الآن في بناء الحضارة الإنسانية؟ ومئات الأسئلة يمكن أن تطرح في السياق ذاته.. وأخيراً لا آخراً: هل تكونت لدينا هوية وطنية كي نتحدث عن هوية قومية؟
    عود على بدء: هناك من رأى أن المفاهيم التي أثارها محمد كامل الخطيب في كتابه الجديد، هي أجمل رد على الفقرة التي تحدثت عن دين <الأكثرية والأقلية> في إعلان دمشق، وإن كنت على ثقة أن الباحث لم يقصد هذا إنما أتى الأمر محض مصادفة، لكن يبقى القول إنه كعادته أثار زوبعة من الأسئلة التي لا تتعلق براهن سورية فحسب، وإنما بمستقبلها كذلك في زمن غدا فيه الخوف من المستقبل أمراً مشروعاً وبدهيا.
    (?)

جريدة فينكس الالكترونية: منبر إعلامي سوري جديد مستقل موضوعي وعادل
حفل إطلاق جريدة فينكس الإلكترونية بحلتها الجديدة بحضور رسمي واعلامي
حفل اطلاق جريدة فينكس الالكترونية بحلتها الجديدة
شعارها ”سورية وطن يسكننا” الاحتفال بإطلاق جريدة (فينكس) الألكترونية بحلتها الجديدة
انطلاق (فينكس) بحلته الجديدة..
د. خالد حدادة أمين عام الحزب الشيوعي اللبناني (في حوار قديم معه)
حركة الإصلاح الديني مجدداً ودور المثقف الوطني
صادق جلال العظم: حزب الله انتصر في حربه مع إسرائيل, لكنه نصر غير مظفر
زياد جيوسي: همسات الروح لفينكس في العيد العاشر
كتب إحسان عبيد: فينكس.. فنار بحري.. (بمناسبة دخوله عامه العاشر)
بمناسبة دخوله عامه العاشر.. فينكس في أعين مثقفين سوريين و عرب- 4
بمناسبة دخول فينكس عامه العاشر.. كلمات وجدانية لمثقفين عرب 3
بمناسبة دخول فينكس عامه العاشر.. كلمات وجدانية لمثقفين عرب 2
بمناسبة دخول فينكس عامه العاشر.. كلمات وجدانية لمثقفين عرب1
عن جوزيف سماحة