Group 422
كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

جرائم ترتكب بحق التعليم في سورية.. (مقال قديم)

أبيّ حسن- المقال منشور في عام 2007 في نشرة "كلنا شركاء في الوطن" الالكترونية, و عدد من مواقع الانترنت السورية في ذيّاك العام, و موجود في كتابي "سوريا.. المبتدأ و الخبر"

 انتقلت الطفلة(ه. ع) الطالبة في الصف الثالث الابتدائي من مدرسة معاوية بن أبي سفيان الكائنة في حي ساروجة, إلى مدرسة خاصة في أشرفية صحنايا, فتحت ضغط أسئلة زميلاتها في مايخصّ عدم كون والدتها, التي كانوا يرونها إبان أخذها لابنتها في نهاية الدوام, محجبة, وبسبب من أسئلة الطفلة ذاتها لوالديها لماذا لا يصليان وأسئلة أخرى من هذا القبيل, خاف الأبوان على مستقبل ابنتهما من مصير هاتيك الأسئلة التي تعج فيها البيئة المدرسية (في سورية البعثية, من غير أن ننسى مفردة العلمانية) الحاضنة لطفلتهما فلم يكن من خيار أمامهما سوى نقلها إلى مدرسة خاصة.

ليست حال الطفلة سابقة الذكر ومدرستها استثناء في بلادنا. فثمة طفلة أخرى تقطن في عش الورور, وهي في الصف الخامس الابتدائي, بدأت, فجأة, تصلي الأوقات الخمسة, ورويداً رويداً صارت تنزوي عن أهلها ومحيطها مفضلة الاعتكاف في غرفتها, ماسبب القلق لوالديها, خاصة أن ابنتهما باتت ترفض الحديث معهما بأي شكل, من غير أن يعرفا سبباً لذلك(؟).. وإن كان لابد من المزيد من الشواهد نستشهد بحال طفلة من مدينة جبلة الكائنة في الساحل السوري, إذ كانت والدتها تستيقظ على ابنتها تتحدث إلى نفسها بلهجة لا تخلو من لوثة الهلوسة, وحال حدوث مكاشفة بينها وبين ابنتها, سألتها الابنة بلهجة ملؤها الخوف والرعب: "هل صحيح يا ماما إن الله يحرق الناس في النار؟", بالتأكيد ليس من الصعب على أحدنا أن يدرك ماذا تعني النار لمخيلة طفلة لم تتجاوز السنوات التسع بعد.

نستطيع أن نتكهن بسبب أو أسباب تحول طفلة عش الورور –وسواها ممن نعرف وممن نجهل- إلى ما آلت إليه بعد أن كانت طفلة معافاة على الصعيد النفسي على الأقل, حال ألقينا نظرة سريعة على مدرسة خاصة في دمشق, وكيفية تعاطي معلماتها مع المنهاج التعليمي الذي قررته وزارة التربية, ونوعية "النصائح" التوجيهية التي يزودن الطلبة بها. فقد سبق أن منعت, منذ قرابة السنتين, إحدى المعلمات في مدرسة "دوحة الرحاب" الخاصة في مزة فيلات غربية درس الفائدة من مادة الرياضيات بذريعة أن الفائدة حرام في الإسلام(؟), في وقت حذفت زميلة أخرى لها درس التكاثر الجنسي عند الإنسان من مادة العلوم الطبيعية (ربما "اجتهدت" المعلمة, فاعتقدت أن الوزارة المعنية أخطأت في المقرر, لذا ارتأت حذف الدرس خوفاً على أخلاق الطلبة, وهي معذورة كونها لم تفرق بين درس تربوي مبني على أسس منهجية وعلمية وبين فيلم بورنو). مُدرسة أخرى في ذات المدرسة تقول لطلبتها: إن القمر من الناحية العلمية انشق, لكن النظر إليه بالتلسكوب حرام, لان هذا تشكيك بقدرة الخالق عزّ وجلّ, وأخرى تزود الطلبة بنصيحة "قيمة" مفادها: إن التثاؤب بفم مفتوح حرام لأن الشيطان يدخل إلى الجوف عن طريق الفم (؟).

وأيضاً في مدارسنا ثمة معلمات ينصحن الطلبة الأطفال بمتابعة قناتي "المجد" و "اقرأ" الإسلاميتين, ربما كي يضمن الطلبة مقعداً لهم في الجنة. وتصفح الانترنت, من وجهة نظرهن, ليس "حراماً", لكن على التلامذة الأطفال اختيار المواقع "بعناية" حسب تعبير إحدى المعلمات التي تنصحهم بمشاهدة موقع سجن "أبو غريب", وليس بالمستبعد أن يكون هناك معلمات ينصحن طلبتهم بتصفح موقع معتقل "غوانتانامو", والعلم عند الله.

من المفيد القول هنا: إن كل الحوادث التي سبق ذكرها قوبل بصمت مطبق من قبل المعنيين بالشأن التربوي الرسمي هذا من جهة, على الرغم من تبجحهم الدائم بالعمل على تطوير مناهجنا المدرسية وبالآتي طرائق تفكير طلبتنا من الأطفال (الذين نخشى القول أنهم يسيّرون عن سابق إصرار وتصميم على خطى الطلبنة). في الوقت ذاته قوبلت الحالات سابقة الذكر بصمت مطبق من المجتمع كذلك بما فيه من مثقفين يدّعون التفرغ للعمل في الشأن العام.

بالعودة إلى انزواء طفلة حي "عش الورور", وكمتلقي, أستطيع أن أتكهن بأن معلمة هذه الطفلة, تصور لهم أن كل من لا يصلي سيحرقه الله بالنار إلى أن ينضج جلده, وكلما نضج جلده استبدله الخالق بجلد آخر. ولأنها طفلة, يمكننا أن نتصور كيف تتخيل أن الله يعاقب والديها كونهما لايصليان, ومن يدري.. ربما يشتط بها خيال الطفلة الخصب بطبيعته, فتتوهم إن والديها سيصبحان شاورما وكبباً وشقفاً وربما كبة لبنية أو محشية الخ... وبحكم كونها ما تزال طفلة فإنها أعجز من أن تفصح بما يعتمل في طيات نفسها من أفكار وهواجس ومخاوف تتعلق بمصير محيطها العائلي الذي لايصلي, سنتفهم عندئذ سبب انزوائها عن أهلها وانكفائها عنهم.. طبعاً سأكون في منتهى السعادة حال كان تحليلي خاطئاً ومجانباً للصواب.

من الطبيعي أن ينتابنا الخوف والقلق إزاء المفردات التعليمية التي يتلقاها الطلبة في بلادنا. ومن نافل القول إن هذا التوجه, الذي أشك كونه رسمياً, ينساق مع العودة إلى الأصولية و الماضوية التي بإمكاننا إدراك أسبابها هي الأخرى, بكل مافيها من تخلف. ولعل المعنيين بأمر التعليم يدركون أكثر من غيرهم أنهم لن ينتصروا في "معركة المصير" من خلال إعدادهم لجيل كامل من الطلبة معوق عقلياً وفكرياً, فضلاً عن أنه بحكم نوعية تربيته المدرسية سيكون مفتقداً لحسي المبادرة والإبداع في الحد الأدنى, هذا إن لم نقل إنهم يعدون لجيل, من حيث يدرون أو لا يدرون, يتسلح بعدة تكفيرية عوضاً عن تسليحه بأدوات التفكير المبدع الحر والخلاّق الذي من شأنه وحده بناء إنسان حر ومعافى من عقد الماضي ولديه المقدرة على الدخول والعيش في رحاب القرن الحادي والعشرين عوضاً عن الاكتفاء ببداوة القرن السابع الميلادي وزاده "المعرفي", وإلا كيف نفسر مايجري في مدارس الطلبة, لاسيما المرحلة الابتدائية, وهي أخطر مرحلة تعليمية لما لها من علاقة وطيدة في البناء العقلي للطفل؟.

وستزداد مخاوفنا على مصير التعليم, ومخاوفنا من الجيل الذي ستفرزه هكذا آلية متبعة فيه, إذا ماتذكرنا الرسالة التي سبق أن رفعها عدد من السادة المشايخ إلى مقام رئاسة الجمهورية منذ قرابة العام, ومن المعروف أن تلك الرسالة وصمت التعليم المختلط بالآفة والشذوذ والموبق الخ... نسألك اللهم العفو.

وإن كنا نأبى الدخول في مجادلة مع هؤلاء المشايخ الذين لاتتجاوز حدود معرفتهم و ثقافتهم سقف الاستنجاء والتبرك ببول السيد الرسول (رغم أن الرسول متوف منذ أكثر من أربعة عشر قرناً) ورضاعة الكبير وسواها من "علوم معرفية" لاغنى لتطور البشرية عنها من وجهة نظرهم, خاصة أنهم ورثة الغزالي معرفياً والأخير هو القائل :"السلامة في الإتباع والخطر في البحث عن الأشياء", ومعروف عنه أنه صاحب القول الشهير: "لاتكن بحاثاً عن علوم ذمّها الشرع" والمقصود بقوله هذا –باختصار شديد- إغلاق نوافذ العقل لا أكثر ولا أقل, وقد كان عنده طائفة من العلوم سماها "بالعلوم المذمومة" منها الطبيعيات والفلسفة, فبرأيه أن بعضها "مخالف للشرع والدين والحق, فهو جهل وليس بعلم.. وأما علومهم في الطبيعيات فلاحاجة إليها" وبديهي إن الطبيعيات تنطوي على الفيزياء والكيمياء وحتى الرياضيات إلخ.... وهذه كلها من المحرمات.

يبقى أن نأمل, أن تأخذ وزارة التربية في سورية وكل الحريصين على مستقبل أبناء هذا الوطن وحسن التعليم فيه, أمر نوعية التعليم في مدارسنا, وأن ينظروا بقليل من الاهتمام إلى شأن القائمين عليه من معلمات خاصة من تحمل منهن صفة "رفيقة قبيسية" على محمل الجد, وإلا لن نستغرب أن نشهد في سوريا جيلاً طالبانياً بامتياز, ولاشك هو جيل سندفع جميعنا ثمن إنتاجنا له, ونخشى القول إن الثمن سيكون باهظاً.

جريدة فينكس الالكترونية: منبر إعلامي سوري جديد مستقل موضوعي وعادل
حفل إطلاق جريدة فينكس الإلكترونية بحلتها الجديدة بحضور رسمي واعلامي
حفل اطلاق جريدة فينكس الالكترونية بحلتها الجديدة
شعارها ”سورية وطن يسكننا” الاحتفال بإطلاق جريدة (فينكس) الألكترونية بحلتها الجديدة
انطلاق (فينكس) بحلته الجديدة..
د. خالد حدادة أمين عام الحزب الشيوعي اللبناني (في حوار قديم معه)
حركة الإصلاح الديني مجدداً ودور المثقف الوطني
صادق جلال العظم: حزب الله انتصر في حربه مع إسرائيل, لكنه نصر غير مظفر
زياد جيوسي: همسات الروح لفينكس في العيد العاشر
كتب إحسان عبيد: فينكس.. فنار بحري.. (بمناسبة دخوله عامه العاشر)
بمناسبة دخوله عامه العاشر.. فينكس في أعين مثقفين سوريين و عرب- 4
بمناسبة دخول فينكس عامه العاشر.. كلمات وجدانية لمثقفين عرب 3
بمناسبة دخول فينكس عامه العاشر.. كلمات وجدانية لمثقفين عرب 2
بمناسبة دخول فينكس عامه العاشر.. كلمات وجدانية لمثقفين عرب1
عن جوزيف سماحة