Group 422
كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

هواجس الشعر

أُبيّ حسن- البيان (الاماراتية)- 3 حزيران 2007
 
ينطوي كتاب الشاعر السوري الراحل ممدوح عدوان (1941 ـ 2004) «هواجس الشعر» الصادر مؤخراً عن دار تحمل اسمه في دمشق، على زبدة آرائه النقدية ووجهة نظره في الشعر خلال رحلته مع الشعر التي استمرت أربعة عقود كانت قد بدأت بـ «الظل الأخضر» منتصف ستينات القرن الماضي وأسدل الستار عليها بـ «حياة متناثرة» الذي صدر قبيل رحيله بأشهر قليلة عام 2004.

يعالج الشاعر الراحل في كتابه المذكور علاقة التكنولوجيا بالشعر وأثرها على الشاعر والمتلقي في آن، نجد هذا في فصل «الشعر والكمبيوتر» الذي يستشهد فيه كاتبه بتجربة الشاعرين المكسيكي «اوكتافيو باز» والتشيكي «ميرو سلاف هيلوب».

قد تكون هواجسه إزاء الشعر ومستقبله هي ما دفعته لإيلاء المزيد من الاهتمام في أثر التكنولوجيا على الشعر: (فكلما تحقق انجاز علمي جديد، أو حدث حادث دراماتيكي مرتكز على التكنولوجيا، تصاعدت عندنا، وربما عند غيرنا، أصوات تعلن موت الشعر وتدعو إلى دفنه أو تأبينه... ) . إلى أن تتصاعد لهجته إزاء من يعلنون موت الشعر ليأتي جوابه كتلة من غضب: (لماذا أنتم مستعجلون على دفن الشعر؟ أيأكل من طبق أبيكم؟).

يرى ممدوح أن الشعر الجيد قليل، مثلما كان عبر التاريخ كله. ولكن الشعر الجيد لا يموت، ولن يموت. سيظل الشعر موجوداً مادام هناك بشر موجودون. فالشعر - حسب وجهة نظره ـ ليس موضة اخترعها التجار ويستطيعون تقرير انتهاء مدة صلاحيتها، الشعر انبثاق من نفس الإنسان، وسيظل يتدفق مادام الإنسان يعيش على دمه، وعلى أوكسجين هوائه.

مادام هناك نظرة تخلع القلب من عين امرأة، وقمر يفاجئنا انه موجود وراء ستار أضواء المدن، ومادام هناك عشق واشتهاء وخوف وآمال وخيبات وطموحات... سيظل هناك شعر مادام هناك لغة ومادام هناك من لا تكفيه اللغات واستخداماتها المألوفة للتعبير عن مكنوناته.

يرفض صاحب «تلويحة الأيدي المتعبة» مقولة «موت الشعر» واضعاً اللوم على المتلقي ليعلن «موت القارئ»، معتبراً أن الأزمة التي يمر بها الشعر العربي جاءت من خارجه (لا داخله)، مستفحلة بتأثير النمط الحديث للحياة، وموجة الشعراء الجدد الذين تماهوا مع الشعر المترجم.

معتقداً انه كان لابد من ظهور كم هائل من الزيف باسم الحداثة والتحديث، ممن ليس لديهم ما يقولونه أصلاً، وممن لم يكونوا يصدرون عن تجربة. إنما كانوا يصدرون عن رغبة في ركوب موجة، إلى أن يشبه هؤلاء بأية انتهازية سياسية أو نفعية.

ويتابع عدوان راصداً لنا الشعر الذي يموت فعلاً، وهذا يكون لصالح الشعر الأكثر عافية، فمع نزول أول مركبة فضائية على القمر، أواخر ستينات القرن الماضي، وبعد تبين أن القمر تربة صخرية وليس نوراً أو هلاماً كما كان يراه العشاق والشعراء، عاد السؤال مجدداً عن مصير الشعر بعد هذا الحدث العلمي الكبير.

وبعد فترة من همود الضجيج الإعلامي، عاد المحبون إلى تشبيه وجوه حبيباتهم بالقمر وصار من الممكن القول إن الشعر الذي كان ينظر إليه على انه تهويم في الفراغ والأوهام هو الذي مات، كما تجددت الثقة بالشعر إذ هو رؤيا للعالم وليس وصفاً له.

لكن على الرغم مما سبق يعتقد عدوان أن هناك نوعاً من الشعر يموت فعلاً، فلقد انتصرت التكنولوجيا انتصاراً ساحقاً حقاً، لكن على ماذا؟... انتصرت على رؤيتنا المنطلقة من أوهامنا وجهلنا، حتى الذين صاروا يتحدثون عن انتهاء مبررات الكلام عن الوحدة العربية وتحرير فلسطين إنما كانوا يتحدثون عن انتفاء النفعية الشعرية التي تتاجر بالسائد من الأفكار والمواقف، هذه النفعية في الشعر هي التي ماتت في هذه الحروب.

يمكننا تلخيص أزمة الشعر، من وجهة نظر هواجس عدوان، ببضعة أمور: غياب الحركة النقدية الجادة، وسهولة النشر التي فتحت الباب واسعاً لكل من هبّ ودبّ، وانحسار الثقافة الجادة من كافة ميادين الحياة لصالح الثقافة الاستهلاكية، إضافة إلى الأزمة الاقتصادية، وأخيراً تعزز الإقليمية السياسية التي كان لها انعكاسات كرست العزلة الثقافية داخل كل بلد.

فالنقد، بحسب وجهة نظره، (مشغول، إما بالتنظير للنقد وبخوض المعارك والمجادلات حول المفاهيم النقدية النظرية، وجلها مستورد دون تدقيق، وإما بدراسة التراث، أو بدراسة الأسماء المكرسة مثل السياب والبياتي وأدونيس ومحمود درويش).

بما يشبه البوح يصف الشاعر جيلهم (جيل الستينات) بأنه ليس فقط جيل دون آباء، إنما هو كذلك جيل بلا طفولة فنية، فما كان يجري حول ذلك الجيل من أحداث، كانت أكبر بكثير من أن تترك لهم مجالاً للعب، إذ فقدوا الكثير من الابتسامات واكتسبوا الكثير من التجاعيد والغضون التي لا تليق بطفولة لم تسعفها الأيام بالتسلح ببعض المهارات البهلوانية الجميلة، وان كان شعرهم متوجها دائماً لغاية.

في ما يخصّ الحركات الثورية والانقلابية، يعتقد ممدوح عدوان أن مجيء حركة الثامن من آذار ساعد (على تقديم شعراء الستينات في سوريا على أسس لا علاقة لها بالإبداع، أي أنهم تقدموا بوصفهم شباناً مسيسين تحتاج إليهم تلك المرحلة)، ربما هذا ما يفسّر لنا كيفية احتلالهم لمواقع مؤثرة في الإعلام والثقافة والنشاطات الجامعية وما شابه.

من جانب آخر، يحفل الكتاب بالنقد المُر لبعض شعراء الحداثة في الوطن العربي، نجد ذلك وهو يبحث في الوجه الآخر للتطور الشعري، تحت فصل يحمل ذات العنوان، إذ يستشهد بالشاعر اللبناني عباس بيضون، من خلال حديث أدلاه الأخير للكفاح العربي في (5/4/1997)، يقول فيه بيضون: «بالنسبة لي نادراً ما ألقي شعري. وغالباً ما ألقيه دون رغبة.

إذ لا أجد نفسي مستعداً للوقوف على منبر وقراءة الشعر. وبالتالي أحتار بأية لهجة أو بأية نبرة أقرأ.. بالنسبة لي الإلقاء سوء تفاهم مع القرّاء»، يعلق ممدوح هنا بلغة لا تخلو من نبرة تهكمية: «والطريف في الأمر هو أن هؤلاء الحداثويين المعادين للإلقاء، حين تتاح لهم فرصة إلقاء أشعارهم فإنهم لا يعرفون معنى للاكتفاء. ولا يتقيد أحدهم بالوقت المحدد لكل شاعر، حين تضم الأمسية أكثر من شاعر. بل يأخذ وقته ووقت غيره، هذا على الأقل ما فعله عباس بيضون في كل من المغرب والملاجة في سوريا».

يخصص الكاتب القسم الثاني والثالث من كتابه لشهادات قالها في زملاء له، سابقون ومعاصرون ولاحقون، كشهادته في نديم محمد وعلي الجندي ونزار قباني الذي خصه بثلاث شهادات، ومحمد عمران وأمل دنقل ومحمد الماغوط وسنية صالح، ولقمان ديركي ورضوان السح من جيل الشباب.

يقول عدوان في معرض حديثه عن علي الجندي: «إنه شاعر مكرس، ولو في دائرة غير واسعة، ولم يعد من الممكن الانسحاب من ذلك. وانه المعشاق الباحث عن المرأة والمتعة..»، ويذكر ممدوح «برودة دم» ولا مبالاة صديقه الجندي خلال سفراتهم إلى الخارج بغية إلقاء الشعر، فما إن يصلوا إلى البلد المضيف حتى يسأل الجندي عدوان: «هل معك شيئا من شعري؟ أما كنت تستطيع أن تجلب معك إحدى مجموعاتي؟ مجموعاتي كلها عندك!».

يعتقد صاحب «أمي تطارد قاتلها» أثناء شهادته في نزار قباني أنه: «لا يمكن الحديث عن نزار قباني بصفته شاعراً وحسب، انه احد المكونات الأساس لثقافة أجيال متلاحقة منذ أوائل الخمسينات»، ومع ذلك يرى عدوان أن صاحب «خبز وحشيش وقمر» شاعر مغموض الحقوق على الرغم من شهرته الكبيرة، وقد أسيء إليه من قِبل جمهوره الغفير هذا، إذ تحول الشاعر إلى مجرد شائعة «جنسية» أو «سياسية» يرددها المكبوتون جنسياً أو سياسياً.

وبرغم هذا حتى الآن لم تأت دراسات جادة تدرس نزاراً وتعرّف بانجازه الشعري. فمن وجهة نظره إن نزاراً رفع الكلفة بينه وبين اللغة الشعرية، فقد تعلموا من نزار أن كل كلمة في الدنيا تصلح للشعر، فربما كان نزار هو الشاعر العربي الوحيد الذي يمسك بأي كلمة، فيغسلها من مدلولها الشائع المبتذل، معيداً لها رونقها وجدتها!

أُبيّ حسن

*الكتاب: هواجس الشعر

*الناشر: دار ممدوح عدوان - دمشق 2007

*الصفحات: 240 صفحة من القطع المتوسط

جريدة فينكس الالكترونية: منبر إعلامي سوري جديد مستقل موضوعي وعادل
حفل إطلاق جريدة فينكس الإلكترونية بحلتها الجديدة بحضور رسمي واعلامي
حفل اطلاق جريدة فينكس الالكترونية بحلتها الجديدة
شعارها ”سورية وطن يسكننا” الاحتفال بإطلاق جريدة (فينكس) الألكترونية بحلتها الجديدة
انطلاق (فينكس) بحلته الجديدة..
د. خالد حدادة أمين عام الحزب الشيوعي اللبناني (في حوار قديم معه)
حركة الإصلاح الديني مجدداً ودور المثقف الوطني
صادق جلال العظم: حزب الله انتصر في حربه مع إسرائيل, لكنه نصر غير مظفر
زياد جيوسي: همسات الروح لفينكس في العيد العاشر
كتب إحسان عبيد: فينكس.. فنار بحري.. (بمناسبة دخوله عامه العاشر)
بمناسبة دخوله عامه العاشر.. فينكس في أعين مثقفين سوريين و عرب- 4
بمناسبة دخول فينكس عامه العاشر.. كلمات وجدانية لمثقفين عرب 3
بمناسبة دخول فينكس عامه العاشر.. كلمات وجدانية لمثقفين عرب 2
بمناسبة دخول فينكس عامه العاشر.. كلمات وجدانية لمثقفين عرب1
عن جوزيف سماحة