Group 422
كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

حركة الإصلاح الديني مجدداً ودور المثقف الوطني

أُبيّ حسن- النور- العدد 133

عنوان الكتاب (آخر أخبار المسألة الشرقية. ما زال الرجل مريضاً) يشي بمضمونه، المسألة الشرقية المعروفة في القرن التاسع عشر، يستحضرها الباحث محمد كامل الخطيب بغية تسليط الضوء على الراهن الذي لا يراه سوى امتداد واستمرار للماضي الذي هو المسألة.

غير أن المريض هذه المرة ليس السلطنة العثمانية، بل العرب الذين ورثوها وأمراضها معاً. عن كل هذا وغيره يحاول الباحث كشف النقاب ليصل إلى الحاضر/ الراهن، معتمداً على السرد التاريخي ليفتح من خلاله نوافذ وكوى على الحاضن لتاريخ المسألة، وأعني العوامل الاقتصادية الداخلية والخارجية والاجتماعية، وبنسبة أقل الثقافية التي كانت سابقة وملازمة للمسألة التي باتت مسألة عربية بامتياز أكثر منها شرقية.

سأبتعد عن إجراء عرض للكتاب، مكتفياً بمحاولة مناقشة بعض الجوانب التي قدمها المفكر بوصفها مسائل وقضايا قابلة للنقاش، قد نختلف أو نتفق حولها.

يبدأ الباحث فصله الثالث المعنون بـ (هل كان هناك إصلاح ديني إسلامي؟) بالتعريف بتاريخ مصطلح (حركة الإصلاح الديني) المأخوذ من التجربة المسيحية ـ الأوربية، ومن حركة الإصلاح البروتستاني تحديداً، ذلك الإصلاح المقترن بصعود الرأسمالية الأوربية، إلى أن يشير إلى أول محاولة إصلاح ديني في المجتمع الإسلامي، ليلاحظها في كتاب حاجي خليفة (دستور العمل لإصلاح الخلل ـ 1653)، ومن ثم يتابع تشريحه لمحاولات الإصلاح الدينية التي جرت في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، ليخلص إلى رأيين قد لا يقوم الإصلاح الديني المنشود إلا بموجبهما.

أولهما: تغيير اجتماعي وفكري عام في وضعية المجتمع ونمط إنتاجه ورؤيته الزراعية ـ الدينية القديمة، قياساً على التجربة الأوربية الحديثة ـ حسب رأيه ـ التي لا مثال غيرها في ظروف عدم وجود تجربة محلية جديدة أو تجربة عالمية أخرى. أيضاً ـ حسب رأيه ـ الآن إذا أردنا مناقشة هذه الأفكار بدءاً مما انتهت إليه وبحسب السياق الذي أوردتها فيه، سنستنتج أن الكاتب يطالبنا، على نحو أو آخر، بإعادة نسخ التجربة الأوربية تاريخياً في الوقت الذي لسنا فيه بحاجة إلى ذلك النسخ، فبغض النظر عن أن عامل الزمن ليس في صالحنا، قد يكون من الأجدى لنا أن نبدأ من حيث انتهى إليه الغرب الأوربي، بمعنى أن نقطف الثمار من بستان الإصلاح الأوربي، وبضمن ذلك الديمقراطية، والمساواة الاجتماعية، وسيادة القانون، ودولة المؤسسات، والعمل على تبييء هذه المفاهيم وتوطينها في مكان الاستبدادين اللذين اختص بهما الشرق: الاستبداد الديني والاستبداد السياسي، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، لم نر أن الباحث قد أخذ بالحسبان، أثناء مطالبته لنا القياس على التجربة الأوربية، مسألة خلو الدين المسيحي من الفقه، الأمر الذي سهل على الإصلاحيين المسيحيين (لوثر، كالفن، توما الإكويني…) مهمتهم، على عكس الفكر الإسلامي ـ وأقول الفكر متعمداً ـ القائم حالياً على الأقل على مسألة الفقه، مع إدراكنا أنه من صنع البشر ولا تنطبق عليه قدسية النص.

لا شك أن ما اقترحه الباحث بغية القيام بالإصلاح الديني المنشود، ألا وهو: التغيير الاجتماعي والفكري العام في وضعية المجتمع ونمط إنتاجه ورؤيته، هو عامل مهم وأكثر من ضروري، كما أنه مطلب مشروع وملح، لكن مرة أخرى إذا أردنا إسقاطه أو قياسه على التجربة الأوربية، فسنصطدم بحقيقة مفادها أن الفيودالية الغربية (الإقطاعية الغربية) لعبت دوراً إيجابياً ومساعداً في عملية الانتقال بالمجتمع الغربي من مرحلته الإقطاعية إلى المرحلة البرجوازية، ومن ثم الرأسمالية، وهذا كله ساهم في خلق بنية اجتماعية عقلانية نيرة، على عكس الدور الذي لعبته الفيودالية (الإقطاعية الشرقية) الذي كان دوراً معرقلاً، مما ساهم في حرمان المجتمع الإسلامي من إيجاد بنية جمعية عقلانية نيرة تفرز مفكرين قادرين على إجراء الإصلاح الديني المنشود، وإن وجدوا فهم قلة، كظاهرة د. محمد شحرور التي سنتطرق إليها لاحقاً. وبسبب حرمان المجتمع من تلك البنية الاجتماعية العقلانية ظل مجتمعاً يرفض إجراء أي إصلاح، ومهما كان نوعه، إذ استعذب العيش في سجون المنظومة المعرفية (الفقهية) التي تم إنتاجها في فضاء القرنين الثاني والثالث الهجريين وإلى حد ما الرابع الهجري، والتي ما زالت تعيد إنتاج نفسها إبستيمياً (معرفياً).

قد تكون عقلية المجتمع الإقطاعي التي ما زالت تسكننا هي التي تجعلنا نعيد إنتاج الماضي معرفياً، متجاهلين، وهذا ما لم يذكره الباحث أيضاً، دعوة أو مقولة محمد عبده: (تفسير النص ليس حكراً على شخص دون غيره، وبإمكان أي منا أن يفسره وفقاً لأدواته المعرفية ولإمكاناته، وبما يناسب عصره). بمعنى أن عبده ميز بين الفقه الذي هو نتاج بشري، وبين النص القابل للتطويع وفقاً للمصلحة المجتمعية عبر سيرورة التاريخ، مستنداً في ذلك إلى مقولة الإمام علي: (النص حمّال أوجه).

أما الرأي الثاني الذي يرتئيه الباحث، بغية قيام الإصلاح الديني، فهو حركة انتقاد فكري جذري للدين، بوصفه طريقاً، أو بوصفه نظرية في المعرفة… (يجد الباحث مثل هذه المحاولات عند إسماعيل مظهر وسليم خياطة من خلال مقالات لهما في مجلتيهما (العصور) و(الدهور) اللتين ظهرتا في أواخر عشرينيات القرن الماضي وأوائل ثلاثينياته، وكذلك في كتاب (نقد الفكر الديني) لصادق جلال العظم 1968..) لتكون خلاصة رأيه: (إنه لم تقم حركات إصلاح ديني معرفي، أو كانت هذه الحركات ضعيفة وتستلهم الماضي أكثر مما تستلهم المستقبل). حقيقة لا أدري لماذا تجاهل الباحث وهو يعرض علينا خلاصة رأيه ظاهرة حقيقية تعيش بين ظهرانينا، وأعني بها القراءات المعاصرة للدكتور محمد شحرور للنص، وهي قراءات تقوم على القطيعة الإبستمية مع التراث، هذه القطيعة التي هي أساس الإصلاح الديني معرفياً، وهي قطيعة يريدها لنا الباحث في كتابه‌‍(؟).

وإن كنت لست في صدد الحديث عن أهمية مشروع شحرور المعرفي المعصرن، غير أني أحب أن أنوّه إلى أنه أوّل من طالب بالفصل بين السنتين:

ـ الرسولية (وهي ملزمة لنا) والنبوية (وهي غير ملزمة)، فضلاً عن أنه أول من لفت الأنظار إلى طاعة الله والرسول المتصلة، وطاعة الله والرسول المنفصلة، مفرقاً بينهما ومفرقاً بين قوله تعالى: (قل أطيعوا الله والرسول) آل عمران / 32، وهنا الطاعة متصلة ـ عن قوله تعالى: (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) النساء / 59، وهنا الطاعة منفصلة، وهذا يعني السقوط الشرعي للطاعة التي يفرضها الحكام والفقهاء على العباد باسم الدين، استناداً إلى النص الذي فسره الفقهاء الأوائل على مقاس الخلفاء ورغباتهم. وهذا يجعلنا نعجز عن العثور على أي تفسير فقهي تراثي يجيز الثورة على الحاكم مهما كان فاسقاً وفاسداً. ولأنه لم يتم الفصل بين الطاعتين تسربت إلينا مصطلحات الفخامة والجلالة والسمو والسيادة والمعالي، وهي كلها صفات إلهية(؟). وحسب رأي شحرور أن الفقهاء التراثيين لم يتطرقوا إلى مبدأ الفصل بين الطاعتين، ليس لجهلهم باللغة، بل لتواطئهم مع أهل السياسة. من هنا نستطيع أن ندرك أن الاستبداد الذي يعانيه الشرق اليوم هو ثمرة تحالف الاستبدادين السياسي والديني معاً، عبر التاريخ الإسلامي.

قد يلمس القارئ خبوَّ إشراق التفاؤل لدى الباحث، وربما هذا ما نجده في الفصل الثاني المعنون بـ (مثقف حركة التحرر الوطني: أنطون مقدسي نموذجاً).

لنقرأ ما يخطه الباحث بشيء من التصرف: يبدو أنطون مقدسي للخطيب، وبعد أكثر من عشرين عاماً من المعايشة شبه اليومية له، في العمل، مثقفاً وجودياً أصيلاً وحائراً، وقد يكون ممزقاً بين متناقضات، أو شبه متناقضات كثيرة، مثل: الدين والعقلانية، القومية، والماركسية.. بهذه الرؤية يبدو له أنطون مقدسي رمزاً حياً ونموذجاً مجسِّداً للمثقف العربي الحديث، هذا المثقف الممزق والحائر منذ بداية عصر النهضة العربية الحديثة، ما بين عالمين، أو ما بين رؤيتين للمجتمع وللوجود، إلى أن يبدو له وكأنه علامة نبل ومعاناة وشرف، أو حساسية ثقافية مرهفة، مثل أي تمزق وجودي وفكري أصيل، لا يعانيه إلا مثقف منخرط في الحياة والفلسفة، بافتراض أن لا أحد يستطيع أن يعلو على تمزقات زمانه ومكانه، وقد يكون هذا السبب هو الذي جعل مثقفاً كأنطون مقدسي يبدأ رحلته الثقافية، في أوائل أربعينيات القرن الماضي، بمقالات تحررية عن (قضية المرأة) في مجلة (الطريق) الشيوعية، ليصل في التسعينيات إلى الكتابة عن (معجزات العذراء والقديسين)، معلناً بذلك انكسار مثقف حركة التحرر الوطني، بل معلناً انكسار مرحلة وانغلاق أفق جيل وطريقة تفكير.

دون أدنى ريب نجح الباحث في مرافعته بالدفاع عن نموذج مثقف حركة التحرر الوطني، من خلال إيجاد الذرائع الكافية له، لانتقاله من النقيض إلى النقيض. غير أنّا، وإن كنا نرى ذرائع الباحث تنطوي على قدر من المعقولية والمنطق، لا نستطيع أن نجد عذراً لذلك النموذج، فقط لأنه أحد رموزنا الثقافية التقدمية، وإذا عذرناه فماذا سنترك لعامة الناس، أولئك الذين استهوتهم المواقف الغيبية، إذ وجدوا فيها ذواتهم المغتربة عن زمانها ومكانها (وطنها) بعد أن جردتهم سلطاتهم من كل شيء سوى فقرهم وبؤسهم.

دولة الرفاه الاجتماعي التي تحققت في أوربا طوال الخمسين عاماً المنصرمة، وبما حققته من إنجازات جعلت من الدين (بما فيه من غيبيات) مسألة شخصية، وبالتالي لم يعد مواطنها يفكر بالخلاص الأخروي، لأن الدنيا ملك يديه، على نقيض (الرعية) الشرقية التي حققت لها الدولة ـ السلطة، سواء أكانت تقدمية أم محافظة، كل الشعارات التي رفعتها، لكن بطريقة معكوسة. انطلاقاً من هنا كان من الطبيعي أن تجد تلك (الرعية) الشرقية نجاتها في الدين، أملاً وطمعاً في الخلاص الأخروي، بعد أن فقدت الأمل بالعالم الدنيوي. وبذلك لا نستطيع إلا أن نعذرها محترمين، في الوقت نفسه، نكوصها هذا، في حين لا نستطيع أن نجد عذراً للمثقف النموذج الذي يجب أن يكون دوره، كما جهده، مضاعفاً في ظل واقع مترد كهذا.

وإلى أن نبحث عن ثقافة أخرى، ومثقفين آخرين، كما أراد لنا الباحث، سنبقى مؤمنين بفاعلية الكلمة، كإيماننا بواجبنا تجاه مجتمعنا، وكما وسعت أرض الله للظلاميتين السياسية والدينية، كذلك تتسع لنا ولأحلامنا.