Group 422
كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

عبدالله الثاني يطلب دوراً بعد تهميش

لن تكفي قمّة واحدة أو حتى مجموعة قِمم لانتشال الأردن من أزماته؛ فالبلد الذي برهن، على مدى عقود، أنه أداة طيّعة بيد الحليف الأميركي، ها هو ملكُه، عبد الله الثاني، يسعى لدى «صديقه» جو بايدن، إلى فتح صفحة جديدة تعيد الاعتبار للدور الأردني الذي هشّمته إدارة دونالد ترامب لدى صياغة «صفقة القرن» التي لا تستسيغها الإدارة الحالية، إذ تفضِّل الحلَّ على طريقة تعويم السلطة وإعادة إحياء المفاوضات بما ينسجم مع استراتيجيتها لخفض التوتُّر

بصرْف النظر عن مخرجات قمّة جو بايدن ــــ عبد الله الثاني، وما سيُعلَن منها على الملأ، جاء اللقاء الأوّل الذي جمع الزعيمين، يوم أمس، في وقتٍ يواجه فيه الأردن أزمة مركّبة تطال المستويين السياسي والاقتصادي، وسط تكهّنات لا تزال تعتمل حول «مؤامرة الانقلاب» التي جرى إحباطها في نيسان الماضي. في الوقت ذاته، لا يزال اقتصاد المملكة يعيش حالة ركود فاقمتها الآثار المستمرّة للأزمة الوبائية، وما ترتّب عليها من ارتفاع قياسي لمعدّلات البطالة. لهذه الأسباب وغيرها، يأمل الملك الأردني أن تؤتي صداقته المديدة مع الرئيس الأميركي بعضَ الربح، لِدَفع اقتصاد المملكة المتعثّر قُدُماً، وللتظاهر أمام مَن يعنيهم الأمر بأن في مقدوره استخدام نفوذه لدى بايدن لترسيخ دعم الولايات المتحدة لحقوق الفلسطينيين.

وعلى رغم تجاوُزِ الملك «قطوع الفتنة»، المتورِّط فيها أخوه غير الشقيق، وليّ العهد السابق حمزة بن الحسين، وغيره من المسؤولين، فضلاً عن «جهات أجنبية» فضّلت عمّان عدم الإفصاح عنها، لا يزال صدى الواقعة غير المعلَنة تفاصيلها يلقي بثقله على المملكة والجمهور الذي تعاطف بعضه مع الأمير لمَّا اشتكى من سوء الإدارة والفساد والرقابة المفروضة على الرأي المعارض، وهو ما دفع عبد الله إلى مطالبة عمّه، حسن بن طلال، بالتدخُّل للحصول على تعهُّد بالولاء من جانب حمزة لنزع فتيل الأزمة. وتلك مشكلة تضاف إلى تَضرُّر الأردن بشدّة من جرّاء الأزمة الصحية وتداعياتها الاقتصادية، في بلدٍ يواجه، على وجه الخصوص، أزمة مياه حادّة تطال آثارها التنمية الاقتصادية والاجتماعية. وفي هذا الإطار، تشير بيانات «البنك الدولي» إلى أن الاقتصاد الأردني انكمش، في عام 2020، بنسبة 16%، فيما لامست معدّلات البطالة، في الربع الأخير من العام الماضي، الـ 25%، مع بلوغها نسبة 50% في صفوف الشباب، فضلاً عن ارتفاع العجز في الحساب الجاري إلى 8% من إجمالي الناتج المحلي.

ومع تزايد عدد سكانه البالغ 10 ملايين نسمة، يعتمد الأردن خصوصاً على المساعدات الخارجية. وعلى رغم بروز مشاكل «عرَضية» مع بعض دول الخليج، ولا سيما السعودية، ظلّت عمّان، لسنوات طويلة، تتلقّى مِنحاً وقروضاً من العديد من هذه الدول، إلى جانب المِنح الأميركية والأوروبية، إذ يحصل هذا البلد، سنوياً، على ما قيمته 1.5 مليار دولار من الولايات المتحدة، تشمل مساعدات عسكرية واقتصادية. ومع ذلك، اضطرّ الأردن، في آذار 2020، إلى إبرام اتفاق مع «صندوق النقد الدولي» للحصول على قرض ميسّر بقيمة 1.3 مليار دولار لمدّة أربع سنوات، تمّ صرف دفعتَين منه حتى الآن. كذلك، تعوّل المملكة على فتْح آفاق التجارة مع دول المنطقة، إذ سعى الملك أثناء زيارته العراق رفقةَ الرئيس المصري عبد الفتاح السياسي، في أواخر حزيران الماضي، إلى انتهاز الفرصة للدعوة إلى إنشاء خطّ أنابيب نفطي من البصرة في جنوب العراق إلى ميناء العقبة الأردني، وهو ما من شأنه أن يقلّل تكاليف نقل النفط العراقي إلى الأردن (يتمّ حالياً بواسطة الشاحنات)، وأن يسمح للأردن بتحصيل رسوم عبور.

يُنظر إلى الأردن على جانبَي ممرّ «الكابيتول» كدولة «معتدلة» موالية للغرب حافظت على السلام مع إسرائيل وتعاونت مع الولايات المتحدة في الكثير من عمليات «مكافحة الإرهاب». واستباقاً لزيارة عبد الله، أصدر البيت الأبيض بياناً قال فيه إن الزيارة «ستسلّط الضوء على الشراكة الدائمة والاستراتيجية بين الولايات المتحدة والأردن، وستكون فرصةً لمناقشة العديد من التحديّات التي تواجه الشرق الأوسط، وإبراز الدور القيادي للأردن في تعزيز السلام والاستقرار الإقليميَّين»، فيما ركّزت مراكز الأبحاث الأميركية على اللقاء بوصفه الأوّل الذي يجمع بايدن إلى زعيم عربي منذ تولّيه الرئاسة. ويرى «معهد الشرق الأوسط» أن الزيارة «تمثِّل إعادة ضبط مُهمَّة للعلاقات الأميركية ــــ الأردنية التي عانت بشدّة إبّان عهد دونالد ترامب». وعلى رغم ذلك، يذكر «معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى»، أن جوانب رئيسة من العلاقات ظلّت قوية؛ فقد حصلت المملكة على ما قيمته 1.275 مليار دولار سنوياً بموجب مذكّرة تفاهم مدّتها خمس سنوات جرى توقيعها عام 2018، كما وقّع الجانبان على «اتفاق التعاون الدفاعي» في كانون الثاني الماضي، ما سمح لهما بالتنسيق عن كثب على الصعيد الأمني، ومكّن الجيش الأميركي من نقل بعض أصوله الإقليمية إلى الأردن. ومع هذا، شعر الأخير بـ«التهميش» بسبب سياسة الإدارة الأميركية الأوسع تجاه الشرق الأوسط، بما فيها «خطّة ترامب للسلام» التي سعت إلى تهشيم دور المملكة في القدس. بالنسبة إلى عبد الله، من الضروري أن تجدِّد واشنطن دعمها لدوره كوصيّ وحارس على المقدّسات الإسلامية، بعدما سعت السعودية، بدعمِ الإدارة السابقة، إلى «قرصنة» هذه المهام. ويدعم بايدن الانفراجة في العلاقات الأردنية ــــ الإسرائيلية، كما يتّضح من الزيارة المفاجئة التي قام بها رئيس حكومة الاحتلال، نفتالي بينت، أخيراً، إلى عمّان، والاتفاق الذي أعقبها لتزويد الأردن بمياه جافة بمقدار 50 مليون متر مكعّب إضافية من المياه الإسرائيلية. وقبل مغادرته عمَّان، التقى الملك الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، الذي فوّضه، بحسب مصادر «معهد الشرق الأوسط»، «اتخاذ أيّ خطوات لازمة لإقناع الإدارة الأميركية بإحياء عملية السلام»، علّها تطيل عمر السلطة. لكن بايدن لا يبدو مهتمّاً بالقيام بأيّ حراك لا يصبّ ضمن منطق إدارة الأزمة، كما سبق وحصل في جولة الحرب الأخيرة. ومع هذا، تتمحور رؤية الإدارة الجديدة حول تعويم السلطة الفلسطينية، وإعادة إحياء المفاوضات بما ينسجم مع الاستراتيجية الأميركية لخفض التوتُّر، والانصراف إلى ما هو أهمّ.

ملاك حمود

الأخبار اللبنانية