Group 422
كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

هل فقط الأغنية هابطة يا سيادة الوزير؟

أُبي حسن

انتشرت، مؤخراً، في إحدى مدارس دمشق أغنية هابطة، رددها بعض طلاب المدرسة، ما استدعى قيام وزير التربية الدكتور دارم طباع بزيارة الى المدرسة للوقوف على حيثيات ما جرى، و توجيه انذار الى المديرة و الى المُعلّمة المناوبة.

و لم يكتف وزير التربية بذلك، بل خاطب وزارة الداخلية و اتحاد شبيبة الثورة و منظمة طلائع البعث، بغية العمل و التعاون للحدّ من انتشار مثل هذه المظاهر، التي تؤثّر سلباً على القيم التربوية و التعليمية (و نضيف: حتّى الاخلاقية) لمجتمعنا.. وبحسب بيان الوزارة ".فإن الـ"أغنية هابطة فيها ألفاظ غير أخلاقية تناقض القيم الاجتماعية والوطنية والتربوية أثناء الدوام المدرسيسوريا وطن يسكننا

وقالت الوزارة في بيانها إنها خاطبت وزارة الداخلية "لمتابعة ومراقبة وسائل النقل التي تقل الأطفال وتنبيههم لعدم وضع أغان هابطة كونها تشكل جزءا من المنهاج الخفي الذي يؤثر بشكل سلبي على تشكيل منظومة القيم الوطنية والاجتماعية للأطفال"

كذلك خاطبت الوزارة منظمتي "اتحاد شبيبة الثورة" و"طلائع البعث" للعمل من خلال الأنشطة اللاصفية على الترويج لأغاني محببة وجذابة للأطفال.

أحسن وزير التربية صنعاً في خطوته، شرط ألّا تكون الضحية مديرة المدرسة و المُعلّمة المناوبة، فليس سرّاً أن الثقافة الاجتماعية و التربوية لطيف واسع من مجتمعنا و محيطه، باتت أكثر من هابطة، و هذه المسؤولية باتت أكبر من إمكانية و طاقة وزارة التربية و وزارة الداخلية و غيرها من مؤسسات و اتحادات على حلّها، مهما بلغت النوايا الطيبة لذلك.

عوامل عدة تتضافر، و تضافرت، لوصولنا إلى هذا البؤس و الانحطاط في الذائقة الفنية و "قلّة" التربية، و ربما سوء الأخلاق الشخصية لبعض أبنائنا و بناتنا.

لا نستطيع أن نغفل الدور السلبي لوسائل السوشيل ميديا في انحدار المستوى الاخلاقي لبعض أبنائنا، و هي وسائل ليس من السهل الحدّ منها، و هذا لا يعني الاستسلام لها. كما لا يمكن أن ننفي الدور السلبي لبعض الدراما السورية التي يروّج بعضها للهابط و على الصعد كافة (مثلاً: قبيل الحرب على وطننا، انشغلت الدراما السورية بالترويج للخيانات الزوجية و تبرير فعل الخيانة، ناهيك عن عشق الزوجة لشقيق زوجها. و كانت هذه الأعمال محط انتقاد طيف من المثقفين السوريين سنتذاك).. هذا، و لن نتطرق إلى المستوى الهابط لتلك الدراما شكلاً و مضموناً، و انعكاس ذلك الهبوط على المتلقي الذي عادة ما يكون بعض ضحاياه أبناؤنا و هم في أخطر مراحل تشكّل وعيهم، نعني المراهقة.

أضف إلى ما سبق، الفضائيات الممولة من أصحاب البترودولار، و التي تعمل ليل نهار، و منذ أكثر من عقدين من الزمن، على تشويه جميع القيم الأخلاقية و الفنية و التربوية و الجمالية.. الخ، من خلال بثّها و ترويجها لأغان غاية في السقوط و الانحطاط تحت مُسمى "فن"!، و لم تعمل أية جهة داخل سوريا لصدّ تلك الجائحة الخليجية البترودولارية، سواء من خلال التنبيه منها أو من خلال العمل على انتاج فن راق يشكّل سدّاً منيعاً في مواجهة ذاك السيل الجارف من "الفن" الهابط المروّج للخلاعة و الانحطاط.

قد يقول قائل إننا نحتاج إلى مراسيم و قوانين تحدّ من ذلك الهبوط، و هنا نجيب هذا القائل: ترى هل احترم المعنيون بالأمر، من مواطنين و مسؤولين، المرسوم الجمهوري رقم 62 لعام 2009 القاضي بمنع الاعلان عن التدخين و حظر تعاطيه في الاماكن العامة أو الترويج له في وسائل الاعلام و أية وسيلة أخرى (و طبعا، منها الدراما).. ترى هل التزم به صنّاع الدراما على سبيل المثال لا الحصر؟

 بالعودة الى ما جرى في تلك المدرسة و موقف وزير التربية: لا شكّ أن التعليم بدأ يشهد هبوطاً متسارعاً منذ استلم علي سعد وزارة التربية، حيث شهدت تلك الفترة تحويل الطلاب الى حقل تجارب من خلال الانهماك بتغيير المناهج دون دراسة وافية و كافية لتلك الخطوات التجريبية، و في تلك الفترة شهدت سوريا و للمرة الاولى في تاريخها ظاهرة استفحال الدروس الخصوصية، و وفرة في تسيّب الطلّاب من المدارس، أما في الفترة التي كان فيها هزوان الوز وزيراً للتربية فلا يتسع المجال لذكر المستوى المؤسف الذي وصل إليه التعليم.. ترى هل سأل أحد تربويي ذلك الزمن (زمن علي سعد): عن سبب تلك الظاهرة؟ و هل الخلل في مدارسنا أم طلابنا أم نظامنا التربوي و التعليمي؟ 

و يمكن القول: إن ظاهرة "انفلات" بعض الطلاب، و على مختلف مدارس الوطن، و عدم انضباطهم، بدأت تستفحل طرداً مع الغاء نظام التربية العسكرية (الفتوة) من مدارسنا، و اللافت ان أوّل من سخر من ذلك النظام مشبهاً اياه بنظام كوريا الشمالية، هو مراسل صحيفة الحياة في دمشق (هو الآن معارض في بريطانية) و كأن ذلك النظام كان يعيب طلبتنا و يعيقهم عن احراز التفوق و النجاح؟ و كأن وطننا هو جزء من منظومة دول الاتحاد الاوربي و ليس جزءاً من المشرق العربي المبتلى بوجود الغدة السرطانية المسماة "اسرائيل"، و ليس لدينا أراض سليبة و محتلة؟ و بغض النظر عن ذلك كلّه، لقد كانت فوائد مادة التربية العسكرية أكثر من سلبياتها، و كان وجودها في مدارسنا يشكّل عامل انضباط في وسط الطلّاب، و لا ينكر هذا إلّا كل أحمق و مكابر.

و غني عن التبيّان، إنّه لا يمكننا القفز فوق الآثار السلبية للحرب على وطننا، إبّان تطرقنا لما جرى في تلك المدرسة من تصرف طلابي شاذ، و هي آثار أرخت بظلالها السلبية على الكثير من مناحي حياتنا النفسية و الأخلاقية و المعنوية، ناهيك عن آثارها الكارثية على الصعيد المادي، و هذا حديث يطول شرحه.

عود على بدء: و إن كنّا نثني على خطوة وزير التربية الدكتور دارم طباع الذي يذكرنا بخطواته الإصلاحية و نواياه الصادقة بسلفه الأستاذ عماد العزب، إلّا أن الحقيقة التي لا مناص من قولها: هو إنّ ما جرى في تلك المدرسة في دمشق، من تصرف غير لائق من قبل بعض الطلّاب، هو عبارة عن نتيجة طبيعية لسنوات طويلة من التخريب و الإفساد على أكثر من مستوى و صعيد (منه خارجي، كالذي تحدثنا عنه في معرض حديثنا).. تخريب و إفساد، بعضه مقدور عليه و (ربما) أكثره لا تسعفنا الظروف للوقوف في وجهه، و هذا لا ينفي مُطلقاً أن يظل للمدرسة حرمتها و دورها التربوي و التنويري بغية علاج أمراضنا، و من جملتها المرض الذي رأيناه أخيراً، و ليس من قبيل الممالأة أو المبالغة القول: إننا نثق بخطوات وزير التربية الدكتور دارم طباع و نهجه الإصلاحي.