Group 422
كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

الرأسمالية المتوحشة.. لا أصدقاء لها

أُبي حسن

نستغرب "الصدمة" التي شعرت بها الدولة الفرنسية ممثلة برئيسها و حكومتها، جرّاء ما أقدمت عليه الولايات المتحدة الأمريكية بخصوص صفقة الغواصات النووية مع استراليا! فعلاً نستغرب استغراب و استهجان باريس من تصرف "حليفتها"، لاسيّما أن الثانية هي وريثة الأولى في الرأسمال المتوحش الذي لا يقيم وزناً لأية مواثيق و أعراف دولية و أخلاقية و انسانية إبّان تعامله مع الدول الأضعف و الأدنى.

لا بأس من إلقاء لمحة على بعض التاريخ "المشرّف" للولايات المتحدة الامريكية التي تسيّدت زعامة العالم عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية، و قادت المعسكر الرأسمالي المتوحّش في وجه المعسكر الاشتراكي الذي كان يقوده الاتحاد السوفييتي.سوريا وطن يسكننا

لعل باريس تدرك جيداً أن الرأسمالية الامريكية المتوحشة تتدخّل، منذ آواخر القرن التاسع عشر، في بلدان العالم بغية تغيير أنظمة فيها و إقامة أخرى على مقاسها و مقاس جشعها دون حساب أو رقيب، فهي منذ عام 1898 تتدخّل في شؤون أمريكا اللاتينية معتبرة اياها حديقة خلفية لها، هكذا احتلت بورتوريكو و كوبا، اللتين كانتا تحت الاستعمار الإسباني، و ان كان انتهى احتلالها لذينك البلدين عام 1902 بيد أن آثاره بقيت لسنوات طويلة و مديدة (طبعاً، أعادت احتلالهما مجدداً في النصف الاول من القرن العشرين).

كما عملت على فصل بنما عن كولومبيا مطلع القرن الماضي، و كانت هي أول دولة تعترف ببنما عام 1903، إلى أن قامت باحتلالها لاحقاً و نشر الفوضى فيها.

و الأمر ذاته فعلته في نيكارغوا و هاييتي و المكسيك و تشيلي.. الخ، طوال القرن الماضي. و اللافت أنها كانت تنصّب دمى لها في البلدان المذكورة ثم سرعان ما تتخلى عنها بعد انتفاء الحاجة لها.

و في شرقنا العربي، رأيناها كيف دعمت و رعت أول انقلاب في سوريا، وهو الانقلاب الذي قام به حسني الزعيم في آواخر آذار عام 1949، و لم تفعل له شيئاً عندما قام الانقلابيون الجدد بإعدامه رمياً بالرصاص و رمي جثته في بساتين المزة، بعد مكوثه في الحكم 137 يوماً فقط.

بعيد انتهاء الحرب الباردة، قامت بإغراء عراق صدام حسين على غزو الكويت، ثم بدأت بتدمير بلاد الرافدين بشكل ممنهج اعتباراً من عام 1998 وصولاً لاحتلاله عام 2003، و من قبله غزت أفغانستان عام 2001 بذريعة محاربة حركة طالبان على خلفية احداث أيلول 2001، و أقامت دمية اسمها حميد كرزاي وصولاً لانسحابها المشبوه من ذاك البلد الذي حولته بلقعاً، و أعادت تسليمه لطالبان مجدداً نافضة يديها من عملائها، كما نفضتها سابقاً من شاه ايران.

طبعاً، ليست غاية هذا المقال سرد التاريخ المتوحّش للرأسمالية الامريكية التي قامت أصلاً على جماجم الهنود الحمر (السكان الأصليين لامريكا الشمالية)، بل للتأكيد أن لا حليف و لا صديق لهذه الرأسمالية الممثلة بالولايات المتحدة الأمريكية.

انطلاقاً مما سبق لم نستغرب قطعاً تلك الصفعة المدوية التي صفعتها الولايات المتحدة لـ"حليفتها" فرنسا من خلال ضغطها على استراليا لفسخ عقد الغواصات النووية مع باريس، و ابرامه معها هي و ربيبتها بريطانيا. غير آبهة بمصالح "صديقتها" و "حليفتها" الفرانكفروتية.

لا بل نستغرب مجدداً "استغراب" فرنسا من الفعل الشنيع لـ"حليفتها" في الناتو، و كأن هذا الفعل ليس من صفات الرأسمالية المتوحّشة؟ و يفترض بدولة عاشت مراحل الرأسمالية المتوحشة كفرنسا، أن لا تستغرب و لا تستهجن تصرف "صديقتها" اأمريكا!

انطلاقاً مما سبق، من الصحيح القول: إن لا حلفاء و لا أصدقاء للولايات المتحدة، و هي بحكم نزوعها العدواني و عنجهيتها الناجمة عما تمتلكه من عوامل قوة، تريد فقط أتباعاً إن لم يكن خدماً (سبق أن قال الرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك في تصريح شهير له آواخر تسعينات القرن الماضي، إنهم أصدقاء للولايات المتحدة و ليسوا خدماً لها)، و هي دائماً و أبداً تطلب من خصمها (و حليفها) المزيد من التنازلات و عندما لا يبقى لديه شيء يقدمه تقوم بالتهامه.. فعلاً: ما أكثر العبر، و ما أقل المُعتبرين.

أياً يكن الأمر، تأتي الصفعة الأمريكية لباريس بعيد أقل من شهر على الانسحاب الأمريكي الغامض من أفغانستان، و هو انسحاب آثار الكثير من السجالات و الجدل ضمن منظومة دول الاتحاد الأوربي الذي عبّرت بعض دوله عن خيبتها من حلف الناتو (الذراع العسكري للرأسمالية المتوحشة)، و أنّه لا يمكن الاعتماد عليه بعد الآن، و ما قد يتبع ذلك من منعكسات قد لا نستطيع الجزم بماهيتها على الأقل في المدى المنظور، بيد أننا نستطيع التأكيد أن لا أصدقاء و لا حلفاء للرأسمالية المتوحشة الممثلة بالولايات المتحدة، و الدرس الفرنسي الأخير خير دليل.