نهر الخابور في الجزيرة السورية شريان الحياة لملايين البشر تم تجفيفه

أ جيش وفرات دير الزوركتب جوزيف جريج- فينكس:
 
في أواسط ثلاثينيات القرن العشرين سكن آلاف الآشوريين السريان القادمين من العراق  (بالإضافة للسوريين منهم) على ضفاف نهر الخابور في سوريا ، ولم تكن ضفاف هذا النهر، تلك الأيام سوى مراعي لماشية البدو والعشائر العربية التي تعيش هناك.

في حينها جرى بناء عدة تجمعات سكانية لهؤلاء القادمين وكانوا بحدود 20 ألفاً, و خلال سنوات ظهرت على ضفاف الخابور 35 قرية تمتد من الحسكة حتى جنوب رأس العين، و تتوسطها بلدة تل تمر التي أصبحت مركزاً لهذه القرى. نهر الخابور هو أكبر مجرى مائي في محافظة الحسكة شمال شرق سوريا و يعتبر مع نهر البليخ أهم رافدين لنهر الفرات، وطول النهر 440 كم منها 320 كم في الأراضي السورية. وتشكّل ينابيع رأس العين السورية قرب الحدود مع تركيا أهم مصادر مياه الخابور، بينما لا تصل مياه الجزء التركي منه إلى سوريا إلا في الشتاء.


تصب في الخابور عدة روافد وهي أنهار الجرجب و الزركان و جغجغ الذي يلتقي بالخابور شرق مدينة الحسكة، وجميع روافد الخابور المذكورة تصب بالنهر في قطاعه الأعلى بطول 110 كم بين منبعه في رأس العين ومدينة الحسكة. ويتابع النهر سيره حتى يصب في نهر الفرات قرب مدينة البصيرة بمحافظة دير الزور.

بالعودة إلى ما بعد وصول الآشوريين وتوطينهم على ضفاف الخابور.. فقد انتعشت الزراعة المروية على ضفتي النهر وازدهرت زراعة القمح و من ثم زراعة القطن اللازم لصناعة النسيج السورية المتنامية, وظهرت كروم العنب و الأشجار المثمرة التي لم تكن تعرفها المنطقة المهتمة بثقافة المحاصيل وليس بثقافة الأشجار، وكان يمكن ملاحظة هذه الثقافة الوافدة أيضاً في بعض مناطق محافظة الحسكة والتي هرب إليها السريان من تركيا.
في تلك الفترة بدأ نصب النواعير على النهر ولاحقاً محركات الديزل وظهرت مشاريع هامة مثل مشروع تل مغاص ومشروع المناجير.(كما يقول احد المؤرخين إن الآشوريين السريان أنتشر المنطقة وحولها الى جنة خضراء)

مشروع شبكة ري تل مغاص:
تمت المباشرة عام 1941 بحفر قناة ترابية بدءاً من تل مغاص باتجاه الحسكة ثم للشمال الشرقي بطول 70 كم مع شبكة أقنية متفرعة عنها لتروي بالراحة مساحة 33000 دونم (3300 هكتار) . وفي الخمسينات كان القطن يزرع على مياهها و تم إكساء القناة بالبيتون بالسبعينات. وعند بدء جفاف الخابور في تسعينات القرن الماضي أصبحت تغذية القناة تتم من سد الحسكة الشرقي. كما جرى لاحقاً وضع دراسة لتحديث المشروع ولم تنفذ بعد.

مشروع شبكة ري المناجير:

تم تنفيذ المشروع بالخمسينات من قبل العائلة السريانية البرجوازية أصفر نجار، وهو قناة بيتونية تتغذى بالضخ من الخابور وتروي 28000 دونم ( 2800 هكتار). وهذا المشروع أيضاً تمت دراسة تحديثه.
لم تكن المشاريع المذكورة تكفي المنطقة ولا تستفيد من إجمالي مياه النهر ولذلك جرى التفكير بتنفيذ مشروع ضخم هو مشروع ري الخابور وأنجزت الدراسة شركة “أغروكومبلكت” البلغارية في بداية الثمانينات.
تضمن المشروع تنفيذ 3 سدود هي سد الحسكة الغربي بسعة تخزين تبلغ 91 مليون متر مكعب، وهو متصل بقناة مع سد الحسكة الشرقي بسعة تخزين 234 مليون متر مكعب،وكذلك سد الحسكة الجنوبي بسعة تخزين 605 مليون متر مكعب.

ومن المنشآت التي تضمنتها الدراسة:
قناة الجر الرئيسية من المأخذ الرئيسي على نهر الخابور في مدينة رأس العين بطول 64 كم وتصب مياهها في سد الحسكة الغربي وتروي 3500 هكتار.
قناة تل هرمز بطول 38 كم و تروي 9000 هكتار بين الحسكة وجبل عبد العزيز وتأخذ هذه القناة المياه من قناة الجر الرئيسية المذكورة أعلاه.
قناة ري تل منصور بطول 44 كم وتستمد المياه من السد الشرقي وتتقاطع مع طريق الحسكة عامودا وتروي 26500 هكتار.
قناة ري صفيا بطول 37 كم و تروي 11000 هكتار, و قناة ري تل جلاد بطول 6 كم وتروي 600 هكتار و مصدر مياه القناتين هو السد الشرقي.

جميع السدود والأجزاء المذكورة أعلاه منفذة ، كما تضمن المشروع منظومة كبيرة من الأقنية الرئيسية والفرعية وشبكات ري حقلية, ومحطات الضخ اللازمة لسحب مياه الخابور إلى الأقنية ومن ثم الري بالراحة منها, وقد تم كذلك تنفيذ جميع محطات الضخ, وأهمها:

محطة ضخ على السد الشرقي لتغذية قناة ري تل منصور بتدفق 31.5 متر مكعب بالثانية (م3/ثا) وأنجزت عام 1997. ومحطة ضخ على السد الغربي بتدفق 42 م3/ثا مع محطة توليد كهرباء, ومحطتي ضخ لإرواء 9000 هكتار أسفل سد الحسكة الجنوبي، و بالإضافة لمحطات الضخ تم تنفيذ منظومة كاملة من محطات التحويل.

كان من المقرر أن يروي مشروع الخابور 150 ألف هكتار (1.5 مليون دونم) وللزراعات الشتوية والصيفية, مما كان يكفي لإحداث تنمية كبيرة في مجمل المنطقة الشرقية وخصوصاً محافظة الحسكة.
تم تقسيم المشروع إلى ثلاثة أقسام رئيسية:
الأول: ويمتد بمحاذاة الخابور بين الحسكة ورأس العين . والثاني يمتد شمال وشمال شرق مدينة الحسكة والثالث من الحسكة ويمتد جنوب السد الجنوبي حتى بلدة الصور. ومساحة كل قسم حوالي 50 ألف هكتار.
تم تنفيذ الشبكات الحقلية بالكامل لحوالي 60 ألف هكتار وجرى استثمارها، وهي القسم الأول وجزء من الثالث وتوقف العمل ببقية الشبكات بالأقسام الأخرى رغم تنفيذ البنية التحتية من أقنية رئيسية ومحطات ضخ، وذلك بعد أن شحّت مياه نهر الخابور. أما المساحات المستثمرة فقد بدأ الصراع مع الطبيعة لتأمين المياه لها ولم تتمكن الجهات المعنية من ذلك إلا بشكل محدود ، فقد جف الخابور وتوقف المشروع الكبير وتوقف قطف نتائج الجهود والاستثمارات الضخمة التي تم صرفها على المشروع.

بالرجوع لقرى الخابور المسكينة ، فمنذ العام 2000 توقف جريان الخابور وبدأت الأشجار المثمرة تموت واقفة من العطش، وتحولت كروم العنب وأشجار التفاح إلى حطب في معظم القرى, ولم تتمكن محاولات مديرية الري في الحسكة ولا تعاطف مديرها وهو ابن تلك القرى إلا من الحفاظ على بعض الأشجار في قريتي تل هرمز وأم غاركين بجوار السد الغربي نتيجة حفر بعض الآبار للمساعدة بتأمين بعض المياه. ولاحقاً وبعد بداية الحرب في سوريا جفت بقية الأشجار وهجّرت الحرب من لم يغادر من الأهالي قريته بسبب الجفاف.

أصبحت حالة مشروع الخابور تشبه حالة من حفر بئراً وشق طريقاً للوصول إليه, ونصب عليه مضخة ومد خطوط الكهرباء لتغذيتها, ونفّذ تسوية للأرض التي ستروى من البئر …. ثم جفّت هذه البئر!
لماذا حصل ذلك ؟ وماذا فعلت الحكومة السورية لتلافي المشكلة ؟ وماهي الإجراءات التي نُفذت لتأمين المياه – ولو جزئياً – للأجزاء المستثمرة؟ و ما هي الحلول المطروحة لإنعاش المشروع أو ما أُنجز منه ؟ وهل ستعود الأشجار لضفاف الخابور؟

يتبع

رابط الجزء الثاني:

مأساة نهر الخابور السوري ومشاريعه 2

http://www.fenks.co/index.php/reports/38694-2-2

عدد الزيارات
15639479

Please publish modules in offcanvas position.