■ الحلقة ما قبل الأخيرة ■
 
                          □ الحلقة الثالثة والعشرون ( 23 ) □ 
 
                                    من عرض وتلخيص كتاب :
 
                                        [  حقيقتنا المطلقة  ] 
 
                               [  الحياة و الكون و قدر الإنسان  ]
 
                                                                        ● تأليف الفيلسوف ( إدريان كوبر )
 
                  ■ نقله إلى العربيّة : ( أ. د. منذر محمود محمد ) 
 
                           { يحتوي الكتاب على ( 3 ) أجزاء }
 
                                         في ( 113 ) فصلاً
                                          و مقدّمة و خاتمة
 
                         في ( 670 ) صفحة من القطع الكبير
 
                                         الجزء الثالث
                                      كيفَ تتحكّم بِقَدَرِك
 
 
                                   الفصل السادس بعد المائة 
 
                                       دفتر يوميات الأحلام
 
عملية استرجاع الحلم هي عملية مباشرة في الواقع و تتضمن المحافظة على دفتر يوميات الأحلام الذي يمكن أن يكون على شكل مفكرة أو دفتر ملاحظات أو على أية صيغة مناسبة أخرى. 
و الشكل الأمثل لذلك أن يكون الدفتر واسعاً بحيث تدون ما تتذكره من أحلام على الصفحة اليمنى منه و أن تضع ملاحظاتك على تلك الأحلام على الصفحة اليسرى المقابلة، بحيث تكون قد وضعت الأشياء في سياقها لسهولة الرجوع إليها في المستقبل، بعد تأريخ كل زوج من الصفحات بتاريخ واحد، و بعد أن تكون قد عنونته بعبارة "ذكريات الحلم" على رأس كل صفحة يمنى، و عبارة "تحليل الحلم" على رأس الصفحة اليسرى المقابلة.
قبل الخلود إلى النوم ليلاً يُستحسن التعوّد على تكرار أحد التوكيدات من مثل: " أحتفظ دوماً بذكريات أحلامي عندما أستيقظ صباحاً ".
سيؤثر هذا الأسلوب في عقلك الباطن، و يطبع فيه حقيقة أنك تتذكر كل أحلامك بعد أن تستيقظ، ما سيؤدي إلى قيام عقلك الباطن بفرض تأثيره بموجب ذلك.
 
يفضل أن يكون "دفتر الأحلام" قريباً من سريرك في متناول يدك لتدون فيه أحلامك مباشرة بعد استيقاظك سواء كان ذلك صباحاً أو أثناء الليل أو حتى بعد القيلولة، و يجب استحضار حلمك مباشرة بعد استيقاظك فوراً و من دون إبطاء أو تردد.
دوّن كل ما تستطيع استحضاره من ذاكرتك عن الحلم أو الأحلام من دون أن تهمل أي تفصيل صغير. غالباً ما تكون التفصيلات الصغيرة هي الأكثر دلالة و مغزى. 
 
. اجعلْ من ذلك عادة يومية؛ و سوف يتبين لك بسرعة أن تذكّر أحلامك سيصبح أسهل بصورة مطّردة و أكثر آلية مع مرور الوقت، مع ما سيصبح من ذلك عادة محببة إليك. 
و مع مرور الوقت سيتبين لك أيضاً أن أحلامك قد أصبحت أكثر وضوحاً بالنسبة إليك، و أنك أحياناً قد تبدأ حتى بالاستمتاع بأحلامك الواضحة التفاعلية و المتحكَّم بها؛
كل ذلك يحدث كنتيجة مباشرة لمحافظتك على دفتر أحلامك.
 
في النهار كرّس بعض الوقت لتحليل أحلامك التي راودتك في الليلة السابقة. من الأفضل أن يكون ذلك أثناء فترة استرخاء في مكان هادئ.
أما من يقدم على مرحلة القدرة على ممارسة التأمل العميق فسوف يكتشف أن من المفيد النظر في معاني هذه الأحلام أثناء قيامه بعملية التأمل، خصوصاً عندما تكون للأحلام دلالات رمزية و بالتالي تحتاج إلى تفسيرات إضافية.
تمعّن بادئ ذي بدء في كل حلم على حدة من خلال منظوره الشمولي و تفهّم معناه. قد لا يكون للحلم أي معنى قائم بذاته و ذلك لكونه مجرد سيناريو قام العقل الباطن باستيلاده، أو خيال وجدتَ نفسَكَ فيه منخرطاً ضمن الفضاءات الطيفية. 
 
و بالتالي ، فإن من المهم جداً عدم إلصاق معانٍ بالأحلام قد لا يكون لها أساس في المقام الأول. هذا كله يتطلب ممارسة مديدة؛ إلا أنك سوف تبدأ قريباً بالتمييز بين الأحلام التي لها معنى و بين الخيالات التي لا معنى لها؛ و لكن في واقع الأمر غالباً ما تكون بعض الخيالات ذات معان و دلالات رمزية.
 
و كما هي الحال في كافة أنماط سبر غور النفس و تحليلها ، فإن من المهم جداً أن تكون صادقاً تماماً مع نفسك حول هذه العملية ، و ألا تحاول إقناع نفسك بسيناريوهات غير موجودة على الإطلاق.
قارن بين كل حلم يراودك و بين حياتك الحالية، و طموحاتك، بما في ذلك كافة مشكلاتك و آمالك و مخاوفك و هواجسك، و تأكد من وجود أي تشابه في ما بينها. 
 
إذا كانت هناك أوجه شبه، قم بتدوينها، و ركّز على ما يقوله الحلم عن حياتك أو عن أي جانب من جوانب حياتك. 
إذا كنت قادراً على الكشف عن رسالة محددة ضمن ذلك الحلم، فيجب عليك السير فوراً بحسب التوجيهات المتضمّنة في الرسالة إذا وجدتَ أن من المنسب القيام بذلك.
الأحلام هي صيغة هامة جداً لتلقي الرسائل من الفضاءات الداخلية للحقيقة أو حتى من نفسك الأعلى.
 
في ما بعد سوف تعرف كيف تربط بين حلمك و بين حياتك كما هي حالياً و بين طموحاتك المستقبلية. 
إذا لم يكنْ لحلمك علاقة ظاهرية بالماضي أو بالحاضر أو بالمستقبل بالتوقيت الزمني الأرضي، فإن عليك أن تحتفظ بالرسالة التي استلمتها من حلمك، في ذهنك، و أن تبقى متيقظاً في الوقت الذي تقوم فيه بمتابعة أمورك اليومية بما يتناسب مع الظروف المستجدة التي قد تكون ذات صلة بحلمك.
 
تذكر أن الأحلام غالباً ما تنبثق من الفضاءات الداخلية للحياة و للحقيقة، و ذلك خارج حدود الزمان و المكان، حيث لا وجود للماضي أو الحاضر أو المستقبل بمقياس العالم المادي، لأن هذه كلها موجودة بشكل متزامن في "الآن الأبدية". 
هذا و ربما تشكل مجموعة من الأحلام سلسلة متصلة من الرسائل التي يجب تفكيكها و قد تشكل جملة من الأحلام رسالة واحدة و قد تكون سلسلة من الرسائل تشكل معنى متصلاً لحلم واحد على أجزاء. 
و من المهم أن تتذكّر أن الأحلام يمكن أن تكون موغلة في رمزيتها ، و أنه ليس من الضروري أن تحتوي على تفصيلات محددة و واضحة بذاتها.
 
 
                                      الفصل السابع بعد المائة 
 
                                         الصوت الداخلي
 
الصوت الداخلي و هو مصدر الحكمة اللا متناهية و الإرشاد المهم و العالي القيمة في الحياة، غير معترف به لسوء الطالع، و يتم تجاهله و كبته من قبل العديد من الناس؛ و هؤلاء غالباً ما يدفعون ثمن ذلك بالتّسبب لأنفسهم بالضّرر جرّاء ذلك. 
إن مصدر الصوت الداخلي في العادة هو النّفس الأعلى، و هي ذلك الجانب من كينونتنا ذات البعد الرباني لأنها وسيلة الاتصال بيننا و بين المنبع، أي الرب.
 
تتسم النفس الأعلى بقدرتها على التواصل مع الكون اللا متناهي في كافة فضاءات الحياة خارج إطاري الزمان و المكان، بما في ذلك الماضي و الحاضر و المستقبل بالبعد الحياتي المادي المرتبط بمفهوم الزمن الأرضي. 
و النفس الأعلى شديدة الأهمية بمفهوم الحياة اليومية، و كذلك بمفهوم درب العودة المستمرة إلى الرب، حيث تقوم بشكل مستمر بإسداء النصح و الإرشاد و التلقين و الإلهام و التنبيه، كلما دعت الحاجة إلى ذلك.
 
تتجلى "النفس الأعلى" في الوعي الفردي على شكل "الصوت الداخلي" الذي يمكن لأيّ كان "سماعه" و التعرف عليه. 
نفسك الأعلى سامقة؛ فهي تملك أجندة خاصة بها خارج نطاق ما هو ظاهر لنا، كما أنها عاجزة تماماً عن تضليلنا أو إعطائنا توجيهاً غير صحيح.
 
النفس الأعلى مهتمة برحلتك السلسة و المستمرة على تلك الدرب المقدسة، صعوداً باتجاه المنبع، أو العلة الأولى، أي الرب، أي من حيث انطلقنا بداية؛ و هي ملتزمة إلى أقصى حد بهذه المهمة المقدسة.
و لذا، فيجب أن تكون النفس الأعلى، و تبقى دائماً، موضع ثقتنا المطلقة، فهي صوت لا يتوقف البتة عن "التحدث" إليك، و هو ليس صوتاً عالي النبرة بل هو صوت لطيف خافت يمكن أن يصبح واضحاً عندما تصغي إليه و تعرف ماهيته. 
و الإصغاء له هو أحد المفاتيح التي تمهد السبل أمامك في رحلتك عبر حيواتك المادية، و تالياً، عبر الفضاءات الداخلية للحياة و للحقيقة على تلك الدرب المقدسة و أنت تقفل عائداً إلى الرب.
 
يمكن أن تتجلى النفس الأعلى بصوت آمر بقوة أو بأن ينتابك شعور بالانقباض منبثق من المعدة إذا كنت معرّضاً لحدث مؤذ، و هو في حقيقته صادر عن تشاكرا الضفيرة الشمسية في منطقة "السرة" و المرتبطة مباشرة بالكون.
 
معظم الرسائل الواردة من النفس الأعلى هي من النوع الأكثر لطافة و هذه تصلك بطرق مختلفة، إذْ غالباً ما تكون على هيئة صوت خفيض في رأسك أو على هيئة إحساس أو انطباع أو إلهام أو حدس أو فكرة. 
تعتبر النفس الأعلى مصدراً عالي القيمة لتشجيعك على القيام بأفعال إيجابية أكثر من كونها تقوم بتحذيرك من وقوع حادث سلبيّ و حسب. 
و سوف تكون رحلتك أكثر سلاسة إذا كنت من هؤلاء الناس اليقظين الذين يميزون ذلك الصوت الخفيض و يتصرفون على أساس هذه المعرفة. 
 
نفسك الأعلى هي أفضل صديق لك و أعظم حليف، و هي مصدر الإرشاد الرباني.
و عندما يكون العقل في حال من الصمت و التركيز التّمّين، حينها فقط يستطيع الصوت الداخلي للنفس الأعلى التكلّم بمنتهى الوضوح.
يجب أن تتوقع دائماً حدوث حالات نادرة في الحياة أو قرارات لم تكن متوقعة لا بد من اتخاذها و يمكن أن تحدث بصورة فجائية و من دون سابق إنذار؛
 
عندها عليك أن تتوقف لبرهة قصيرة و تسترخي و تهدئ من روع عقلك؛ كما عليك أن تكون يقظاً مصغياً إلى الإرشاد الذي سوف تتلقاه من النفس الأعلى. 
عليكَ أن تطور دائماً من جانبك الرباني المتمثل بالنفس الأعلى و الاستماع إلى الأصوات الصادرة عن الكائنات الربانية التي تسبح في المحيط حولنا؛ 
و عند بلوغك هذه النقطة يجب أن تكون قد توصلت إلى فهم ممتاز للمعنى الحقيقي للحياة و الكون و قدرك الحقيقي و بالتالي لوهم العالم المادي من منظور الحواسّ المادية الخمس.
 
و عند هذه النقطة تستطيع النفس الأعلى التي لها منفذ للوصول إلى المصادر الربانية اللا متناهية للكون و كذلك إلى الرابط الرباني مع المنبع أو العلة الأولى، أي الرب، مساعدتك في استحضار أي شيء تحتاجه أو ترغب فيه إلى حياتك، و سوف تقوم بنفس الوقت بإرشادك إلى الطريق الصحيحة بشأن ما أنت مقدم عليه، و على الأخص في ما إذا كان ذلك خطأً أم صواباً. 
و بعد أن تكون قد أسستَ لتواصل مع نفسك الأعلى فإنك تستطيع أيضاً أن تطلب الإرشاد و الإلهام و استحضار ما تريد بحق في حياتك.
و مع مرور الوقت سيصبح التواصل بينك و بين نفسك الأعلى متعة يومية و هي متعة سوف تتطلع إليها بشكل دائم.
 
 
هذه هي المظاهر المستمرة للتقدم الروحي. و كما أن تعلم الدروس في المدارس المادية أثناء الحياة عموماً يعتبر مسألة حيوية للتقدم في العالم المادي، فإن ذلك النشاط له نفس المغزى في العالمين الطيفي و الذهني. 
قد تكون الأحلام أحياناً على شكل "ما قبل المعرفية"؛ بعبارة أخرى قد تكون على شكل رؤية استشرافية للمستقبل تستطيع من خلالها استعراض حالة ربما تتمنّى أن تتجنبها و ذلك من خلال تغيير مسار مستقبلك. 
هذه المعلومات المستقبلة أثناء النوم يمكن أن تصل عبر أشكال أو صيغ مختلفة تتفاوت ما بين أحلام صارخة الوضوح و ذات سيناريوهات متنوعة، و ما بين صور لها دلالاتها الرمزية التي يتم تلقّيها عبر الحلم، فإنّ القدرة على تذكّر الحلم بشكل كامل في الصباح بعد الاستيقاظ مباشرة ة القيام تالياً بتحليلها و تفسيرها بعد ذلك ، تعتبر قيّمة إلى حد بعيد. 
 
و أما في حالات الأحلام ذات المستوى الأدنى حيث يكون النوم العميق ليس ذا صلة، فقد تتذكر أو تستحضر أحلاماً يتم استيلادها بواسطة عقلك الباطن، و قد تكون ذات فائدة قصوى في تفسير أفعال قام بها عقلك الباطن أو نفسك، و كذلك في تقديم حلول للتأثيرات التي يسعى عقلك الباطن إلى فرضها عليك.
إن إجراء اختبار للّاوعي يُعتبر ذا أهمية قصوى في تقرير طبيعة نتائج و تقدّم عملية التنبيل، كما ناقشناها في الفصل السابق.
بناء على ذلك يعتبر استحضار الأحلام تمريناً ذا قيمة قصوى و جديراً بالاهتمام. أما الفائدة الأخرى لاستحضار أو تذكّر الأحلام فهي أن أحلامك سوف تصبح باطّراد ، أكثر وضوحاً و أكثر تفاعلية.
 
                                الفصل الثامن بعد المائة
 
                                        تَدَفُّقُ الحياة
 
أن يتناغم المرء مع تدفق الحياة و كذلك مع الكون يعني أن يعيش في الروح و مع الروح. 
المنبع أو الكل أو الخالق الأعظم أو العلة الأولى، أي الرب، هو الكمال المطلق، و يتضمن كماله كل جانب من جوانب الكون بما فيها كل فرد من بني البشر.
 
يميل معظم الناس إلى توجيه حياتهم صوب هذه الوجهة المحددة أو تلك من خلال و سائل مادية؛ و غاباً ما تكون القوة الدافعة لذلك هي الإلحاح الذي لا يكل و لا يمل من قبل الأنا, و كذلك من قبل العقل الباطن، في الوقت الذي يتم تجاهل توجيهات و إرشادات الصوت الداخلي. 
صوتك الداخلي هو الرابط الرباني مع الكمال المطلق و مع نظام الكون، و الذي لا يجوز تجاهله. و يسمح العديد من الناس كذلك للأفكار السلبية بالسيطرة على وجودهم، و هذا الوضع يفسح المجال أمام تلك الأفكار لتعمل ضد كمال الكون و ذلك من خلال التأثير في الطاقة بصورة سلبية، و هذا سيتجلى بدوره على صورة حالات سلبية تتساوق مع قوانين الكون الراسخة و خصوصاً قانون التجاذب.
و كلما ازداد المرء في معدل تجاهله للإرشاد الكوني و الحكمة و التدفق الطبيعي للكون، ازداد معدل تأثيره السلبي على حياة ذلك الشخص، ما سيؤدي في نهاية المطاف إلى دوامة من السلبية و الحالات السلبية التي يتسبب بها انعدام التناغم في عملية تدفق التيارات الكونية.
 
أن تعرف أن الكون هو الكمال، و أن تعلم علم اليقين أن نفسك الأعلى مرتبطة بصورة دائمة بهذا النظام الكامل للكون، يعني أن تعرف أن كينونتك في الوجود هي بين أيد أمينة. 
و لذا فإنه من المهم جداً أن تدع بكامل الثقة المغلفة بالحب الخالص، الرب و نفسَك الأعلى يوجهان حياتك صوب الهدف الذي كنت دائماً تصبو إلى تحقيقه حتى قبل أن تبدأ تقمّصك هذه الحياة الحالية على الأرض.
 
أن تعيش اللحظة الحاضرة و تصغي دوماً إلى صوتك الداخلي و حدسك و توجيهك إلى ما فيه خيرك، يعني أن لا تدع أحداً أو أي شكّ يُثنيك عن اللحاق بتدفق حياتك. 
الانسياب مع تدفق الحياة و العيش على هديِ الروح لا يعني قيامك بذلك ضمن سياق حياتك و حسب، بل ضمن تدفق الطبيعة و بالتالي تدفق الكون برمته. 
كل ما في الكون له إيقاع طبيعي؛ لا مكان البتة لأي فوضى في نظام الكون المتسم بالكمال؛ و أنت موجود في التدفق اللا متناهي للكون، و أنت جزء من كماله، و كذلك من كمال الرب؛ و بالتالي، فإن انسيابك مع تدفق الحياة يعني أنك تعيش بتناغم مطلق مع الروح، و مع كل ما هو كائن.
 
 
                                  الفصل التاسع بعد المائة
 
                               احترام كافة أشكال الحياة
 
نعلم يقيناً أن كلاً منّا هو جزء لا يتجزأ من الكون أو المنبع، أي الرب.
لا شيء على الإطلاق، في هذا الكون اللا متناهي، أو في أيّ من فضاءاته من أعلاها إلى أدناها منفصل عن أي شيء آخر.
هذا ينطبق على كافة الكائنات، و كافة أشكال الطاقة و الحياة من دون استثناء. لا شيء يوجد خارج المنبع.
نحن نعلم أيضاً أن الكون هو طاقة على شكل ذبذبات؛ و بالتالي، فكل ما في الكون ما هو إلا جزء لا يتجزأ من نفس الطاقة و الذبذبات الحية و اللا متناهية؛ و عندما نعرف و نفهم هذه الحقائق على حقيقتها، فإن مثل هذه المعرفة تترتب عليها مسؤوليات في منتهى الأهمية؛ فكل ما نفعله لأي شيء أو لأي شخص، إنما نفعله لأنفسنا، و بالتالي، لكل شيء آخر بما في ذلك الكون و الرب أيضاً.
على كل منا أن يتأمل في مضمونات و عواقب هذه الحقيقة بكثير من التدبر لأن من شأن ذلك أن ينعكس إيجاباً على واقعنا.
 
كل ما في الكون هو جزء لا يتجزأ من كل منّا؛ و كل من يؤذي أو يقتل أي كائن حي أو نبتة، كبيراً كان أم صغيراً إنما يؤذي أو يقتل جزءاً منّا. هذه حقيقة هامة جداً على الجميع أن يستوعبوها.
الحياة المادية الواحدة ليست سوى لحظة زائلة في سياق الرحلة عل الدرب العظيمة، و لذا فإن الإنسان عندما يجنح لكي يكون عبداً للممتلكات المادية و يصبح بالفعل عبداً لها ، فإن هذا يمثل عجزاً منه عن استيعاب هذه الحقائق الكونية الأساسية.
و عندما تستوعب البشرية مضمونات هذه الأفعال و عدم جدواها أو عدم علاقتها بسياق الكون بمجمله أو بدرب التطور الفردي، حينها فقط يتوقف ذلك التدمير المرعب و غير الضروري، و تأخذ الأرض فرصتها كي تتعافى من هذا التدمير الممنهج.
 
غالباً ما يُطلق الناس على المخلوقات الصغيرة إسم "الهوام"، و هو مفهوم بشري مهين ناجم عن قصور كامل في الفهم و الاحترام لوضع كل مخلوق من المخلوقات أو كائن من الكائنات من دون استثناء، كبيراً كان وضعه في الكون أم صغيراً.
 
إن غياب هذا الفهم مردّه الأنانية المطلقة و المادية و متطلبات الأنا التي لا يمكن التحكم بها.
يُطلق على تلك المخلوقات إسم "الهوام" لأنها تعتبر متطفلة على الوجود المادي الأناني للبشر. 
هذه المخلوقات في واقع الأمر تسير على درب تطورها و تمارس وجودها الطبيعي في ظل نظام الكون العظيم؛ هذه المخلوقات تحيى حياتها و هي تسير على تلك الدرب، و لا تحاول مطلقًا أن تكون عدائية و ثأرية. 
و بالرغم من أن البشرية تعتبر نفسها لأسباب أنانية المسيطرةَ على كافة مظاهر الحياة على الأرض، إلا أن ذلك لا يؤهلها للتعامل مع الكائنات الأخرى، الحيوانية و النباتية، بوصفها أقل أهمية أو أقل قيمة؛ ذلك لأن لكل مخلوق من المخلوقات من دون استثناء دورَه الذي يؤديه في النظام الكوني العظيم.
 
لا بد من معرفة أنه بمعايير الكائنات المتطورة و المتقدمة في الفضاءات الداخلية ، تعتبر حياة البشر الذين يقيمون على كوكب الأرض، أكثر أشكال الحياة بدائية. 
البشرية بالنسبة إلى هذه الكائنات هي أكبر بقليل من كائن وحيد الخلية و لا يستطيع إلا بالكاد إجراء عمليات تفكير؛ و مع ذلك تنظر الكائنات الموجودة في الفضاءات الداخلية إلى الإنسان بعين الحب الخالص و تفعل كل ما بوسعها فعله للمساعدة في تقدم البشرية على تلك الدرب المقدسة.
إن سبر أغوار هذه القضايا و نتائجها من إفراط الإنسان على الأرض في تعامله مع النبات و الحيوات لإرضاء شهواته أو للتسلية و حسب، هو تمرين جدير جداً بالاهتمام. 
 
يجب أن يتمحور الأكل حول مسألة الحفاظ على حياة صحية و طبيعية و يجب أن يترافق هذا مع الاحترام الكامل للمخلوقات الحية الأخرى ، و كذلك البيئة. 
و من واجب كل إنسان أن يُرفقَ ما يفعله بكثير من الاحترام لكافة المخلوقات و للبيئة التي تجعل حياتنا في العالم المادي ممكنة، و نتشاطر بالتالي، بشكل متساو المسؤولية الجماعية تجاه كل شخص، و كل شيء في الكون.
 
                                              ●  غدا : الأربعاء الحلقة ( 24 ) و الأخيرة  من عرض وتلخيص  كتاب  ( حقيقتنا المطلقة )

عن صفحة الدكتور بهجت سليمان