Group 422
كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

الفن التشكيلي بعيون الأدباء.. عندما يتحدث روائي عن رسّام

د. ريم الإبراهيم- خاص فينكس:

 في بحث كتبه الروائي ميلان كونديرا بعنوان (الحركة العنيفة للرسّام: حول فرانسيس بيكون) - من ضمن البحوث التي تضمنّها كتابه (لقاء)-  يخبرنا عن ماورائيّات فنّ هذا الرسّام، الذي لطالما اقترن فنّه بكلمة (رعب)، ولكن أيّ نوع من الرعب كان؟ تحطُّ نظرةُ الرسّام على الوجه، مثل كفٍّ عنيفة ساعية للاستيلاء على جوهره، على تلك الجوهرة المخبوءة في الأعماق. بالتأكيد نحن لسنا متأكّدين من أن الأعماق تخبّئُ شيئًا بالفعل، لكن؛ ومهما يكن الأمر، فإنّ في كل واحد منّا تلك الحركة العنيفة، حركة الكفّ تلك، التي تدعك وجهَ الآخر، بأمل العثور فيه وخلفه على شيءٍ خبيء.لقاء ميلان كونديرا

أجود التعليقات التي قُدِّمت حول أعمال بيكون، قدّمها بيكون بنفسه في حوارين: حوار مع سيلفستر عام١٩٧٦، وحوار مع أرشيمبود عام١٩٩٢. وفي الحوارين معًا تحدّث بشغفٍ عن بيكاسو، وبالخصوص عن المرحلة الممتدة من ١٩٢٦ إلى ١٩٣٢. المرحلة التي يشعر أنه قريب منها، ففي هذه المرحلة يرى بيكون أن مجالًا قد انفتح ولم يكن" قد استُكشِف من قبل: شكلٌ عضويّ يتوافق مع الصورة الإنسانية، لكنّه تخريب كامل لها" ومع هذه المرحلة التجريدية القصيرة، يمكننا أن نقول بأن بيكاسو، في باقي أعماله، كان يحوّل بحركة خفيفة، بواعثَ الجسد الآدميّ إلى شكلٍ ثنائي الأبعاد وحرّ في أن لا يكون مشابِهًا لأصله.

إنّ المتعة اللعبيّة لبيكاسو، بالنسبة لبيكون، تُعقَب بالاندهاش(إن لم يكن بالرعب) من حالنا، من طبيعتنا الماديّة والفيزيقية. وأمام هذا الرعب، توضَع كفُّ الرسّام بحركة عنيفة على الجسد، على الوجه(بأمل العثور فيه وخلفه على شيء خبيء)، لكن ما الذي يختبئ هناك؟ (أناه)؟ بالطبع، كل البورتريهات التي رُسِمت عبر التاريخ كانت تتلهف للكشف عن(الأنا) المخبوءة لصاحب البورتريه. لكن بيكون كان يعيش في فترة زمنية أخذَت فيها(الأنا) تتكشّف في كل مكان. وبالفعل فإن تجربتنا الأكثر ابتذالًا تعلّمنا أن الوجوه تتشابه بشكل يدعو إلى الرّثاء، وأنها تختلف عن بعضها بشيءٍ ما غاية في الدقة، يُدرَك بالكاد ولا يشكّل، رياضيًّا من حيث نسبته، سوى ميلليمترات قليلة من الاختلاف.فرامسيس بيكون

 في أزمنة الشكّ هذه توضع كفّ الرسّام بحركة عنيفة على وجه موديلاته، ليعثر في مكان ما من أعماقها على(أنا)ها مختبئةً. في هذا البحث البيكونيّ، لا تفقد الأشكالُ الخاضعة للتحريف الكامل، ميّزتها بوصفها أعضاء حيّة تذكّر بوجودها الجسدي، محتفظةً على الدوام بمظهرها ثلاثيّ الأبعاد. فضلاً عن ذلك هي تشيه موديلها؛ لكن كيف لبورتريه أن يشبه الموديل الذي هو تحريف واعٍ له؟ بورتريهات بيكون هي أسئلة حول حدود ال(أنا). إلى أي درجةٍ من التحريف يبقى الفرد هو ذاته؟ إلى أي درجةٍ من التحريف يمكن لكائن محبوب أن يظلّ محبوبًا؟ كم من الوقت يبقى وجهٌ عزيزٌ معروفًا وهو ينأى في المرض والكراهية والجنون والمعاناة؟ ما هو الحدّ الذي تكفُّ الـ(انا) خلفَه عن أن تكون (أنا)؟.

يعمل بيكون، حيثما استطاع، على إتلاف معالم الطريق كي يضلّل الخبراء الذين يريدون اختزال معنى عمله في نزعة تشاؤمية: هو ينفر من استعمال كلمة (رعب) في الحديث عن فنّه، ويلحّ على الدور الذي تلعبه الصدفة في إبداعه. الصدفة التي تحدث أثناء اشتغاله: لطخة لون اعتباطية موضوعة، تعنيّ كليًّا، موضوعَ اللوحة نفسه. هل يريدون الحديث عن يأسه؟ ليكن، لكن بيكون يجيب على الفور أن الأمر يتعلق بحالة (يأس بهيج). إنّ عمق لوحاته بسيطٌ للغاية؛ لكن في الأمام، الأجساد مُشتَغَلٌ عليها بثراء ظاهر على مستوى الألوان كما على مستوى الأشكال.

ذلك أنّه من غير هذا الثراء (ثراء يفارق العمق عن السطح)، سيكون الجمال ضامرًا، وكأنه يخضع لحِمْية، في حين أن الأمر يتعلق بالنسبة لبيكون، دائمًا وقبل أي شيء، بالجمال، بعرض الجمال. " نلاحظ في لوحاته المعنونة بـ(دراسات حول الجسد البشري) حيث يعرّي الجسدَ الآدمي بوصفه(حادثة) بسيطة، حادثة كان من الممكن أن تكون على شاكلة أخرى، كأن تكون مثلًا: بثلاث أيادٍ، أو كأن تكون العينان على الركبتين. هذه هي اللوحات الوحيدة التي تملأني رعبًا. ليس الرعب الذي نعرفه، أقصد الرعب الناتج عن حماقات التاريخ وعن التعذيب والمجازر والمعاناة. لا.. يتعلّق الأمر عند بيكون بنوع آخر من الرعب، ناتج عن الطابع الحادِثِيّ للجسد البشري، وقد أزاح عنه الرسّام فجأةً القناع. القناع الذي سقط، وتركنا وحيدين تحت رحمة هذا الجسد.

هزيمة ميسلون وعوامل انهيار أول دولة عربية حديثة
الفنان التشكيلي الراحل "عايش الطحيمر": الفن ليس آلياً هو يعانق الفكر ويلامس رؤيته للوصول إلى إبداع متكامل ومنسجم
شوبنهاور فيلسوف الإرادة الذي عاش اضطرابات الكينونة
إشكالية العلاقة بين الشعر والنقد
رحيل المفكر المغربي "محمد سبيلا".. فيلسوف الحداثة النقدية
"العواقب" المختبر العشرون لطلاب الرقص... كائناتٌ عُصابية ترقصُ خوفَها!
مفاهيم ومعايير من عالم الكتابة (1): الكِتابَة والخَطُّ
اعتناق المنيّة ديناً
لينين عاشقاً.. كم "إينيسّا" غيّبها التاريخ الرسمي؟
دور الدراما في تمكين اللغة العربية الفصيحة ونشرها
وطنٌ جريح... نطاسي ماهر...
إحتفاءً بإنجاز الإستحقاق الدستوري.. كُتَّاب درعا يُحيون مهرجان "الوفاء الشعري" على مسرح دار الثقافة
مغامرون ورحالة وعلماء.. حول الاكتشاف الأثري لسوريا بين (القرنين 17 و21)
تل العشارنة في الغاب.. واحد من عشرين تلاً جعلت مدينة حماة أم التلال
وهم الحب في بعض الأدب