Group 422
كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

حين يتجنى الفن على الدولة.. "مسلسل الندم" بين الشكل والمضمون

تمّام علي بركات- فينكس- خاص:

تعيد قناة "سما الفضائية" بث مسلسل "الندم" لمؤلفه "حسن سامي يوسف" وإخراج الليث حجو؛ تم عرض المسلسل في عام 2016، وهو من بطولة مجموعة من نجوم الدراما المحلية، منهم "سلوم حداد/باسم ياخور/سمر سامي/جفرا يونس/رنا كرم/دانا مارديني/محمود نصر وغيرهم"

حصد المسلسل متابعة واسعة جماهيرياً، ويمكن القول إن شارة العمل الغنائية "قلبي علينا" التي غنتها "كارمن توكمه جي"، وهي من تأليف "عدنان العودة" وألحان "إياد الريماوي"، كانت من عناصر الجذب الأقوى والأهم في العمل، حتى أنها غدت من الأغاني الأكثر تداولا وحفظا واستماعا في الشارع السوري.

تم تناول العمل نقديا باحتفاء كبير من قبل الصحافة ومواقع التواصل الاجتماعي، خصوصا أنه جاء لامعاً كمسلسل محلي، وسط خفوت مدوٍ ومنذ مدة لا بأس بها لسوية معظم الأعمال الدرامية المحلية، والتي شهدت وتشهد تراجعا -ويمكن القول تدهوراً في بعض الحالات- كبيراً في المستوى الفني، لذا فإن "الندم" جاء ناضجاً على المستوى الفني: حكاية منضبطة بقواعد القص/ أداء جيد/ تصوير محترف/ إخراج ذكي/ موسيقا تصويرية منسجمة مع روح العمل؛ إلا أن الشكل العام ليس وحده ما يعني المشاهد، فما يحمله هذا الشكل من مضامين وما يريد أن يرسله من رسائل تستهدف وعي الجمهور ووجدانه، لا بد أن تُناقش من وجهة نظر بعيدة عن "الأوفرة" والمبالغات الرومانسية الحالمة، كالتي حصدها العمل، خصوصا وأنّ "الندم" تضمن على غير إشارة وترميز بحاجة لقراءة صحيحة أولا لمدلولاتها، ولنقاش في طبيعتها وصدقيتها تاليا.من شارة مسلسل الندم

يحكي "الندم" حكاية أسرة "أبو عبدو الغول"، المؤلفة من الزوجة، الأبن الأكبر "عبدو"، الأبن الثاني "سهيل"، الأبن الأصغر "عروة"، البنت الوحيدة "ندى"؛ وتم البناء الدرامي لكل شخصية منها على النحو التالي: أبو عبدو رجل عصامي، اعتمد على نفسه في أن يصبح رجلاً ثرياً وتقياً، وورعاً، إنه كالخليفة الرائع الذي لا ينفك يلقي بالملايين هنا وهناك، عشرات مشاهد الوضوء والصلاة، كان يكفي واحد منها لتبيان انتماء أبي عبدو الغول الأنثروبولوجي.

ابنه الكبير "عبدو" الذي ظهر أنه قريب من الجشع، فإذا به رجل عملي، وشهم، ولا يريد إلا أن يحفظ الأسرة، كما ابنه سهيل الذي كان على وشك أن يسرق، وامتنع عن ذلك كي لا يظهر بالشخصية نفسها في مسلسل "شجرة النارنج" –حسن سامي يوسف-سليم صبري-1989-، يتوقف فجأة عن السرقة، ويصبح حكيماً، ثم يختفي، وكل الإيحاءات بأنه شخص شرير التي جذبت انتباه المتلقي لبعض الوقت، وضحكت عليه، تلاشت فجأة، لقد غادر، الأبن الأصغر كاتب وصاحب مثُل وقيّم عليا، الأم سيدة نبيلة وفاضلة، البنت كذلك الأمر، قمة في المثالية والتربية الحميدة؛ هذه العائلة القمة في الأخلاق والمثل لا يمكن أن ترتكب الشر، فمن أين يأتي الشر الموجود في العمل؟!

حسب وقائع المسلسل الشرّ يأتي من ثلاث مؤسسات حكومية هي: أولاً المؤسسة الأمنية، فهؤلاء دون سبب اقتحموا منزل أبي هشام، واعتقلوا خطيب ابنته "هشام" وأهانوه، وأوقعوا نظارات أبي عبدو على الأرض، في انتحال ممجوج لسقوط نظارة عمر المختار بعد إعدامه في فيلم “عمر المختار”، إخراج مصطفى العقاد، وثانياً يأتي من الجيش، مرموزاً إليه بشخصية الشاب الذي اقتحم على الفتاة البريئة، ففعل بها ما فعل، وثالثاً من المؤسسة القانونية، أو الشرطة عبر الشخصية التي يؤديها “حسين عباس” الذي يوصل الإمداد للمسلحين، وهي إحدى مقولات العمل: إن الإرهاب تقوم به الشرطة، هذه المؤسسات الثلاث هي الدولة بالمعنى الدستوري السيادي، فالشرّ يأتي إذاً من الدولة.

المسلسل الذي جاءت عمليات مونتاجه وربما كتابة حلقاته الأخيرة، في أجواء الاقتتال بين فيلق “الرحمن” و”جيش الإسلام”، والذي هو في حقيقته اقتتال بين داعمي هؤلاء، يصر على أن الشر يأتي من الدولة! كيف ذلك؟ لقد قتل المسلحون الإرهابيون حينها من بعضهم البعض أكثر مما قتل منهم في أي معركة أخرى، ولكن "الندم" يريد أن يضع الوزر على الدولة، ولا يعترف بذلك، فالطبيب زوج بنت أبي عبدو يجد نفسه صدفة وفجأة مشرفاً على علاج خطيبها السابق، المعتقل بلا سبب، الأخير يطلب منه أن ينهي حياته، لكي ينهي آلامه، وهذا يساعده على ذلك، فتنتهي حياته، ماذا يعني ذلك؟ لقد اتُهم الطبيب بقتل المعارض، وهو لم يقتله بل “الحق على الأمن”، هذه إحدى مقولات العمل أيضا أي: “نحن نُتهم بقتل بعضنا البعض بسببك أيتها الدولة”.

مشاهد البؤس والهاون والنزوح عرضت ولكن دون الإشارة إلى أسبابها، كأنها من فعل الطبيعة، أو من مصادر الشر الثلاثة التي قدمها العمل في الشخصيات المعبّرة عن الدولة، طبعاً لا يمكن أن تلام الشركة المنتجة على ذلك، ولا الكاتب، ولا المخرج، فهؤلاء “بياعو تذاكر”، من يدفع يدخل، ويمارس كما يحلو له، ولكن اللوم على الرقابة المخترقة التي تبيع البلاد بعشرين “شيقل” من الفضة، والتي لا تدرك خطورة هذا الصراع، هنا نسأل هؤلاء سؤالاً: لولا هذه الدولة ماذا كان حالكم؟ الدولة التي إذا أنكرنا كل فضائلها، يكفي أنها لم تزل تؤمن كهرباء بأسعار شبه مجانية، والتي لولاها لما استطاع أبو عبدو في المشهد الأخير من المسلسل أو ربما المخرج أن يشعل أضواء الفيلا للحصول على لقطة جميلة، في اللحظات الأخيرة من المسلسل؟!

مسلسل "الندم" قدم فرجة درامية جيدة فنياً وهذا محسوم، أما لجهة المضمون وما يقوله، فهو لم يكن كذلك أبداً!

هزيمة ميسلون وعوامل انهيار أول دولة عربية حديثة
الفنان التشكيلي الراحل "عايش الطحيمر": الفن ليس آلياً هو يعانق الفكر ويلامس رؤيته للوصول إلى إبداع متكامل ومنسجم
شوبنهاور فيلسوف الإرادة الذي عاش اضطرابات الكينونة
إشكالية العلاقة بين الشعر والنقد
رحيل المفكر المغربي "محمد سبيلا".. فيلسوف الحداثة النقدية
"العواقب" المختبر العشرون لطلاب الرقص... كائناتٌ عُصابية ترقصُ خوفَها!
مفاهيم ومعايير من عالم الكتابة (1): الكِتابَة والخَطُّ
اعتناق المنيّة ديناً
لينين عاشقاً.. كم "إينيسّا" غيّبها التاريخ الرسمي؟
دور الدراما في تمكين اللغة العربية الفصيحة ونشرها
وطنٌ جريح... نطاسي ماهر...
إحتفاءً بإنجاز الإستحقاق الدستوري.. كُتَّاب درعا يُحيون مهرجان "الوفاء الشعري" على مسرح دار الثقافة
مغامرون ورحالة وعلماء.. حول الاكتشاف الأثري لسوريا بين (القرنين 17 و21)
تل العشارنة في الغاب.. واحد من عشرين تلاً جعلت مدينة حماة أم التلال
وهم الحب في بعض الأدب