Group 422
كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

مغامرون ورحالة وعلماء.. حول الاكتشاف الأثري لسوريا بين (القرنين 17 و21)

 كامل العامري- خاص فينكس: 

    "في سوريا، أرض العبور منذ آلاف السنين، تركت كل حضارة بصماتها وآلاف المواقع المدرجة هناك لا تزال شاهدة. ومع ذلك، لم يبدأ الأوروبيون في الاهتمام بهذه الآثار حتى نهاية القرن السابع عشر. إن وصف تدمر الذي وصفه القس هاليفاكس عام 1691، ومن ثم وصف "الأثاريان" روبرت وود وجيمس دوكينز عام 1751، وكذلك رواية رحلة ريتشارد بوكوك عام 1737، تعد المصدر الحقيقي للآثار السورية. وحتى منتصف القرن التاسع عشر، لم يتردد المغامرون والعلماء في المغامرة في مناطق غير مستكشفة، مثل حوران أو وادي الفرات." بهذه الكلمة قدم الناشر للكتاب.الاكتشاف الأثري لسورية كتاب

لقد جاء بعد الرحالة باحثون وعلماء آثار لدراسة هذا التراث الغني وإلقاء الضوء على تاريخ سيئ التوثيق. وأدى الانتداب الذي مارسته فرنسا على سوريا ولبنان بعد الحرب العالمية الأولى إلى افتتاح العديد من الورشات المتعلقة بعلم الآثار والنقوش االكتابية، والتي كان العديد منها نشطًا في العام 2011. في ذلك التاريخ، كانت هناك حوالي عشرين بعثة دولية تعمل على احياء وتقييم وإلقاء الضوء على تراث استثنائي. لكن الدمار الهائل والنهب الذي نتج عن عشر سنوات من الحرب تسببا منذ ذلك الحين بخسائر لا يمكن تعويضها.

تخبرنا المؤلفة آني سارتر فوريا في متن كتابها (مغامرون ورحالة وعلماء. حول الاكتشاف الأثري لسوريا بين (القرنين 17 و21) الذي صدر هذا العام 2021عن هذه المغامرة الأثرية الملونة واكتشافاتها الرئيسة منذ القرن السابع عشر: "هذا التراث الغني بشكل استثنائي، الذي يعود تاريخه إلى فجر الإنسانية، والذي كان هذا البلد حاضنا له، عانى منذ عام 2011 أكبر كارثة عرفناها منذ الحرب العالمية الثانية. دمرت الجيوش والمتعصبون الدينيون جميع المواقع ونهبها على نطاق واسع، مما أدى إلى القضاء على الآثار التي استمرت لآلاف السنين، وحرم وإلى الأبد، ليس فقط السوريين، ولكن أيضًا بقية العالم، من معرفة أجزاء كاملة من قصة كانت مشتركة بينهم."

ما الذي يمكن أن يبقى مرئيًا من العصور القديمة في سوريا والذي قد يجذب "السائح" إلى العصر الروماني؟ المصادر قليلة جدًا بحيث لا يمكن معرفتها بدقة، ولكن، على أي حال، لا شيء يمكن مقارنته بأثر اليونان أو مصر. فقد اختفت العديد من المواقع القديمة تحت الرواسب والرمال، وتفككت على السطح بسبب التعرية وبسبب أساليب البناء الطينية البدائية. نظرًا لأن مواقع العصر اليوناني غالبًا ما دمرت بسبب الزلازل، وحولتها عمليات إعادة البناء المتتالية إلى مدن جديدة. كان هذا هو الحال مع أنطاكية أو أفاميا (قلعة المضيق)، التي أعيد بناؤها باستمرار، حيث لم يبق الكثير من مناظر الماضي اليوناني الرائعة.

وهكذا ظل المرور عبر سوريا لفترة طويلة أكثر نفعية منه سياحيًا، وظل كذلك حتى القرن السابع عشر، على الرغم من الاهتمام الذي نشأ منذ القرن الرابع بالحج إلى الأماكن المقدسة حيث يمكن أن تؤدي طرقها، بعيدا عن الموانئ والمدن على ساحل البحر الأبيض المتوسط إلى حلب أو دمشق. لقد أصبحت سوريا أكثر نفعية منذ القرن السادس عشر فصاعدًا عندما أقامت القوى الغربية علاقات دبلوماسية مع الإمبراطورية العثمانية لأسباب سياسية ودينية واقتصادية. ثم بعثت كل من فرنسا، والإمبراطورية الرومانية المقدسة، ومدن إيطاليا، والبريطانيون، الدبلوماسيين والجواسيس والتجار إلى القسطنطينية ثم إلى حلب. ومع ذلك، فإن البعض منهم، من الرجال المثقفين، اهتم بآثار الماضي؛ هذه هي حالة الدبلوماسي البروسي أوجييه غيزلين فون بوسبيك، المتمركز في القسطنطينية بين عامي 1553 و 1558، والذي يعود له اكتشاف ونشر نص وصية أوغسطس  Res Gestae Divi Augusti، المحفورة على معبد أوغسطس في انسيرا (انقرة اليوم). كان محبًا كبيرًا للتحف الفنية، وربما كان أيضًا من أوائل الدبلوماسيين الذين ساهموا في إثراء المجموعات الملكية أو الخاصة بفضل مائتين وأربعين عملاً ومجموعات من النقود جلبها من مقر إقامته في في الإمبراطورية العثمانية.. بعد ذلك بقليل، في 1590، الصائغ الإيطالي اغاسبارو بالبي الذي أقام في حلب قبل مغادرته إلى الهند، والذي سبق في البحث عن الأحجار الكريمة التاجر الفرنسي جان بابتيست تافيرنييه الذي كان يتاجر بها لحساب مازارين ولويس الرابع عشر. في سرد رحلاته الست إلى الشرق بين عامي 1631 و 1644، توقف في كل مرة في حلب، حيث يصف ويعدد جميع البضائع التي يتم تبادلها هناك (الحرير، وشعر الماعز، والجوز، ولحاء البلوط المستخدم في دباغة الجلود والصابون، وما إلى ذلك.) وسط حشد عالمي من التجار من الشرق والغرب، الذين ترعى مصالحهم وحقوقهم القناصل من جنسياتهم. إن مرحلة حلب، كما يصفها تافيرنييه، ضرورية للغاية "للتخلص من متعلقات المرء وانتظار تجميع القافلة عندما لا يرغب المرء في الذهاب بمفرده مع دليل".

كان هذا التدفق للتجار المغامرين من القرن السادس عشر فصاعدًا هو الذي ساهم تدريجياً في اكتشاف سوريا وماضيها. لقد كان التجار الإنجليز بالفعل، الذين غادروا حلب عام 1678، أول تجار معروفين من الغرب ينجحون في الوصول إلى تدمر، وكانوا أيضًا تجارًا يذهبون إلى بلاد فارس وهم أول من وصف طريق وادي الفرات، وهو طريق أقل خطورة من طريق الصحراء. المحفوف بمخاطر تسليب القوافل وتهديد حياة المسافرين. ولكن لم تحل حتى نهاية القرن السابع عشر وخاصة القرن الثامن عشر حتى رأينا حقًا تطور الرحلات المخصصة حصريًا لاكتشاف المواقع الأثرية، إما من قبل رجال من الغرب الذين يطلق عليهم "الآثاريون"، أو نيابة عن الدبلوماسيين أو المبشرين. وعلى الرغم من ذلك، فإن بعض المناطق، التي يسهل استكشافها إلى حد ما يجب أن تنتظر قرنًا آخر قبل أن يتم التعرف عليها: هذه هي حالة جنوب سوريا حيث لم يصل المستكشف الحقيقي الأول حتى عام 1805.

بين منتصف القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وصل العلماء والآثاريون تدريجياً إلى سوريا لاكتشاف بقايا الماضي. هدفهم هو جرد ودراسة الثروات التراثية لهذا البلد التي شهدها وتعرف عليها الرحالة والمسافرون. هذه هي فترة المجموعة الأولى من النقوش، لبعثات التنقيب عن الآثار في شمال وجنوب سوريا من قبل علماء من أوروبا وأمريكا. ولكن الحرب العالمية الأولى أوقفت عمل عدد كبير من البعثات، وفي ظل الانتداب الفرنسي على سوريا ولبنان منذ عام 1920، أعيد إطلاق البحث، الذي أعدته ودعمته المؤسسات المسؤولة عن إدارته. وتزايد عمل علماء الآثار والمؤرخين، واستمر عدد كبير من المواقع التي افتُتحت خلال هذه الفترة بعد الاستقلال (عام 1946). في أعقاب النداء السوري، تم إرسال بعثات من دول أجنبية إلى هناك. مما أدى إلى استكشاف العديد من المواقع الأخرى وساعدت النتائج التي توصلوا إليها في تعزيز المعرفة بتاريخ سوريا الذي يمتد إلى آلاف السنين.

هذا الكتاب في ثلاثة أجزاء: الجزء الأول تحت عنوان (زمن المغامرين "االقدامى") وناقش في اربعة فصول -المغامرة تمر عبر تدمر، في الطريق إلى شمال سوريا ووادي الفرات، العودة إلى تدمر: وود، كاساس. ومغامرون آخرون، اكتشاف فضاء جديد: حوران في جنوب سوريا وتناول الجزء الثاني (عصر العلماء والاستكشافات العلمية)، ديمومة المغامرين ومن الاستكشاف الفردي إلى الرحلات الاستكشافية الجماعية. وكان الجزء الثالث تحت عنوان (علم الآثار في سوريا من الانتداب الفرنسي إلى الحرب الأهلية) وبحث في الانتداب الفرنسي وتنظيم الآثار في بلاد الشام وأهم المواقع الأثرية في سوريا تحت الانتداب وسوريا المستقلة وتطوير البحث والتقييم منذ عام 2011 والآفاق المستقبلية للبحث في سوريا. لينتهي بخلاصة: هي لتسليط الضوء على آلاف السنين من تاريخ سوريا والقرون التي استغرقها العثور على آثار ودراستها، من أول الرحالة الجريئين إلى آخر العلماء الذين ما زالوا يعملون في هذا البلد في عام 2011، كان هذا هو الهدف من هذا الكتاب، وقد تتخلله بعض العيوب بعدم ذكر بعض المواقع أو عدم وصف البعض الآخر بشكل كافٍ. والسبب ليس أنه هناك مواقع أو اكتشافات غير ذات أهمية، أو الاهتمام بها قليل، ولكن لا يمكن الاستشهاد بتفصيل كل موقع من المواقع الأثرية. لذلك كان تسليط الضوء على عدد قليل من المواقع الرئيسة، وأهم الرحالة والباحثين الذين ساهمت أعمالهم الطويلة الأمد في الكشف عن ماضي سوريا الغني وتجديد المعرفة بتاريخها. أدت الحفريات في ماري وإيبلا وأوغاريت - رأس شمرا، إلى جانب مواقع أخرى في وادي الفرات أو في وسط سوريا، إلى تغيير عميق في المعرفة حول الألفية الثالثة والثانية؛ عن تدمر في الفترة الرومانية ودورة أوروبوس في الفترة الهلنستية، ومع ذلك، فإن الدمار الهائل والنهب المنهجي في جميع المواقع يشير إلى مستقبل مظلم للغاية. ذهب جزء كامل من تاريخ سوريا والبشرية، وفي الوقت نفسه، تختفي إلى الأبد إمكانية الوصول إلى معرفة جديدة. لينتهي الكتاب إلى القول:" لم يكن بإمكاننا توقع حدوث مثل هذه الكارثة العلمية في عام 2011، والتي يتحمل المتطرفون والمتعصبون مسؤولية جنونهم وحدهم، لكن بالنظر إلى عشر سنوات من الحرب، لا يمكننا إلا أن نواجه الحقائق: ماذا كانت هذه آلاف السنين من التاريخ تعني لهم عندما كانوا قادرين على ذبح مئات الآلاف من الناس، وإجبار الملايين منهم، على النزوح والموت على الطرقات في المنفى؟

الكتاب: مغامرون ورحالة وعلماء- حول الاكتشاف الأثري لسوريا.

تأليف آني سارتر فوريا- 303 صفحة: إصدار24/6/2021