Group 422
كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

لينين عاشقاً.. كم "إينيسّا" غيّبها التاريخ الرسمي؟

أوس أحمد أسعد- خاص فينكس: 

هل يخضع الحبّ لمعايير الأيديولوجيا والسّياسة، كأن نقول : ثمّة حبّ يساري، علاقة "إينيسّا أرماند" البورجوازيّة الأصول، بالقائد البروليتاري البلشفي"لينين". أو حبّ يميني، علاقة "نابليون" القائد العسكري اليميني بـ "جوزفين" مثلاً؟. ويمكننا إضافة رموز أخرى كبيرة، إلى قافلة الرموز "الضّالة" بهذا المفهوم ، مثل "ماركس وزوجته ومديرة أعمال بيته" هيلين ديموث، وبالميرو توياتي وزوجته ريتا مونتانيانا وعشيقته ليونيلد يوتي التي شغلتْ منصب أوّل رئيسة في مجلس النّوّاب الإيطالي ، وكذلك أنطون غرامشي، والأخوات شُوخْت" إلخ.لينين عاشقاً كتاب

والسؤال الآن هو، ما الضّير في أن يكون الرّمز السياسيّ أو الدّينيّ عاشقاً؟ ولماذا التاريخ الرسمي يؤسطر رموزَه، وينمّطها في قالب أحادي الرؤية، بحيث تبدو متعالية ومنزّهة عن الشّهوات الجانبيّة؟ هل الحبّ مثلبة، أو وصمة عار، تقلّل من مكانته في صنع التاريخ، أو من الرّسوخ في ذاكرة الناس؟ ألا يكشف لنا التنقيب عن الوجه الآخر لأيّة ظاهرة أو سرديّة تاريخيّة، الجانب المعتم والمكمل، الذي لن تكتمل قراءتها بشكلٍ موضوعي إلّا من خلاله؟

أسئلة لن تنتهي، إلّا بكسر زجاجها الهشّ بحصى المعرفة والكشف. والمفارقة هنا، هي أنّ محور مقالتنا، هو رمز كبير يُفترض أنّ ثورته العالميّة قد ساهمتْ بإنزال التاريخ من طوباويّته إلى أرض الواقع ــ وفعلاً هي كانت كذلك في مرحلة ما من مراحل عمرها الفتيّ ــ ليصبح تاريخ الإنسان والشعوب المكافحة المسطّر بالدّم والتّضحيات المرّة. حيث لا دور للآلهة أو الخوارق الميثولوجيّة فيه. وكان "لينين" يسير بهدي المنهج الجدليّ العلمي وركيزتيه النّظريّتين: الماديّة التاريخيّة، والماديّة اليالكتيكيّة. لا بهدي الكتب السّماويّة. فلماذا الإصرار على التّقديس إذن؟.

قي كتابها "العشق السرّيّ، حكاية إينيسّا ولينين" ترجمة الدكتورة العراقيّة "أسماء غريب" إصدار "دار نينوى" دمشق 2017م " تُسلّط الكاتبة الإيطاليّة "ريتانا أرميني" الضّوء على هذا الجانب ـ الشّديد الإنسانيّة والحساسيّة ـ الذي أخفاه التّاريخ الرّسمي، من شخصيّة قائد الثورة البلشفيّة، 1917م " لينين" وقد التقطتْ ملامحه، كاميرا فيلم أرّخت لتلك اللحظات بتاريخ التاسع من تشرين الأوّل لعام 1920م ــ موجود في الأرشيف السوفييتي، وكُشف عنه فيما بعد ــ حيث بدا كعاشق مضطّرب الخُطى والملامح، وهو بغاية التأثّر، والدّموع تملأ عينيه، منتظراً في المحطّة جثمان "إينيسّا ه". هذا الجثمان الذي قطع رحلة استمرّت لمدّة ثمانية أيّام في القطار، قبل وصوله إلى موسكو. تلك المرأة التي أحبّته رغم كلّ شيء، وارتضتْ القيام بالمهمّة الخطيرة التي كلّفها بها في جبال القوقاز، رغم مرضها الشّديد، تقول الكاتبة: فوق عربة مغطاة بثوب أسود وأحمر يسافر تابوت يوجد بداخله جسد امرأة اسمها "إينيسّا أرماند" المرأة التي ينتظرها الرجل وحشده الصّغير من الناس... توقّف البعض من الناس، والبعض الآخر انضمّ إلى الموكب، فالرجل الذي كان يغالب دموعه ويترنّح من شدّة الحزن هو حقيقة "فلاديمير إيليتش لينين" زعيم البلاشفة ورئيس الاتحاد السوفييتي.

وهاهي شهادة تاريخيّة أخرى موثّقة، لإحدى أبرز نساء البلاشفة في تلك المرحلة، وهي المناضلة "أليكساندرا كولنتاي" تقول: (في ذاك الموكب الجنائزي، لم يكن باستطاعة أحد أن يتعرّف على لينين، لقد كان يمشي بعينين مغمضتين، لدرجة أنه كان يخيّل لنا أنّه سيقع صريعاً على الأرض بين الخطوة والأخرى).

وشهادة أخرى لـ"أنجيليكا بالابانوف"، وهي شخصيّة تاريخيّة معروفة لدى الحركة العماليّة الروسيّة والإيطاليّة على حدّ سواء، تقول: (لم يكن وجهه وحده يتألّم بشدّة ، بل كلّ كيانه ولا أحد كان يجرؤ على تحيّته ولو بمجرّد إشارة خفيفة من رأسه. لقد كان يظهر جليّاً للجميع أنّ "لينين" يريد أن يبقى مختلياً لوحده مع مأساته، وكان يبدو كما لو أنّه تقلّص فغطّتْ قبّعته وجهه بينما اخضلّتْ عيناه بالدموع التي طالما حاول عبثاً أن يحبسها في المآقي). وبتوجيه وقرار رسميّين منه دُفنتْ "إينيسّا" أمام أسوار الكرملين، وهي الأجنبيّة الوحيدة التي حازت على هذا الامتياز الفخري، ودُفن إلى جانبها بعد مرور أيّام قليلة، الصحفي الأمريكي "جون ريد" صاحب الكتاب الشهير "عشرة أيّام هزّت العالم".

تقول مترجمة الكتاب: "إينيسّا" ما هي سوى رمز لنساء قياديّات عديدات امتهنّ العمل السياسي وكرّسن حياتهنّ لقضاياه الحساسة دون أن يحظين بالتّقدير الكافي لعملهنّ، ولعلّ الكاتبة "ريتانا" تريد من خلال طرح الحكاية، التساؤل كم من إينيسّا ما زالت حاضرة بيننا، وإن كان يفصلنا عن زمن الثورة البلشفيّة العديد من السنوات،وكأنّ شيئاً لم يتغيّر ، وكأنّ الزمن ما زال واقفاً هناك. لقد كانت "إينيسّا" تجسّد البذرة التي تبرعم منها ما يسمّى اليوم بالفكر النّسوي، وفكر "الجندر" وما إليه من قضايا أخرى من قبيل أزمة الهويّة في النّظريّة النسويّة والمطالبة بصوت المرأة، ونظريّة السياسة الجنسيّة، وقد عانت من تهميش التاريخ الرسمي والسلطوي لها كثيراً.

وها نحن نلمس ذلك، من خلال كلمات المرشدة السياحية الصارمة المشرفة على البيت التاريخي الذي يخصّ "لينين" إذ أمسكت بيد الكاتبة، حين سألتها عن علاقة "لينين بإينسّا" وقادتها إلى غرفة "ناديجدا كروبسكايا" زوجة لينين ورفيقة نضاله، ثمّ فتحت خزانة ملابسها وأخرجت فستاناً وهي تقول: (أنظري كيف كانت فساتين زوجة زعيم الثورة، المرأة الأولى في روسيا، هذا الفستان كما ترين مرقّع لأكثر من مرّة.. لا وجود هنا للعشيقات ولا للفضائح، أنتم الغربيّون لا تهتمّون سوى بالشّائعات التافهة، وليس لي أمام هذا سوى أن أريكِ هذا الفستان حتى تعرفي من كانت المرأة الوحيدة التي كان يحبّها لينين حبّاً عمالياً اشتراكيّاً، ما لنا نحن وإينيسّا !).

حقيقةً، إنّ التاريخ السوفييتي،الستاليني تحديداً، لم يكن يسمح بتسرّب صورة لزعيم الثورة تظهره كخائن لزوجته، لا يهتم بقضايا الثورة ومنشغل بقصصه الغرامية البعيدة كلّ البعد عن الفكر العمّالي والثوريّ. لم تكن "إينيسّا" امرأة عاشقة عاديّة، بل كانت مثالاً للمرأة الثقة المثقفة والمستقلّة إقتصاديّاً. اعتمد عليها لينين كثيراً في المهام الصعبة، وكانت تتقن أربع لغات عالميّة. وتسلّمتْ مناصب قياديّة عالية في الحزب. وقد مكّنها وضعها الاقتصادي القويّ هذا من المساهمة في تمويل الحزب أيضاً، إضافة إلى أنّها كانت تعبّر عن رأيها بكامل الحريّة وتعارض إذا اقتضى الأمر ذلك بعض قرارات "لينين" الرئيس الأعلى للحزب. كما كانت من المساندات للحريّة في الحبّ، وتؤيّد مجموعة "بوجي" الكثيرة الانتقاد لزعيم الحزب. وقد كان لينين "يتقبل موقفها هذا، ويخاطبها بهدوء واحترام شديدين بصيغة الجمع، قائلاً: (أنصحُكُم بحذف الفقرة الثالثة التي تتحدّثون فيها عن مطلب الحرية في الحبّ لأنها لا تعني الفكر البروليتاري في شيء، وإنّما هي مجرّد مطلب بورجوازي).