Group 422
كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

"العواقب" المختبر العشرون لطلاب الرقص... كائناتٌ عُصابية ترقصُ خوفَها!

 جواد ديوب- خاص فينكس: 

أيُّ مختبر هذا؟ أيّ اختبارٍ للحواس والأنفاس والأبدان والعقول؟! إذ وضعنا طلاب قسم الرقص في المعهد العالي للفنون المسرحية (السنة الرابعة) عِبرَ عرضهم "العواقب/The Consequences" في مواجهة مباشرة مع أجسادنا التي نسيناها تحت غبار الإهمال، وأرواحِنا التي فقدت معنى السعادة، وعقولِنا التي تآكلتْ وخمدَ بريقُها في وحلِ العادة والعادات!فتح الصورة

طلابٌ/ راقصون استطاعَ المشرفُ عليهم "معتز ملاطية لي"- بدرايةٍ أكاديميّةٍ ومعرفةٍ قريبة بهم قُربَ الصديق من أصدقائه وبشغفِ راقصٍ قبل أن يكون أستاذاً، استطاعَ أن يجعلهم يوسّعون المدى بالتحليق، وينسجون عوالمَهم الجوّانية السرّانية بأقمار الأجساد، وشموس الأرواح، وكواكب البهجة، وليل المتعة.

ورغم البداية المتعثّرة لمشروع "نور علّوم" المعنوَن بـ"اغتراب" والذي لم يستنهض إمكانياتِ الراقصات (إيمار خربوطلي، صبا رعد، نور علّوم) لِما فيه من تشتّتٍ في صياغة الفكرة المراد إيصالها، وفقر في السينوغرافيا، إلا أن الأداء المتصاعد بدأَ يورّطنا أكثر في العوالم التي يصوغها الطلاب كما لو أنهم يَرقصون أمام مرآة ذواتهم؛ بصدقٍ وجرأةٍ وحيوية.

استنفارٌ أقصى لكلّ مسامة، لمِلحِ الجسد، التعرّقٍ، اللهيبِ، ذاكرةِ اليدين، حلمِ النهدين، بحرِ الغوايات، الشُحناتِ، الرطوبةِ... وحرارة الاختلاف.

قفزٌ وارتماءٌ في الفضاء، تنهّداتٌ، أنفاسٌ تتلاحق، همهماتٌ، حفيفٌ، دندنةٌ، وجيبُ قلوبٍ وأصداؤها المرتعشة، ارتحالٌ بالجسد نحو تخومه، بل توسيعٌ لهذه التخوم نحو لا نهائية المعنى وانفتاح الرؤيا، فهذه المرّة وفي نقلةٍ نوعية فيها شيءٌ من "أكروباتية" مدهشة تدلّت إحدى الراقصات على حلقةٍ كبيرة في الهواء (في مشروع سارة بيطار "فجوة") ثم أجادتْ في ضبط أنفاسنا مع كل حركة ونأمةٍ ومسامة ٍ من جسدها كما لو أنها- رغم ألمها وتوجّعها ولحظات خذلانها وهي ترتمي كخرقةٍ معلّقةٍ على تلك الحلقة- غوايةٌ لا تُطال، أو حلمٌ مشتهى، أو قمرٌ يُضيء ولا ينطفئ!

استفادةٌ قصوى من موجودات المكان: الأدراج، السلالم، الستائر، الممرات الجانبية، الكواليس التي اشتغل عليها الطلاب بذكاء سينوغرافيّ مميز (محمد زهيري، نورانا صالح، هادي الجواهري) إذ كنا نشاهدُ الجدارَ في عمق الخشبة ينفتح على عمق الكالوس الخلفيّ فتتكشّف لنا أجسادٌ ظلالٌ تتحرك هناك مثل قِططٍ في العتمة أو كما لو أنها كائناتٌ تنمو في الظلام مثل أشباحٍ فيّقتها عفاريتُها ودخلَ الجميع في حفلة أجسادٍ خائبةٍ، فبدت هذه البقعة الخلفية مثل طبقةٍ من طبقات النفوس المجنونة، فيما هنا في المقدمة- وفي اللحظة ذاتها- نشاهد أجساداً تتقنّعُ برعبها وهذاياناتها، شخوصاً تحاول أن تتحرر من قمعٍ وتسلّط يكاد أن يصيبَها بالشلل الجسدي والعطالة الفكرية والعطب الروحيّ.

هكذا- في مشروع الطالب "محسن العبدلله" المسمّى "هُم"، وفي "البقعة العمياء" مشروع الطالب "وحيد الخطيب"، وفي "فجوة" (مشروع سارة بيطار) وفي "طريف باتحاه واحد" للطالبة سدرة الحواصلي- قُدّمت أفكارٌ جريئةٌ، تورياتٌ، ترميزاتٌ واستعاراتٌ، ومجازاتٌ لا باللغة المكتوبة بل بالأجساد التي تُفكِّر، كأنّ الجسدَ لِباسُ الفكرة، أو كأنّ أفكارَ الطلاب "تتجسْدَنُ" و"تنخلِقُ" على هيئة لحمٍ ودمٍ وعَرَقٍ وعاطفة.

فالرابطُ بين مجمل مشاريع هذا "المختبر العشرون" هو الرُهابُ، الفصامُ، الارتعاشاتُ المحمومة، الارتكاساتُ، العُصابُ، التوترُ القلِقُ، الحركاتُ اللاإرادية، الصراخُ، الصرخاتٌ المكتومة، الهمهماتُ، البكاءُ المفزوع، الضحكُ الهستيريّ، والوقوعُ في مصيدةِ الخوف.. كـ"عواقبَ" لكبتٍ وقمعٍ وتسلّط (شاهدنا إحدى رمزياته في الكرسيّ الفخم الذي جلست عليه الراقصة إيمار خربوطلي كإحالة إلى هرميّةٍ تسلّطية تبدأ بالزعيم، الملك...ويمكن أن تصلَ حتى الزوج والزوجة أو العاشقة المتسلّطة التي يجلسُ عاشقها- كما مرّ في العرض- عند قدميها كما لو أنه كائنٌ أليفٌ خائف)، كل ذلك إذاً كـ"نتائج" لعاداتٍ مجتمعيةٍ مُطوَّبةٍ كدمغةٍ أبديّة لا تحول ولا تزول، بل يُهلّلُ لها ويُبارَكُ بها باسم الدِّين تارة أو بحكم الأعراف تارة أخرى كما في مشهد الاغتصاب أو "زواج القاصر" (مشروع شيرين الشوفي "مِن حُلّةٍ") حيث استطاعت الطالبة بالكريوغراف الذكي والاشتغالِ على مقدمةِ وعمق الخشبة أن تجعلنا في مواجهة لحظة اغتصاب الرجل للطفلة، فيما رفيقاتها يلعبن ويتضاحكن ويرسمن على اللوح أحلامَ شقاوتهنّ غير عارفاتٍ أو مدركاتٍ بشكلٍ مبهم مصير رفيقتهن المؤلم، بل منقسماتٍ بين من تلومَها وترمي في وجهها اتهاماً جارحاً: "هذا خطؤكِ...هذا خطؤكِ"، وبين اللواتي يهمسنَ برعبٍ من البعيد "هذا ليس خطأَها...هذا ليس خطأها".فتح الصورة

ولعلّ محاولات الطلاب تقديم كل ما لديهم من طاقة وحيوية وإمكانيات كامنة دفعة واحدة جعلَ بعض المشاهد "ممطوطةَ" زيادةً وموشومةً بالملل واستطالاتٍ كان يمكن اختزالها وتكثيفها بما يجعلنا نظلُّ ممسوكين من دهشتنا بدل أن تتفلّتَ للحظات متعةُ المشاهَدة المضبوطة على إيقاعاتِ إضاءة (نواف العطواني) وصخبِ موسيقا (عمر حواصلي، فارس الزراد، نارام راشد) أعداد موسيقي كان في معظم المشاريع مناسباً لأجواء القهر والتخبّط النفسي، والصراع مع الذات، والسير من "مجهولٍ إلى مجهول إلى مجهول"- كما ورد في تعريف "ثيمة" أحد المشاريع- دونَ "أن يرحمَ العقلُ نفسَه ويستسلمَ للنوم"، أو يستسلم لراحةٍ يتنفّس فيها ومعها هواءَ الانعتاق من قيودِه/قيودِ الآخرين!

بصيصُ الضوء الوحيد الذي التمعَ وسط هذا الجحيم من الأجساد المخنوقة هو فكرة "الحب"، في لحظاتٍ تقترب فيها تلك الكائناتُ الراقصة من بعضها لتُهدّئَ من رعبها، وتمسّد خوفَها، وتُقلّمَ مخالبَها، وتكشطَ حراشفها... لكنه حبٌّ هشٌّ سرعانَ ما يتخلخلُ ويتمزّق حين تدقُّ طبولُ الخوف وتُقرّعُ نواقيس الارتياب فتبلع الأرواح ريقها، وتتخامد الأجساد، ويسيطر الذهول!.

في كل مرة أشاهد مختبرات الطلاب أتساءَلُ: ما الجَسَدُ؟! وأجيبُ: الجسدُ ترابُ الشوق.. والرقصُ ماءُ اللقاء، وإنْ كانَ لا بدّ من الرقص؛ فليكن قمراً مكتملاً كما يُبدعه طلاب قسم الرقص في المعهد العالي للفنون المسرحية بدمشق.