استراحة ازميل

مع أنه كان متوقعاً، فقد جاء صاعقاً مثله مثل الخبر المفاجئ. على الأقل بحكم ما اتسم به فؤاد من حضور جميل وخصال إنسانية سامية تجعل رحيله قاسياً وموجعاً إلى أبعد حد.
بين حجارة البازلت البركانية السوداء التي تكسو جبل العرب تفتحت عينا فؤاد أبو عساف منتصف الستينات، ولم تمض سنوات كثيرة حتى صار اسمه مرتبطاً بهذه الحجارة الصلبة يطوع بإزميله البارع قسوتها فيحولها إلى أشكال لطيفة تنساب برشاقة في فضائها، مانحاً إياها مسحة من جمال بهيج. يبدأ من وجوه الصبايا الحالمات، و لا ينتهي عند أسماكه وطيوره وثيرانه وغزلانه، فبينهما عالم وفير من الأشكال والأشياء يلفها خيال ينساب في كلّ اتجاه، وبراعة عرفت كيف تطور براعتها، وكيف تحاور الحجر والخشب فيسمعنا أجمل الإيقاعات البصرية. وكيف نكتشف الجمال فيما اعتدنا رؤيته.
في نعيه كتب الصديق النحات غازي عانا:
هناك حيث يوثـّق البازلت... إيقاع الزمن!
أيها النحت ... من أين لك كلّ هذا الاشتهاء؟
قد تختزل تلك الكلمات سعة تجربة فؤاد التي تمتد جذورها في التراث النحتي الثري (الروماني والبيزنطي) الذي تحفل به محافظته السويداء، فيما أغصانها تشرع نحو المعرفة بكلّ رحابة عالمها الثقافي والإبداعي، لتترجم ذلك على طريقتها منحوتات تعبر العين لتستقر في بهجة الذاكرة وعمق التأمل.
بعد سنة واحدة من تخرجه من كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق أخذت منحوتات فؤاد أبو عساف طريقها إلى المعارض الرسمية، والأهم من ذلك أنها وصلت إلى غير المختصين، وحتى إلى غير المهتمين بالفن، فقد عرفت كيف تدهشهم، وكيف تجعلهم يهتمون بجمالها وبراعة إنجازها. ومن ثم كيف يتابعونها بشغف. لم يتحدث فؤاد كثيراً عن تجربته وفلسفته الجمالية ومفهومه لدور الفن، كانت إطلالاته الإعلامية نادرة للغاية، مع أن ثقافته الواسعة تؤهله ليقول الكثير، لكن لم يفعل وترك منحوتاته تحكي عن خياله الإبداعي الخصب، وعن براعته. وعن أفكاره تقدّم للمتلقي مفاتيح الولوج إليها. إن شاء (المتلقي) تجاوز جمال الشكل إلى عمق الفكرة.
رغم الساعات الطوال التي كان يمضيها في (مَنحَتِه)، والكلمة هنا مستعارة من الدكتورة نجاح العطار وستستعاد حين الحديث عن النحت السوري، رغم تلك الساعات، ومثيلتها في القراءة، لم يكن فؤاد منعزلاً عن الحياة الاجتماعية، وخاصة في جانبها التشكيلي، فنراه دوماً في معارض زملائه يحتفي بإبداعاتهم، وينثر اللطف والمحبة والبسمة، متجنباً أي ملاحظات تتلبس (الأستذة). وإلى ذلك شارك في العديد من مهرجانات وملتقيات النحت في سورية وخارجها. كان وله الفضل في تأسيس ملتقى السويداء الدولي للنحت عام 2008 لثلاث سنوات متتالية.
بين تخرجه من كلية الفنون الجميلة عام 1991 ورحيله المؤلم أمس ثلاثون سنة من العطاء الغزير المتوزعة إبداعاته في صالات ومنازل منتشرة في أكثر من اثنتي عشر دولة، غزارة تفوق ما يتوقع المرء، لكنه يترجم شغف فؤاد بالنحت والحياة. الشغف الذي دفعه لواجهة قسوة المرض، كما واجه قسوة الحجر.. حتى آخر لحظة ممكنة.
فؤاد أبو عساف.. لروحك سلام تستحقه.. ولذكراك الجميلة وإبداعك الأنيق دوام الحضور.
سعد القاسم
الثورة أون لاين