Group 422
كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

في إشكاليات النشاطات الثقافية: مقاربة تمهيدية في المسوغات والأهمية

د. محمد ابراهيم علي- خاص فينكس:

يبدو الحديث عن النشاطات الثقافية في ظل ظروف معيشية صعبة طيراناً خارج السرب، فالإنسان المحكوم بتأمين سبل عيشه يعرف أن الثقافة لا تُطعم خبزاً، ولكن، هل يعني ذلك نبذ الثقافة أو اعتزالها؟    

يرتبط مفهوم الثقافة بمجموعة من القيم والعقائد والمبادئ والسلوكيات التي تنظم حياة الناس في المجتمعات، فالثقافة إذن نمط حياة يعمل على تهيئة الفرد نفسياً وفكرياً واجتماعياً ليكون عضواً منسجماً وفاعلاً في المجتمع الذي ينتمي إليه، وهي أيضاً أسلوب ينتهجه المجتمع على سبيل الارتقاء الحضاري، إذ تمد الثقافة المجتمع بالأدوات اللازمة لاطّراد الحياة فيه على نحو حضاري ومتقدّم.

وتستقي الثقافة مصادرها من التراث الفكري والمعرفي للمجتمع عبر مراحل تطوره، وما يستتبع ذلك من مظاهر لغوية وفنية واجتماعية تتصل بهذا التراث من جهة صوناً للخصوصية الثقافي، وتنفتح على التفاعل الثقافي تجاه الآخر من جهة أخرى سعياً وراء مواكبة المتغيرات، فالثقافة – بمعناها العام – تعبّر عن كل مظاهر الإنجاز الفكري البشري، وهي سلوك واستمرارية وتراكم معرفي ينتقل من مرحلة تاريخية إلى أخرى على نحو يجمع بين الأصالة والمعاصرة.

وتُعدّ التنمية الثقافية ركناً مهماً من أركان التنمية البشرية التي تنهض على أسس اجتماعية وسياسية واقتصادية وثقافية متداخلة، فهي البنية الفوقية لأي مجتمع يتوخى النهوض، وبناءُ الإنسان ثقافياً شرطٌ لازمٌ لبناء المجتمع اقتصادياً وسياسياً، ولا يمكن تحقيق النهضة الحضارية بمظاهرها المختلفة قبل تحقيق التنمية الثقافية التي تُمركز دور الإنسان في هذا النهوض، فالثقافة هي عملية تنمية للنواحي الفكرية والاجتماعية والجمالية لدى الأفراد، وبها يصبح الطريق ممهداً أمام تنمية اجتماعية شاملة تتداخل فيها عوامل كثيرة ومتعددة ومختلفة.

وبناء على ذلك فإن بناء المجتمع يبدأ من بناء الإنسان، إذ يستمد الإنسان هويته الاجتماعية من المجتمع الذي يعيش فيه، والثقافة هي المعيار الذي تتحدد به هوية كل مجتمع بشري، لذا ينبغي الاهتمام بالتنمية الاجتماعية انطلاقاً من البعد الثقافي للإنسان, بالتوازي مع نهضة اقتصادية تعليمية تكاملية، إذ لا يمكن للنهضة الثقافية أن تُحدث التغيير المنشود في المجتمع إلا إذا ترافقت مع نهضة شاملة في بقية المجالات.

إذن, الثقافة فكرٌ مقترنٌ بسلوك, فهي التي تؤثر في سلوك الإنسان، وهي التي تُحدد أساليب التنشئة الاجتماعية للأطفال بما يضمن خلق جيل واعٍ يسهم في بناء مجتمعه وتطوره، كما أن الشباب هم الغاية والوسيلة لخطط التنمية في أي مجتمع، ويجب الاهتمام بتنمية ثقافتهم وتزويدهم بالمعارف والأفكار التي تساعدهم على تحديد أهدافهم وسبل تحقيقها بما يخدم المجتمع بشكل عام, فهم الفئة الغالبة القادرة على التغيير والتطوير انطلاقاً من سماتهم الشخصية والنفسية والاجتماعية.

وتُشكّل النشاطات الثقافية رافداً مهماً من روافد التنمية الثقافية والاجتماعية، لما تضطلع به من دور فعّال في تزويد الإنسان بمقومات التطور الفكري والمعرفي, فمن أهم خصائص الثقافة أنها مكتسبة، وتراكمية، وقابلة للانتقال والانتشار عبر وسائل وحوامل مختلفة، ومن الأهمية بمكان: تحديد هذه الحوامل بما يتناسب مع الفئات المستهدفة، وتقييم طبيعة الخطاب الثقافي بما يضمن نمواً اجتماعياً يستند إلى معطيات واقعية، والوقوف على تأثير النشاطات الثقافية في الواقع الاجتماعي.

تعوّل السياسة الثقافية الاستراتيجية على تفعيل أثر النشاطات الثقافية في تحقيق التنمية الاجتماعية، ولذا ينبغي دراسة أهم المعوقات التي تحول دون الوصول إلى الغاية المنشودة من هذه النشاطات، مع التركيز على مخرجاتها الإيجابية انطلاقاً من أهميتها في بناء شخصية الإنسان وإعداده ليكون أكثر فاعلية في محيطه الاجتماعي.

والحق أن النشاطات الثقافية في مجتمعنا عامة قاصرة عن النهوض بواجباتها لأسباب متعددة، ولذا ينبغي تحديد إشكاليات النشاطات الثقافية بغية الوصول إلى حلول ناجعة لتفعيل آثارها التنموية في المجتمع، وتحديد آليات لتحفيز جيل الشباب على حضور النشاطات الثقافية بشكل فاعل وحقيقي، وتحديد المضامين الهادفة للنشاطات الثقافية بما يتلاءم مع الواقع المعيش وسبل نهوضه، وتفعيل الاستفادة من مخرجات النشاطات الثقافية في عملية التوعية والتنوير لجيل الشباب. فأين نحن من هذا كلّه؟

يطول الحديث عن إشكاليات النشاطات الثقافية وقلة فاعليتها، ولا سيما الرسمية منها, على الرغم من النوايا الصادقة لبعض القائمين عليها, ولهذا الحديث وقفة متأنية قادمة، نقارب فيها الأسباب التي تتوزع بين نوعية النشاطات الثقافية ومضامينها، والمستوى العلمي أو المعرفي أو الأدبي للمشاركين فيها، والمستوى التنظيمي لها، واختيار الزمان والمكان المناسبين وطريقة الإعلان عنها، وتحديد الفئات المستهدفة التي تتوجه إليها، وغير ذلك من الأسباب التي تحول دون وصول هذه النشاطات إلى غايتها الحقيقية.

وبعد، يحتاج الواقع الثقافي إلى خطة استراتيجية لسياسة اجتماعية ثقافية تحقق التنمية المنشودة، وترقى بالمجتمع السوري إلى مستوى حضاري يليق بمكوناته البشرية المتنوعة، وتترافق مع سياسات اقتصادية وتنموية أخرى نخرج بها من حالة الحرب وآثارها السلبية الشاملة، لتنهض عملية التنمية الاجتماعية على أسس متكاملة تجمع بين تأمين حاجات الإنسان المعيشية والثقافية على حد سواء، فالحروب محك الشعوب, ولنا في تجارب المجتمعات الأخرى التي عانت ما عانيناه عبرة، لعلنا نبعث من الرماد الذي يحيط بنا حياة جديدة.