Group 422
كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

أذن فان غوخ.. و خمرة الندم لديك الجن الحمصي

مفيد عيسى أحمد - خاص فينكس:

من يشاهد صورة للوحة (غرفة  النوم ) لـ"فان غوخ"؛ يحسب أن هذه الغرفة يمكن أن تكون في الدويلعة أو المخيم، و ربما في (86) أو حي الورود، مع فارق بسيط  يجعلها أكثر ترفاً، و هو السرير الخشبي الذي كان من الصعب أن تجده في تلك الغرف، فغالبية أسرِّة تلك الغرف كانت معدنية، أو خشبية عتيقة.

الغريب أن غرفة الفنان لـ"غوخ" خلت من أي أداة تتعلق بعمله، أي شيء بدا على أنّ هذه الغرفة لرسّام، هي غرفة عادية كما أسلفنا، مفرداتها تدل على حركة توقفت؛ ربما للتو، فالفراش في السرير بوضع يوحي أن السرير كان مشغولاً و أن من كان يرقد فيه قد نهض منذ قليل.

الكرسيان بوضع غير متسق، بعيدان عن الطاولة، و النافذة في حالة إما بداية الفتح أو على وشك الإغلاق. اللوحات علقت بشكل متسق و في أغلب زوايا الغرفة، الملفت أن الغرفة بسيطة و  نظيفة،  و توحي بأن شاغلها شخص ذو استقرار نفسي  و رويَّة،  غرفة نوم فان غوخو هذا ما تشي به رسالة غوخ إلى أخيه (ثيو)، حيث قال " إنه تعمّد رسم الأشياء بدون ظلال حتى تبدو الغرفة وكأنها رسم ياباني. كما يبدو أنه أراد في مخيلته أن تكون غرفة نومه على الطراز الياباني.. بساطة الفراش وصفاء الألوان يجب أن توحي بالرّاحة والرّغبة في النّوم! والرغبة في الهدوء والتأمل كذلك.

لكن غوج لم يكن كذلك، ربما لأسباب عديدة، منها غرامياته الفاشلة، فكل حالات الحب التي مر بها انتهت دراماتيكياً، من حبه لابنة عمه (كيت) التي كانت أرملة، و لم تتجاوب معه ؛ بل صدته وغادرت إلى أمستردام. تكرر الأمر مع كلاسينا ماريا هورنيك، في لاهاي، وهي بائعة هوى مدمنة على الكحول. وأصبحت رفيقته، وعشيقته والموديل الخاص للوحاته.

و وقع غوخ في حب سيدة من بلده اسمها يوجيني لويز، عرض عليها الزواج و رفضت، مما أدى لإنهياره، و إلى وقوعه في حالة من العدمية، جعلته يلقي كل كتبه باستثناء الكتاب المقدس، وكرس حياته لله. وأصبح عصبيًّا وغاضبًا من الناس في العمل، وقال للعملاء ألّا يشتروا اللوحات، "فالفن عديم القيمة".

أما حبيبته التي أهدى إليها أذنه بعد أن قطعها، فتدعى (راشيل)؛ رغم أنه هناك رواية تقول أن (بول غوغان) هو من قطعها، أو أن غوخ قطعها في نوبة هياج عصبي إثر شجاره مع غوغان.

المهم أن غوخ لم يترك أذنه تذهب سدى، فقد غلفها بما يتاسب الهدية و ارسلها بطرد بريدي إلى راشيل، و لا نعرف ما هو موقف راشيل من الأمر، هل قبلت الهدية أم لا؟! و على مبدأ على الإنسان أن يهدي أفضل ما لديه، خاصة لمن يحب، هل كان أذن فان كوخ أفضل ما لديه؟ و لا بد هنا أن نذكر أن هناك رواية تقول أن غوخ لم يرسل لراشيل أذنه فقط؛ بل أرسل شيئاً آخر نأنف عن ذكره!!

على حد علمي ليس لدينا في التاريخ الفني و الأدبي العربي؛ من أهدى حبيبته عضواً من أعضائه، لكن لدينا من عاش تلك الحالة من الغراميات المتعددة و القلقة، و التي انتهت نهاية مأساوية.

فقد قضى ديك الجن فترة طويلة من حياته نهباً للملذات، كما تقول المصادر، فأدمن معاقرة الخمر ومطاردة الفتيات والنساء والغلمان، جرياً وراء اللذة المادية الجسدية، إلى أن التقى بالجارية  (ورد) و هي جارية نصرانية عصف به حبها، فأسلمت على يديه و تزوجها.  

بعد زواجه قصد مدينة السلمية للعمل بعد أن ضاقت به الحال،  و في غيابه أشاع ابن عمه الذي كان يكرهه أنَّ زوجة ديك الجن وقعت في حب فتى حمصي.

 وصل الخبر إلى ديك الجن،  فعاد إلى حمص، و يقال أن ابن عمه وظفّ رجالًا يستقبلونه عند وصوله إلى حمص ويؤكدون له ما سمع بطلاقها.

 لم يكتفِ ابن عمه بذلك، بل أرسل شخصاً، ليطرق بابه حال دخوله، ويخبره أنَّ اسمه فلان ويريد زوجته، وذلك في غمرة سؤال ديك الجن زوجته عن تلك القصة، وهي تكرر و تؤكد له أنها لا تعلم شيئاً عنها.ديك الجن

كانت الطامة الكبرى مجيء الفتى و قوله إنَّه فلان الذي سمع عنه، فانفجر ديك الجن غضباً، واستلَّ سيفه وقتلها، ولكنه بعد أن علم بحقيقة تلك القصة ندم كثيراً وحزن حزنًا كبيراً، وبقي شهراً يبكي عليها ولا يأكل إلا ما يقيم رمقه.

و يقول  بعض الرواة، أن ديك الجن قد عمد إلى إحراق جثة زوجته بعد قتلها، ثم صنع من رمادها كأساً لاحتساء خمرة الندم المر، و ذلك في محاولة غير مدركة، للحيلولة دون تسليم الجسد المعشوق إلى الفناء النهائي.

لن يفيد الندم، سوى أنه كان دافعاً لإبداع تلك القصائد التي نظمها ديك الجن، و لعل أجملها تلك القصيدة التي خرجت من مهجة الألم و التفجع:

يا طلعة طلَع الحِمَام عليها

وجنى لها ثمرَ الردى بيديها

أجريتُ سيفي في مجال خناقها

ومدامعي تجري على خدّيها

روّيتُ من دمها الثرى ولطالما

روّى الهوى شفتي من شفتيها

فوَحقّ نعليها وما وطئ الحصى

شيء أعزّ علي من نعليْها

ما كان قتليها لأني لم أكنْ

أخشى إذا هبّ الهواء عليها

لكنْ ضننتُ على العيون بحسنها

وأنفتُ من نظر الحسود إليها

تختلف حالة فان غوخ عن ديك الجن، لكنها تشترك معها بذلك القلق و الحالة العدمية التي تصيب المبدع إثر خيباته، و التي قد تنتهي نهاية كارثية، فغوج انتهى إلى الانتحار، أما ديك الجن فقد انتحر هو الآخر؛ لكنه انتحار مختلف، و قد يكون أعمق و أحدُّ ألماً، فهو انتحار دائم و على مر الوقت.