Group 422
كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

لا تعطوا ثقتكم لمن لا يبتسم أبداً

أوس أحمد أسعد- خاص فينكس:

هل يمكن أن تكون "النكتة" بما تتسم به من مقوّمات هزليّة مثيرة للضّحك، موضوعاً لمقالٍ يثير شهيّة القراءة في زمن المآسي والحروب الكبرى والسقوط المريع للأحلام المجتمعيّة والفرديّة إلى الحضيض، وبالتّحديد عند السوريّ ذي الشخصيّة والطّبع الجادّين، المشغول منذ الولادة بالقضايا الكبرى والمصيريّة والشّعارات المجنّحة؟!. يقول المرحوم "أبو علي ياسين" في كتابه "بيان الحدّ بين الجدّ واللعب": (أحد المثقفين الطّيبين سألني ماذا تكتب هذه الأيام؟ قلت: أؤلّف كتاباً عن النكتة ، صمت قليلاً وتململ في مجلسه ثم قال: أنت أكبر من أن تكتب عن النكتة ولم أجد في ذلك إطراءً، فهل أنا أكبر من الجاحظ؟). الغريب أنّه لو عاد الأمر لعامة مثقفينا الآن، لما تكلّم ولما كتب أحد إلّا في السياسة اليومية حصراً، ولكن، هل يوجد قول أو خطاب ثقافي- وكلّ قول و خطاب هو ثقافي بالضرورة- دون محمول إيديولوجي بالمعنى الواسع للمفهوم؟ ثمّة شكّ يتخلّل المسألة. وما المعيش سوى لحظات متداخلة الكثافة من المفارقات المدهشة بين المضحك المبكي والتراجيدي والكوميدي اللّذين يظلّلان بخيمتهما كلّ أيّامنا، وكلّ ما نقوم به من أفعال وسلوكيّات وما يترتّب عليها من نتائج سلبيّة أو إيجابيّة. فثمّة ضحك حياتي وضحك ثقافي، الأوّل هو المباشر اليومي أما الثاني فهو الضحك من الحياة المعاد تمثيلها، ليس من الحياة الأصل بل من المنسوخة، المقتبسة، المختلفة. ولدى جميع الناس حاجة وضرورة نفسية للضحك، كما يقول "أبو علي ياسين". لأنّه يتضمّن مقاومة الاكتئاب والخمول النفسي والإحباط وربما الانتقام المعنوي كما في حالة الضحك على الأعداء. يقول الكاتب "عامر فياض" بهذا الصّدد: "إنّ أشدّ الناس بؤساً وأسوأهم عيشةً وأقلّهم مالاً وأخلاهم يداً هم أكثر الناس نكتة، لكأنّ الطبيعة التي تدواي نفسها بنفسها رأت البؤس داءً فعالجته بالنكتة دواء".

للنكتة راويها الخاص الذي لا تستقيم الأمور إلّا على لسانه، ولها أسلوب أدائها المميّز، وثمّة ما يتعلّق بثقافة المتلقي أيضاً. ولعلّ أوّل مؤثرات وقعها هو ما تحدثه من صور وتداعيات هزليّة في ذهن المتلقّي، قد تكون مجرّد لفظيّة أحياناً، ومع ذلك تساهم بخلق مفارقة لحظيّة في الذهن بين الواقعي والمتخيّل تماماً كشأن هذه النكتة:( سُئِلَ أرمني، هل تعرف المتنبي، فقال: معلوم، بيعرفه، هادا شاعر عربي كبير بيقول، (بابور يمشي هيك هوا يمشي هيك) وكان يقصد قول المتنبي الشهير، ما كل ما يتمنى المرء يدركه.. الخ.

الكاتب الشهير "جورج أورويل" ينظر إلى النكتة من حيث الفعل والتأثير، واصفاً إياها بـ"الثورة الصغيرة" وهي في الحقيقةً كذلك، لأنها تغزرُ وتنتشر وقت الأزمات والاختناقات الاجتماعيّة. أمّا "فرويد" عالم النفس الشهير فيرى فيها، حالة تعويضية يلجأ من خلالها الشخص المكبوت إلى التعبير عمّا في داخله ، وبذلك تكون أشبه بصيحة غضب تنفيسية حُوصرت على أرض الواقع.

وللجاحظ رأيٌ يصبّ في هذا المنحى يقول: (والله لا تركت النادرة ولو قتلتني في الدنيا وأدخلتني النار في الآخرة). كماعُرف عن السياسي الفرنسي "مونترلان " قوله الشهير الذي يعكس البعد الجمالي للنكتة، يقول موجّها كلامه إلى الناخبين الفرنسيين: "يجب ألّا تعطوا ثقتكم لمن لا يبتسموا أبداً".

ليس فقط الرمز الثقافي والسياسي من يستسيغ النكتة وحسب، بل والرمز الديني أيضاً، نراه يشرّع لها موضحاً فوائد الضّحك وآثاره الإيجابيّة على النّفس، يقول النبي محمد/ روّحوا القلوب ساعة بعد ساعة فإن القلوب إذا كلّت عُميتْ/. ولـ "ابن عبد ربه" قوله في هذا المنحى: (إنّ يوحنّا وشمعون كانا من الحواريين، كان يوحنّا لا يجلس مجلساً إلا ضحك وأضحك من حوله وكان شمعون لا يجلس مجلساً إلا بكى وأبكى من حوله فأوحى الله للمسيح إن أحبّ السّيرتين إليِّ سيرة يوحنّا).

لم تترك النكتة جانباً من جوانب الحياة إلّا ولامسته، بل واستطاعت بزئبقيّتها وسلاستها تجاوز الخطوط الحمراء والتّابوات جميعاً السياسيّة والاجتماعيّة والدينيّة. فرواتها ومنتجوها لهم حرية التجوال في مساحات شاسعة، من وراء ظهر الرقابات، بل وأمام أعينها أيضاً. وقد يكونوا مجهولين بأحيان كثيرة. فما أن تنطلق نكتة ما من مصدر شخصي أو اعتباري حتى تنتشر انتشار النار في الهشيم. وخاصّة تلك التي تلامس هموم الناس وتطلعاتهم. فجذورها دوماً تلتصق بالواقع، وهذا ما يؤكّده شدّة إقبال الناس على تلقّيها جهاراً أوهمساً. وللنكتة السياسية ارتباط مباشر بالاختناقات السياسيّة والأزمات الاقتصاديّة تحديداً. يقول الدكتور /حسن محمد/ في كتابه "مقدمة في علم التفاوض الاجتماعي والسياسي": إنّ السادات كان يردّد أن الله قد أرسل الأنبياء إلى الشعوب حول مصر، ولم يرسل إلى شعب مصر. ولكنه حين قرر إرسال أحدهم فقد وجّهه إلى حاكم مصر لا إلى شعبها، وحتى في هذه الحالة النادرة، فقد زوّده بتعليمات صارمة في كيفيّة التخاطب المهذّب مع حاكم مصر. تمثّل بقوله لموسى: (اذهب إلى فرعون إنّه طغى وقل له قولا ليِّنا)، ومن هنا كان السادات يستغرب كيف تكون التعليمات الإلهية إلى موسى في طريقة التخاطب وهو من أقوى الأنبياء، ثم يأتي المثقفون ويتحدّثون معه أو عنه بلا تبجيل وبكلام غير مناسب .

كذلك كان شأن الكاريكاتير المقاوم ببعده الوطني كحالة صراع مع العدو، على يد الفنّان الفلسطيني الشّهيد "ناجي العلي" بخصوصيّة شاهده "حنظلة" الذي يعكس صورة الإنسان العربي المهمّش والمقموع والمغترب عن ذاته ووطنه: ( قال القارئ حنظلة للمثقف الوطني المنهمك في الكتابة: مقالك اليوم عن الديمقراطية أعجبني كثيراً، شو عم تكتب لبكرا، فأجابه بهدوء: عم اكتب وصيتي".

هكذا هي النكتة بمظهرها البريء المخادع القائم على السخرية، وخلق المفارقة، ترتكز على تعميق إحساسنا بالمتنافرات، وتشحذ مواطن الجمال لدينا، تضحكنا حيناً وقد تبكينا حيناً, تفرغ احتقاننا وتمتحن ذكاءنا حسب مقدرة راويها ومهارة أدائه وثقافة المتلقّي واستعداده للالتقاط. ولعلّ هذا الوجه المقاوم للنكتة هو الأمضى كسلاح أدبيّ وثقاقيّ يندرج ضمن أساليب الحرب النفسية مع الآخر ومحاولة شحذ أقصى الطاقات لدى الرأي العام تجاهه. لدرجة جعلتْ الرئيس المصري "حسني مبارك" يقول في أحد خطاباته: "كفاية نكت".

في الختام سنسرد ثلاث نكات تلخّص ما أسلفنا قوله هي: (سألوا عربيّاً: كم مرّة يروي المواطن النكتة الواحدة، قال: ثلاث مرات، مرةً لأصدقائه، ومرة عند استجوابه، ومرة لرفاقه في السجن.

سأل المسؤول أحد المدراء: (كيف حال الشعب بعد ما غلّينا العيش فجاوبه: يا سيدي والله بياكل زفت فقال له: طيّب غلّو الزفت).

أحد المسؤولين كان يستعرض جنوده فوقف أمام أحدهم وسأله، ما اسمك؟ فقال: عبد الجبار يا سيدي، وما الذي تمسك به أجابه: بندقّيتي يا سيدي، فردّ المسؤول: ليست بندقيّتك، بل شرفك وعرضك وزوجتك، ثم انتقل إلى الجندي الآخر وسأله عن اسمه فأجاب: كامل يا سيدي. وما هذا الذي بيدك؟ فقال: زوجة عبد الجبار يا سيدي .