Group 422
كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

"نبيل المالح" الحياة كما لو أنها شريط سينما

تمّام علي بركات - خاص فينكس:

مرت منذ عدة أيام الذكرى الـ 85 لولادة المخرج السينمائي السوري الراحل "نبيل المالح"1936-2016، المخرج الذي قدم خلال مسيرته الفنية في عالم السينما، شكلاً ومضموناً جديداً ومختلفاً في هذا المجال، ضمن السينما المحلية، وهي مناسبة لاستذكار ما يمكن المرور عليه، من الفرادة الفنية السينمائية، التي صبغت نتاجه السينمائي. 

"السينما عبارة عن اكتشافات وهي مغامرة للبحث في اللغة والشكل السينمائي" هكذا عرّف المخرج السوري الكبير نبيل المالح السينما، وهكذا قدمها في أفلامه التي صنعها بروحه أولاً، فكانت هذه الأفلام من الناس؛ وعن الناس وفازت بعواطفهم وبتصفيقهم طويلا.

مسيرة فنية متنوعة، شاقة وهامة خاض غمارها "المالح" بعد أن غيرت صدفة عابرة مجرى هذا النهر السوري، فالشاب الذي سافر إلى براغ لدراسة الفيزياء النووية، سحرته السينما وعوالمها الخلابة، عندما اكتشف هذا العالم الشيق من خلال دور صغير "كومبارس" أداه في إحدى الأفلام التشيكية، لتصبح دراسة السينما هي هاجسه وليترجم هذا الهاجس بالعديد من الأفلام الروائية الطويلة، التي غطت شهرتها الواسعة التي حازتها على إبداعه في مجال الأفلام الوثائقية والقصيرة التي صنعها نبيل المالح بكثير من الحب والشغف.

سيلاحظ من تابع الأفلام السينمائية الروائية الطويلة، التي أخرجها المالح وكتب بعضها "الفهد 1972- بقايا صور 1973، غوار جيمس بوند1974، السيد التقدمي 1974، العندليب عام 1975، الكومبارس عام 1993" أنه لم يسقط الجمهور من حساباته في سينماه ولم يترفع عنه، كما حصل مع العديد من المخرجين السوريين من معاصريه ومن تلاهم، بعد أن صارت أفلامهم تصنع لتلائم المزاج الفني والأيديولوجي لهذا المهرجان أو ذاك.

 فالمالح يدرك بحسه الإنساني أولا أن فيلماً سينمائيا لا يشد الجمهور ولا يقدم له قصة واضحة ومشغولة بحرفية، هو فيلم ساقط فنياً عدا عن كونه غريباً عن حال المجتمع الذي ينهل من حكاياه بحلوها ومرها، لذا جاءت الأفلام التي حققها لتحتفي بالناس عموماً، بالبسطاء منهم والهامشيين، بقضاياهم البسيطة وهمومهم الصغيرة، جاءت لتفرحهم وتضحكهم، لتحزنهم وتهز وجدانهم، لتستثير مشاعرهم وتحرك عواطفهم ورغباتهم، وهذا ما جعل من أفلام نبيل المالح تطير لتحصد العديد من الجوائز العالمية التي جرت هي خلفه دون حتى أن يعنيه الأمر، حتى أن النقاد السينمائيين "محليين-عرب- عالميين" اعتبروا أن أفلامه ساهمت بشكل كبير في صناعة هوية السينما السورية، وفي أحدى أهم الجامعات الأمريكية التي تعنى بتدريس السينما، كان فيلم "الكومبارس" تأليفه وإخراجه، هو واحد من فيلمين سوريين اعتبرا الأهم ليس في تاريخ السينما السورية فقط بل والعربية أيضا.

 الفيلم يدرس في المقرر التدريسي لهذه الجامعة، خصوصاً وأنه أي "الكومبارس" قدم شرطا فنيا سينمائيا صعباً وبرع في اللعب ضمن مساحته الضيقة ومكانه الثابت "سينما الكادر الواحد" حيث سيكون الحوار وأداء الممثل هما العاملان الأهم في تقديم هذه الفرجة السينمائية الطويلة التي لا تغير مشهدها، وكم كانت النتيجة بارعة ومذهلة إن كان في الحوار الذي جمع كل من "بسام كوسا" و"سمر سامي" في غرفة واحدة أو في أدائهما العالي، الذي رسم خطواته المالح بمهارة وبراعة قل نظيرها في السينما السورية.

الفيلم الذي كتبه "المالح" وهو يراجع شريط حياته الفنية، يعالج مشكلة شاب فقير (سالم) يحب امرأة أرملة، ولا يجد مكانا يعيشان فيه، بينما صديقه الغني يعيش في ترف ولهو، يحاول الغني مساعدة صديقه العاشق الفقير وتتصاعد الأحداث. يجد سالم نفسه في خلوة مع الأرملة، وهو ما كان يسعى إليه. ولكن رغباتهما لا تجد سبيلها إلى التحقق، إذ يتبين أن المكان ليس هو العائق الرئيسي الذي يمنعنا من التواصل مع من نحب. حيث عمل "الكومبارس" على الاقتراب من عالم الهامشيين، من خلال الخلية الأصغر في التكوين الاجتماعي والتي أساسها الرجل والمرأة ويكشف من خلالهما مدى حضورهما كبشر لهما الحق في الحب والكرامة والحلم، وكان أن حاز فيلم "الكومبارس" على عدة جوائز منها جائزة أفضل مخرج في مهرجان القاهرة السينمائي وجائزة أفضل سيناريو في مهرجان فالنسيا وجائزتي أفضل ممثل وأفضل ممثلة في بيينالي السينما العربية.

واحد من أقسى الأخبار التي وردت وترد من بريد وجع السوريين في ديار الغربة، هو نبأ وفاة مبدع سوري وحيداً في ليل الغربة الطويل، وهذا ما حدث مع "نبيل المالح" الذي مات بعيداً عن البلاد التي عرف بها أنفاسه الأولى وحبه الأول، وأول ما يختبره الفتى وهو يشب عن طوق الأيام، ليكون لقاءه الأول بالموت، لقاء لا ندية فيه ولا روح، فلا الهواء الأول الذي تنفسه ولا الأصوات الصاخبة التي هللت لمجيئه ولا الأيادي التي تناقلته وسمته وسمت عليه، كانت معه في هذا اللقاء الذي تلاه ذهاب لا عودة منه.