Group 422
كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

خلاف «المحمّدَين»: في البدء كانت قطر

في صُلب الخلاف السعودي - الإماراتي، تقع قطر. المعادلة بسيطة: تقارُب السعودية مع قطر، كما هو حاصل اليوم، يعني، خوارزمياً، تباعُدها مع الإمارات. تباعدٌ من شأنه، إذا ما استمرّ، أن يعيد تشكيل العلاقات في الخليج، حيث تبدو كلّ المصالحات ممكنة، إلّا المصالحة بين أبو ظبي والدوحة، فيما لا يبدو أن أحداً مستعدّ لمجرّد تجشّم عناء المحاولة بينهما

عند الحديث عن الخلافات بين الدول الخليجية، الكثيرة هذه الأيام، تماماً كما حين التطرّق إلى المصالحات، ثمّة مُحرّك محوري في كلا الحالين، هو سعي الأنظمة الخليجية للحفاظ على رقابها في هذه الفترة التي تواجه فيها تهديدات داخلية وخارجية، في رحلة عبور عدد منها مرحلة انتقالية، تشمل تغيّرات في السلطة.

فلسفة الحكم في الدول الخليجية كانت في ما مضى واحدة وبسيطة، تقوم على الولاء الذي يدين به الرعايا لأُسر الحُكم، مقابل مستوى معيشة لائق تُوفّره الثروة للجميع. معادلةٌ دائماً ما تلازمت مع ضمانات غربية لاستقرار الأنظمة. لكنّ الركيزتَين كلتيهما تعرّضتا للاهتزاز؛ فما طرأ على البلدان العربية في مطلع العشرية الماضية، جلب معه تهديدات، استدعت من دول الخليج الخروج من حدودها لمواجهتها، عند المنبع، قبل أن تصل إلى المصبّ، ما رتّب ارتفاعاً هائلاً في الإنفاق على مشتريات السلاح وتمويل الحروب خارج الحدود، فضلاً عن تضخّم بنود الإنفاق الجاري في الموازنات، كتلك التي تشمل الرواتب والتقديمات إرضاءً للرعايا، ما أوصل، مع الفساد وتراجع أسعار النفط لفترات طويلة، غالبية دول الخليج إلى أزمات اقتصادية عميقة. كذلك، تراجعت الحماية الغربية، لأن الغرب ما عاد يجد ما يستأهل المخاطرة بجنوده من أجله، ناهيك عن إدراكه أنه إذا كان بالإمكان التفكير في الحماية المدفوعة الأجر للأنظمة من تهديدات خارجية، فإن حمايتها من شعوبها أكثر كلفة عليه بكثير.

لا خلافات عقائدية جوهرية بين الخليجيين من النوع الذي يجعل الأنظمة تُمثّل تهديداً إيديولوجياً بعضها لبعض. لا مشاريع لدى أيّ من دول الخليج لمحو الحدود، على رغم الخلافات الحدودية، ولا لتغيير طبيعة النظام في الدولة الأخرى. الخلافات تتركّز على نقطة واحدة تتمثّل في التنافس على النفوذ من أجل ضمان البقاء. وأمام هدف كهذا، تُمحى كلّ أنواع المبادئ، فلا تعود إسرائيل عدواً، بل يمكن أن تصير أقرب الحلفاء، إذا اقتضت مصلحة النظام، وهو ما يتجلّى في حال الإمارات.

وليس الخلاف الرئيس بين الدول الخليجية، الذي يدور حول ملفّ «الإخوان المسلمين»، خلافاً إيديولوجياً كما قد يبدو. فالنظام القطري لا يتبنّى إيديولوجياً «الإخوان»، بل يعتبر أن مصلحته السياسية تقتضي احتضانهم، لا اضطهادهم. وهو خيارٌ يتبيّن بعد مرور زمن كافٍ على إخضاعه لتجربة حقيقية، أنه لم يكن خاسراً تماماً؛ فالنظام القطري مرتاح أكثر من غيره من الأنظمة الخليجية، كما أنه أكثر انسجاماً مع واقعه الداخلي وواقع محيطه، والأهمّ أنه، بالنسبة والتناسب، صاحب دور وتأثير. و»الإخوان» أنفسهم، وعلى رغم كونهم جماعة إيديولوجية، يتمتّعون بما يكفي من «البراغماتية» للتحالف مع مَن يمدّ لهم يد المساعدة، ومنفتحون على مساومات قد تضع الكثير من مبادئهم على الرفّ، إلى حين.

أساس الخلاف بين قطر والإمارات، هو أن الإمارات أقامت دورها على أن تكون مركزاً تجارياً ومطاراً وميناء وسوقاً حرّة على المستوى العالمي، مع ما يقتضيه ذلك من تساهل في التعامل مع ممارسات الأفراد، أقلّه الأجانب، وهم 90 في المئة من سكّان البلد، وإفساح في المجال أمام حرّيات شخصية واسعة قد لا تتوافق مع عادات أهل البلد الذين ما زالوا، على رغم ما تَقدّم، محافظين تماماً، ويمارسون شعائرهم الدينية وعاداتهم القبلية. بهذا المعنى، يُمثّل «الإخوان»، بالفعل، تهديداً للحُكم في الإمارات، كما تُمثّل قطر تهديداً له بصفتها حاضنة للجماعة، خاصة أن معظم المعارضين الإماراتيين ينتمون إلى «الإخوان» .

بالنتيجة، قطبا الخلاف الحقيقي في الخليج هما الإمارات وقطر. ولذا، فإن قطر تقع في جوهر الخلاف السعودي - الإماراتي، وفق معادلة أن أيّ تقارب سعودي مع قطر يؤدي بالضرورة إلى تباعد سعودي مع الإمارات، والعكس صحيح. والخلاف السعودي - الإماراتي هو بحدّ ذاته مكسب لقطر، يضاف إلى تجاوزها أزمة المقاطعة، بعد مصالحة «قمة العلا» الخليجية، والتي تحقّقت من دون تنفيذ أيّ من شروط دول المقاطعة. واللافت أن كثيراً من السعوديين والعرب هلّلوا علناً للخلاف السعودي - الإماراتي، واعتبروه «بُشرى خير»، لأنه يعني بالنسبة إليهم ابتعاد الرياض، ولو مرحلياً، عن الخيارات الخطرة المتمثّلة في التطبيع مع دولة الاحتلال والمساهمة في محاولات تصفية القضية الفلسطينية، لما للمملكة من ثقل في العالمين العربي والإسلامي، ولا سيما في ضوء ارتماء الإمارات في أحضان إسرائيل. وفي هذا الكثير من الحقيقة، لأن المشروع الذي انخرط فيه محمد بن سلمان ومحمد بن زايد مع دونالد ترامب، هو المشروع المعاكس لمشروع باراك أوباما في شأن حكم «الإخوان»، ولو كان المشروعان كلاهما تحت السقف الأميركي، مع فارق أن الأول تلعب فيه إسرائيل الدور الأكبر. وإذا كان الأول قد أسقط الثاني بإطاحة حكم «الإخوان» في مصر، فالخلاف السعودي – الإماراتي إذا استمرّ، معطوفاً على المصالحة السعودية – القطرية إن ترسّخت، يعني أن الثاني أسقط الأول أيضاً، من دون أن يحلّ محله. ولذا، عندما يكون ثمّة خلاف سعودي - إماراتي، يتركّز الهجوم الإماراتي على قطر، لا على السعودية. أمّا مخاطبة الإمارات للسعودية، والتي تجري بشكل غير مباشر عبر «الذباب الإلكتروني»، فتأخذ شكل العتب وليس الهجوم.

لعلّ قصة المعارِضة الإماراتية الراحلة، آلاء الصديق، تسلّط ضوءاً على عمق الخلاف الإماراتي - القطري. آلاء غادرت بلادها إلى قطر في عام 2011، ملتحقة بزوجها المعارض الإماراتي، عبد الرحمن باجبير. على إثر ذلك، أوفد محمد بن زايد ممثّليه، مرّتين، إلى الدوحة للطلب من تميم بن حمد تسليمها إلى الإمارات، الأمر الذي رفضه تميم. لاحقاً، غادرت آلاء إلى لندن التي سبقها زوجها إليها، لتعمل من هناك، من خلال إدارتها جمعية «القسط»، على تسليط الضوء على معاناة المعتقلين السياسيين في الإمارات والخليج، ومنهم والدها، قبل وفاتها الشهر الماضي في حادث سير في العاصمة البريطانية. في أعقاب وفاتها، نُقل جثمانها إلى قطر حيث شيّعها الآلاف، وهو ما رأت فيه الإمارات رسالة غير ودّية.

والجدير ذكره، هنا، أن بداية الخلاف تعود إلى عام 1995، تاريخ انقلاب أمير قطر السابق، حمد بن خليفة، على أبيه، وقيام الإمارات بمنح حق اللجوء السياسي للأمير السابق، ليُمثّل ذلك أوّل إجراء إماراتي ضدّ الحكم الجديد، صاحب نظرية التحالف مع «الإخوان».

حسين إبراهيم

الأخبار اللبنانية