Group 422
كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

أردوغان سيعمل الآن مُرغماً مع بشار الأسد

هناك تاريخ طويل للعلاقة بين سوريا وتركيا، كانت تشهد صعوداً وهبوطاً حتى عام 1998. وبعد أن وقّع البلدان اتفاقية أضنة في ذلك العام، لم تعُد قضية دعم الإرهاب ومشكلة تقاسم المياه على جدول أعمالهما.

وفي عام 2000، وبعدما تسلّم بشار الأسد رئاسة البلاد، بدأت مرحلة توثيق العلاقات بين الجارتين. ومع وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة في تركيا، أعطت الزيارات المتبادلة لرؤساء الدول وسياسة التقارب مع دول المنطقة، بخاصة سوريا، زخماً كبيراً للعلاقات المشتركة.

تطوّرت العلاقات بسرعة كبيرة بين تركيا وسوريا في المجالات السياسية والتجارية والعسكرية والثقافية والاجتماعية. ولمّا عصفت رياح "الربيع العربي" الذي بدأ من تونس عام 2011، وامتدت إلى سوريا، اتخذت حكومة حزب العدالة والتنمية موقفاً متشدداً ضد دمشق.

ولم يتوقف حزب العدالة والتنمية الحاكم وزعيمه رجب طيب أردوغان عند هذا الحد، بل استغلّا أجواء "الربيع العربي"، وحاولا تصدير النظام إلى دول الشرق الأوسط، بل والهيمنة على المنطقة.

لكن أردوغان، ناهيك عن السيطرة على الدول المجاورة، لم يستطِع تحقيق أي من هذه الأمور، بل حوّل بلاده إلى مأوى ومعبر للإرهاب الدولي، وأصبحت تركيا تعاني عجزاً خطيراً في المجالات الاقتصادية والاستراتيجية والسياسية والأمنية.

ولم تقِف خسارتنا عند هذا الحد. بل ربما كان العقد الأخير من حكم حزب العدالة والتنمية هو الفترة التي فقدت فيها تركيا أكبر قدر من المصداقية على الساحة الدولية في المئة عام الماضية. وآل الأمر إلى أن عانت البلاد توترات مع اليونان وألمانيا وفرنسا والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.

وأخيراً، جلس الرئيس أردوغان على الطاولة للتصالح مع الدول والمؤسسات التي ذكرتها آنفاً. فهل كان هذا خياراً استراتيجياً يتبعه حزب العدالة والتنمية في السياسة الخارجية؟ بالطبع، لا. بل كان ذلك بسبب عدم وجود خيار آخر أمام أردوغان لاتخاذ أي خطوات أخرى، سواء في الداخل أو في الخارج.

نعم إنه أُجبِر على الجلوس على الطاولة، وسيواصل ذلك في المرحلة المقبلة. ويمكن تصنيف آخر التطورات في علاقات تركيا مع مصر من هذا القبيل. والآن صار يجد نفسه مضطراً مع بشار الأسد.

بطبيعة الحال، ينبغي أن لا نتجاهل الدور الروسي هنا. وقد تابع الرئيس فلاديمير بوتين لقاء أردوغان مع الرئيس الأميركي جو بايدن من كثب. وبالنسبة إلى أردوغان، فإنه حاول قبل قمة "ناتو" القيام بمبادرات في حوض البحر الأسود، من أجل إقناع شركائه الغربيين والتخلص من الملفات المتوترة مع إدارة بايدن.

لكن لمّا كانت هذه المبادرات من شأنها أن تغضب روسيا، رجع هذه المرة ليتخذ خطوات أخرى لتهدئة موسكو واسترضائها. وفي سياق ذلك، استضاف وزير الخارجية مولود تشاويش أوغلو أخيراً وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في أنطاليا، البلد المفضّل لدى السياح الروس، وكانت "القنبلة الموقوتة" سوريا هي أيضاً على الطاولة.

ثم جاء بيان وكالة الأنباء الروسية RIA بأن "روسيا وإيران وتركيا ستواصل تعاونها لهزيمة داعش والتنظيمات المسلحة الأخرى في سوريا"، وبينما أكد سائر الأطراف هذا الخبر، وجرى الإبلاغ عنه على أنه خبر عاجل على المستوى الدولي، تجاهلته وسائل الإعلام التركية المقرّبة من أردوغان ونشرته بخط صغير، لأن الرئيس التركي بهذه الخطوة سيناقض نفسه لدى الرأي العام الداخلي الذي سمع منه عشرات المرات تصريحات عنترية بخصوص ضرورة إطاحة بشار الأسد.

ثم هو الآن - بموجب هذا الاتفاق الأخير- يصرّح بضرورة العمل مع الجيش السوري من أجل محاربة داعش وسائر المنظمات الإرهابية. وهكذا، للمرة الأولى، سيعمل أردوغان علناً مع بشار الأسد.

وكما هو معلوم، فإن من أهم العوامل التي تؤثر في سياسة تركيا تجاه سوريا، لا سيما في الأعوام الأخيرة، هو علاقاتها مع روسيا وتحركات موسكو في المنطقة. وبالأخص كان النفوذ الروسي المتزايد في المنطقة بعد العملية العسكرية التي أجرتها في سوريا في سبتمبر (أيلول) 2015، لدعم نظام الأسد عاملاً حاسماً في سياسة أنقرة تجاه دمشق.

كما أن أنقرة، التي كانت تهدف في السابق إلى عملية تحوُّل سياسي في سوريا يتنحّى فيها الأسد عن منصبه، أعلنت الآن رسمياً أنها تخلّت عن هذا الموقف.

صحيح أنه في ديسمبر (كانون الأول) 2016، ذكر إعلان موسكو الذي اعتمدته تركيا مع إيران وروسيا أن الأولوية ليست تغيير النظام، بل مكافحة الإرهاب. لكن على الرغم من ذلك، كان أردوغان يصرّح في كل فرصة أن بشار الأسد يجب أن يرحل. فمثلاً بعد القمة الثلاثية التي التقى فيها أردوغان وبوتين وروحاني في سوتشي عام 2017 بشأن القضية السورية، أعلن الرئيس التركي أنه أكد في القمة مرة أخرى شرط أن لا يلعب الأسد دوراً في مستقبل سوريا، مضيفاً أنه لم يحدث أي تغيير في خطه الأحمر بشأن هذه القضية.

لكننا عَلِمْنا الأسبوع الماضي أن العملية السياسية بدأت مع سوريا، حيث تجري حالياً محادثات استخبارية. ونأمل أن أردوغان أصبح يدرك أنه وصل إلى طريق مسدود بشأن خطابه السياسي الذي أقنع به قاعدته الانتخابية، الذي كان ينادي على مدى الأعوام العشرة الماضية بتكوين "العثمانية الجديدة، مقاطعات عثمانية جديدة".

إنه يحاول الآن تحقيق توازن بين روسيا والولايات المتحدة، من خلال استخدام بطاقة "ناتو" في وجه روسيا، واستغلال بطاقة العلاقات مع روسيا في وجه الولايات المتحدة، لكنه بدلاً من ذلك أصبح عالقاً بين هاتين القوتين العظميين، وأمام خيارات محفوفة بالمخاطر، عندما تدخَّل في الشأن السوري، واشترى منظومة الصواريخ الروسية.

نعم، لا نقول إن هذه السياسة غير نافعة على الإطلاق، لكن الحقيقة هي أنها غير كافية لإخراج تركيا من الفخ الذي جرّت نفسها إليه.

سياسة الموازنة، التراوح بين الولايات المتحدة وروسيا ستتعب البلاد وترهقها، وفي نهاية المطاف سيتعيّن على أردوغان أن يناقض نفسه، ويتراجع عن كثير من مواقفه التي كان بالأمس متمسكاً بها على وجه صارم.

تورغوت اوغلو- محلل سياسي تركي

اندبندنت العربية