Group 422
كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

من وحي "القسم".. القيم والرموز كحافز وحاجة سورية ملحّة

أحمد حسن- خاص فينكس:

في خطاب القسم الذي ألقاه السيد الرئيس بشار الأسد يوم 17 تموز 2021 تحدث في فقرة لافتة عن قضية "غياب القيم وغياب الأخلاق" بوصفها "أكبر سبب من أسباب الأزمة التي عشناها" وبعد أن عدّد بعض هذه القيم أشار إلى أنها "في طور التآكل، ليس بسبب الحرب، الحرب أظهرت هذا الجانب.. ولكن تآكلت عبر العقود لأسباب مختلفة، ربما نمط الحياة الحديثة، ربما أسباب لها علاقة بالزمن"، وبالتالي لا بد، لتجاوز هذه الأزمة وغيرها، من "تكريس هذه القيم، لأن أي مجتمع لا يكرّس القيم..لا يمكن أن يكون مجتمعاً مستقراً، ولا يمكن أن يكون مجتمعاً مزدهراً".الاسد في خطاب القسم2

والحال فإن هذا القول يفتح أبواباً كثيرة للحديث، والتفكير، فيه، ففيما يبدو أن تلك القيم تعرضت للتآكل بصورة مقصودة وممنهجة في جانب منها بهدف المساس بثوابت معروفة وضرب أسسها ما يسهّل لاحقاً الاختراق والتفكيك بهدف دوام السيطرة داخلياً و"الاركاع والاستتباع" خارجياً، وهذا أمر لم تواجهه سورية فقط بل معظم دول العالم في سياق صعود الهيمنة الرأسمالية التي سعت إلى سلعنة كل شيء -بما فيها القيم والأخلاق- ليصبح جاهزاً للبيع والشراء وفق معادلة التاجر/ الزبون في سوق جائرة لا ترحم الضعيف المستسلم الذي يؤمن حينها، بل ويُجبر على الايمان، بأن قدره أن يعيش على موائد الآخرين إلى ما لانهاية، جاهلاً أن من يعش هكذا لا يكون سوى زائدة يمكن استئصالها في أي لحظة، فـ"إذا لم تزد على العالم شيئاً فأنت زائد عليه"، كما يقول الامام الشافعي.

ولأن الحديث في ذلك يطول ويتشعّب، فإن ما يعنينا هنا التأكيد على أن أولى خطوات استعادة القيم تكون بإعادة القيمة إلى تلك القيم ذاتها، فيما الخطوة الثانية تتمثّل بربطها برموز محدّدة ومعروفة و"أسطرتها"، فلطالما احتاج الناس إلى الأساطير "لأنها تساعدنا على إدراك العالم" و"هي تضع أهدافاً جديدة للمضمون الثقافي السائد بغية تحريض الجمهور على النظر إلى نفسه بطريقة مختلفة"، بحسب علماء الاجتماع المعنيين بهذا الأمر.

بالنسبة للخطوة الأولى يمكن القول، وباختصار شديد، إن احترام الكبار قدراً وعلماً ومعرفة -وليس عمراً فلذلك كلام آخر- يتطلّب احترام العلم والمعلمين، وهذا بدوره يتطلّب تأمين حصة مناسبة لهم من "الكعكعة" الاقتصادية تقيهم شر الطلب وتمنعهم، إلا المنحرفين منهم، من الوقوع في شرك الغواية، وهذا بدوره يتطلّب أن يكون الاقتصاد سليماً معافى قائماً على أسس اقتصادية وقانونية صارمة وحازمة وموجّه بالدرجة الأولى نحو بناء الوطن، والإنسان أسّه الأول والأخير، وكل ذلك في جو يشجع -ويكافئ- على "الابداع والخلق" الذي تقاس حيوية المجتمعات به، وبغيابهما يكون المجتمع، على حد قول "أدونيس": "ليس حياً في الحاضر ولا مكان له في المستقبل".

أما بالنسبة للخطوة الثانية، أي ربط القيم بالرموز، فهي خطوة هامة جداً وخاصة في مراحل الأزمات حين يكون المجتمع في أمس الحاجة إلى رموز وأساطير جديدة، أو إلى إعادة صياغة أساطيره القديمة ومنحها معنىً جديداً يستطيع أن يشدّ الناس باتجاه المستقبل.

ولأن "المغلوب مولع بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيّه ونحلته وسائر أحواله وعوائده"، كما يقول شيخنا "ابن خلدون"، وإذا كان التقليد ليس مذمّة في مجمله، وبما أننا لا زلنا في هذا الطور فلا بأس من الاستفادة من التجربة الأمريكية في خلق الرموز والأساطير، حين يحتاج الأمر إلى ذلك، فعندما احتاجت إدارة "ريغان" للخروج من ربقة البيروقراطية الحكومية، تقدمت "هوليوود" بفيلم "الدم الأول" كتعويذة مناسبة لذلك، حيث يتخطى البطل، وهو أحد المحاربين القدماء في فييتنام، هذه البيروقراطية لإنقاذ رفاقه الواقعين في أسر العدو، وحين احتاجت عملية إعادة إحياء الاقتصاد الأمريكي إلى جيل من المدراء اللذين يسعون للثروة دون هوادة ودون حواجز صنعت "الميديا" مسلسل "جي آر ايونيج" بحلقاته العديدة ليقدم المدراء الجدد وكأنهم رعاة بقر جدد في الاقتصاد على حد تعبير "دوغلاس هولت".. وهكذا دواليك.

بالنسبة لنا، تاريخياً، كانت قيمة الشجاعة مرتبطة برمز مثل "عنترة بن شداد"، وقيمة الكرم بـ"حاتم الطائي"، وقيمة الوفاء بـ"السمؤال".. وما إلى ذلك، واليوم نحن في سورية، وخاصة بعد هذه الحرب المديدة، نمتلك فائضاً من الرموز التي تقترب، في جوهرها، من درجة الأسطرة، لكننا لم نستطع تلقفها بالصورة المطلوبة وإعادة صنعها وتدويرها للتحفيز والتغيير، فماذا مثلاً عن سجن حلب ومشفى الكندي وأبطالهما؟ أين هم من الأسطرة؟ ماذا عن سجناء سجن التوبة الرهيب والبائد وقصص صمودهم ومعاناتهم الأسطورية؟؟. ماذا عن ذلك الجندي البسيط الذي صرخ والبندقية موجهّة إلى رأسه "والله لنمحيها"؟ ماذا فعلنا لذلك الجندي "العايش على حبة بطاطا وبوجه العالم صمد"؟ ماذا عن عامل الخدمات البسيط، كهرباء –مياه.. الخ- الذي أنجز عمله تحت النيران؟ ماذا عن ذلك الصناعي الذي نقل خبراته، وما استطاع من بقايا معمله، إلى منطقة أخرى في الداخل ليستمر في العمل؟؟، وماذا عن ذلك المعلم الذي جمع طلابه في بيته حين دُمرّت المدارس؟ وماذا وماذا..

لما لا نؤمن لمن بقي منهم أو لذويهم، وتلك مسؤولية الدولة أولاً، ما يقيهم، ويزيد، من شر الغواية ونخرجهم من صورة المتلقي للإحسان والمنحة التي "يتصوّر" و"يتبروَظ" فيها معهم أحد المسؤولين -أو أحد رجال الأعمال المتبرعين والذي غالباً ما يمثّل "قيمة" معاكسة لهم!- والتي لا تتجاوز أحياناّ كفاف يوم واحد؟؟، لما لا يتم أسطرة هؤلاء وربط قيم الشجاعة والوفاء والكرم والاحترام والتضحية بهم ليكونوا منارة للأجيال الصاعدة؟؟. أين الإنتاج التلفزيوني والسينمائي عنهم؟ بل أين الإعلام، المرئي تحديداً، عن كل ذلك ولما لا يساهم في رسائل موجّهة ومرّكزة ومستمرّة في ذلك، بدل التركيز على مسائل مثل تحركات المسؤولين وجولاتهم "الميدانية" باعتبارها انجازاً وهي من صلب عملهم اليومي؟!

بالمحصلة، الطريق لاستعادة هذه القيم واضح وبسيط، فأولاً يجب إعلاء شأن حملتها مادياً ومعنوياً، وثانياً أسطرة رموزها وتكريسهم كنجوم ساطعة في سماء سورية الغد المأمول، بدل بعض الرموز الموجودة اليوم والتي لا تكرّس سوى قيم الفساد والثراء المشبوه عبر تجاوز كل الأعراف الاجتماعية والقوانين السماوية والوضعية!

العلاقات الأمريكية الأوروبية تحالف أم تسابق
"أوكوس": الدرس الفرنسي.. والعبرة السوريّة
انهيار جديد للجماعة الارهابية!
واقع لا يتناسب مع عدالة القضية وتضحيات الشعب
الـــديـــانـــة بـــيـــن الــبـطـــاقـة والــعـــلاقــــة
الوقود الإيراني.. حلال على اللبنانيين.. حرام على السوريين؟
سوريا ولبنان والمحيط الإقليمي وتداعيات السياسة الخاطئة
خرائط في الرمال وقادة دُمى
قراءة في كتاب الدكتور حمزة جمول «السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي في المتوسط»
هنري كيسنجر: عن سبب فشل أمريكا في أفغانستان
الأسد في موسكو.. هل اكتملت شروط "لحظة كيسنجر" جديدة؟!
قمة الرئيسان الأسد وبوتين.. رؤية عسكرية سياسية استراتيجية
رأسمالية المحاسيب.. و الرأسمالية الوطنية
قراءة في الانتخابات والتجربة الديمقراطية في المغرب
التجنيد الإجباري بين تأسيس الدولة القومية ومزاولة القمع بالسخرة

كن انت صاحب المقال!