Group 422
كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

بعد عشرين عاماً "مقبرة الإمبراطوريات" تفتح أبوابها للعم سام

ديما عبد الحميد صبح- خاص فينكس:

إذا كان التاريخ مؤشراً، فالأيام المقبلة في أفغانستان لا تبشر بحياة وردية ، فبعد عقدين من التدخل العسكري الأمريكي فيها لإنهاء حكم طالبان المرتبطة بالقاعدة التي كانت مسؤولة عن تفجيرات أيلول 2001، أعلن الرئيس الأمريكي جو بايدن قراره بسحب القوات الأمريكية بموعد أقصاه الذكرى العشرين لهجمات الحادي عشر من أيلول، بعد أن حققت الحرب- حسب زعمه- أهدافها بمنع تحول أفغانستان قاعدةً وملاذاً للإرهابيين. انسحاب سيشكل خاتمة لأطول حرب خاضتها الولايات المتحدة في تاريخها، وسيكشف الستار عن مستقبل قاتم لبلد مزقته أعمال العنف، وإذا لم تقع أحداث غير متوقعة خلال الأسابيع التي تفصلنا عن شهر أيلول 2021، ستكمل الحكومة الأمريكية والدول التي تحالفت معها فيما يوصف "بحرب العشرين عاماً" انسحاباً كاملاً من أفغانستان التي اشتهرت كونها " مقبرة الإمبراطوريات" لتثبت لنا .اليوم من جديد أنها مقبرة لغطرسة الإمبراطورية الأمريكية

ما الذي دفع بايدن إلى هذا القرار؟

لم يكن مفاجئاً بدء القوات العسكرية الأمريكية بالانسحاب من أفغانستان في توقيته وأسبابه، فقد درجت الإدارات الأمريكية المتعاقبة خلال العشر سنوات الأخيرة على تبني هذا الخيار، خشية أن يفضي الانسحاب بتداعياته إلى إلحاق هزيمة استراتيجية للولايات المتحدة في آسيا. واليوم يعتبر قرار الرئيس جو بايدن أهم قرار اتخذه حتى الآن كقائد أعلى للقوات المسلحة، كونه يعكس الحسابات التي تشير إلى أن احتمالات التهديدات الإرهابية في أفغانستان قد تضاءلت، وعلى ما يبدو فإن بايدن اتخذ قرار الانسحاب لتضافر مجموعة من الدوافع عززت صوابية قراره، فقد فشلت المقاربة الأمريكية ووصلت إلى طريق مسدود بعد أن كانت تقوم على الحل العسكري متخبطةً في التعامل مع الملف الأفغاني، بالإضافة إلى دخول محور ( روسيا- قطر – تركيا) على خط الحل في أفغانستان، وارتفاع تكلفة الحرب المادية والبشرية ورغبته في إيقاف نزيف الخسائر الأمريكية بعد المحاولات اليائسة للقضاء على حركة طالبان عسكرياً وإدراكها أن إزالتها من الخريطة الأفغانية أمراً مستحيلاً، كما لا يمكن إغفال أن الأولوية الأمريكية في مواجهة الإرهاب قد تحولت إلى منطقة وسط إفريقيا، بعد تصاعد الإرهاب فيها وتشكيله تهديداً .جاداً للأمن العالمي

بعد الانسحاب.. سيناريوهات المستقبل الأفغاني

احتمالات الفوضى ماثلة والغيوم تخيم على الأفق القريب لأكثر أقاليم العالم اشتعالاً بالأزمات، ليست وحدها الحرب الأهلية التي تلوح بالأفق نتيجة اندلاع مواجهات بين الحكومة الأفغانية وحركة طالبان، وتحول أفغانستان معها إلى قاعدة لشن عمليات إرهابية خارجية قد تدفع الولايات المتحدة -مستقبلاً - إلى العودة من جديد كما عادت من قبل إلى العراق بعد ظهور تنظيم "داعش". وفي احتمال ثانٍ ، فقد يؤدي الانسحاب إلى سلب الحكومة الأفغانية نفوذها وترك الجيش وحيداً يواجه حركة طالبان التي تخوض تمرداً ضد السلطات وتسيطر على ما يزيد على نصف مساحة البلاد، وما سيعزز سيطرة طالبان غياب اتفاق سلام ضامن لحالة الاستقرار، لا سيما مع وجود رؤية داخل الإدارة الأمريكية ترى في سيطرة طالبان فرصة .لإنهاء تنظيم "داعش" المنافس الأقوى لطالبان، وتضاؤل خطر القاعدة

يبقى الاحتمال الثالث- وربما سيكون الأبعد احتمالاً - و هو إنجاز الحل السياسي والانتهاء إلى اتفاق سلام من خلال الدعم الأمريكي، بعد إدراك الولايات المتحدة فشل سياستها في افغانستان، ودعمها للرؤية التركية التي تعتبر الأوفر حظاً للتعامل مع هذا الملف بسبب سياستها المتوازنة مع جميع الأطراف الأفغانية وحرصها على الانفتاح والحوار مع الجميع للوصول إلى سلام يداوي جروح الماضي.

أفغانستان.. الهدية المجانية لحركة طالبان

بعد الانسحاب الأمريكي من أفغانستان الذي سينتهي بحلول أيلول المقبل، ستُقدم أفغانستان كهدية أمريكية لحركة طالبان، التي أصبحت اليوم أقوى من السابق وواثقة من نفسها ومن قدرتها على تحقيق النصر عسكرياً، لتخرج منتصرةً فوق أشلاء الدولة المركزية في كابول، وحتى لو لم تعد إلى الموقع القيادي الذي كانت عليه قبل الاحتلال الأمريكي في العام 2001، فهي اليوم القوة المسلحة الأكبر على الأرض والتي تسيطر على معظم أنحاء البلاد.

مع عودة طالبان إلى موقع السلطة في أفغانستان، فعلى الأرجح أن تعلنها "إمارة إسلامية"، وتستعيد التحالفات القديمة زخمها القوي، فتقوى القاعدة مجدداً وترث " داعش" في التعبير عن ظاهرة العنف الديني، بعد أن تقوضت في سورية والعراق بشكل كبير، وفي ظل رفض طالبان الموافقة على وقف إطلاق نار يشمل كل البلاد، تثار الشكوك حول نواياها مع رفضها حضور "مؤتمر اسطنبول" الذي سيكون لقرار الانسحاب تأثير على مقرراته، وفي حال عقد المؤتمر ودون حضور طالبان ونجح في تشكيل حكومة أفغانية جديدة، فإن تأثير الانسحاب سيكون ضئيلاً، وستكون طالبان سيطرت على كامل أفغانستان باعتبارها "الهدية المجانية من العم .سام"

باكستان.. الرابح الأكبر

بعد الانسحاب الأمريكي من أفغانستان، سيفتح الباب على مصراعيه لقوى إقليمية تتطلع إلى لعب دور أكبر، مثل الهند والصين وباكستان وروسيا، التي تمتلك مصالح استراتيجية وتستطيع رعايتها بشكل أفضل مع غياب أمريكي من افغانستان. إلا أن هذا الانسحاب سيصب خاصةً في مصلحة إسلام آباد التي دخلت الحرب مترددة ولم تكن على قناعة بالمهمة الأمريكية هناك، فهي لا تريد انهيار افغانستان وفوضى تمتد إلى حدودها، لأن السلام سيصب في مصلحتها، فتنمو التجارة مع كابول وتنجز العديد من المشاريع الإنمائية المهمة لباكستان، إلى جانب أن الحدود الطويلة بين الجانبين، ودور الاستخبارات الباكستانية بدعم طالبان منذ السبعينيات وحتى اليوم، جعلت باكستان صاحبة الأوراق الأثمن اليوم ولتشكل لاعباً مهماً في عملية السلام، كما أن اتفاق الولايات المتحدة مع حركة طالبان في العام 2020 لم يكن التوصل إليه ممكناً بدون دعم باكستان التي تمتلك نفوذاً كبيراً عليها، ولعبت دوراً محورياً في جلب المتمردين إلى طاولة المفاوضات، كما تريد باكستان أن يكون لحركة طالبان دوراً كبيراً في حكم أفغانستان مستقبلاً لأن ذلك يخدم مصالحها بشكل أفضل. بالمقابل، فقد تتعاون باكستان مع الولايات المتحدة مقابل مساعدات وعلاقة عسكرية استخباراتية وثيقة بواشنطن، هذا ما قد يعطي بايدن نافذة لإقامة قاعدة عسكرية أو ضمان وجود في باكستان للتدخل في أفغانستان إذا اضطر الأمر، كما ستحاول الدول الغربية توطيد علاقاتها مع باكستان خصوصاً في الجانب الاستخباراتي لمنع خطط إرهابية تحاك في أفغانستان لضرب الغرب . وفي هذه المعادلة تقف باكستان لحصد مكاسبها بعد الانسحاب الأمريكي من تحالف قديم العهد مع طالبان، الطرف الأقوى في الداخل .الأفغاني، وكشريك ضروري جغرافياً واستخباراتياً للغرب بعد خروجه من أفغانستان

تعود أفغانستان اليوم التي سميت " مقبرة الأمبراطوريات" لتذكر الغرب، بعد السوفييت، بأن الاحتلال العسكري لا يشتري الانتصارات من دون تحالفات داخلية وجهود دبلوماسية حتى مع حركات التمرد " كطالبان"، ولتشكل مقبرة للادعاءات الأمريكية بأن العالم لا يمكنه الاستغناء عنها، بعد أن بدأت رسمياً بسحب قواتها في الأول من آيار الفائت، في عملية سيشكل انتهاؤها خاتمة حرب استمرت عشرين عاماً، لتبدأ بعدها فترة انعدام يقين كبير في بلد يرزح تحت السيطرة المتزايدة لحركة طالبان. وما بين مؤيد للانسحاب ومعارض له -ربما- سيكون هناك خياراً ثالثاً وسيطاً بين قرار انسحاب القوات والرغبة في إبقائها، هو الإبقاء على قوة صغيرة من الجنود الأمريكيين وقوات الناتو لمكافحة الإرهاب، تقوم بمساعدة الجيش الأفغاني وتعمل على مواصلة دفع الأطراف الافغانية إلى إيجاد حلول سياسية للمشاكل المعقدة في أفغانستان، حيث لا تبشر ظروف الأخيرة بالسلام، بل تقدم وصفة مثالية لحرب أهلية.

 

العلاقات الأمريكية الأوروبية تحالف أم تسابق
"أوكوس": الدرس الفرنسي.. والعبرة السوريّة
انهيار جديد للجماعة الارهابية!
واقع لا يتناسب مع عدالة القضية وتضحيات الشعب
الـــديـــانـــة بـــيـــن الــبـطـــاقـة والــعـــلاقــــة
الوقود الإيراني.. حلال على اللبنانيين.. حرام على السوريين؟
سوريا ولبنان والمحيط الإقليمي وتداعيات السياسة الخاطئة
خرائط في الرمال وقادة دُمى
قراءة في كتاب الدكتور حمزة جمول «السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي في المتوسط»
هنري كيسنجر: عن سبب فشل أمريكا في أفغانستان
الأسد في موسكو.. هل اكتملت شروط "لحظة كيسنجر" جديدة؟!
قمة الرئيسان الأسد وبوتين.. رؤية عسكرية سياسية استراتيجية
رأسمالية المحاسيب.. و الرأسمالية الوطنية
قراءة في الانتخابات والتجربة الديمقراطية في المغرب
التجنيد الإجباري بين تأسيس الدولة القومية ومزاولة القمع بالسخرة

كن انت صاحب المقال!