Group 422
كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

مُحددات السياسة الأمريكية التركية.. أفغانستان "إدلب الجديدة"

أمجد إسماعيل الآغا- فينكس- خاص:

خمسة أشهر؛ هي مدة كانت ضرورية وكفيلة لاستيعاب الإدارة الأمريكية الجديدة، جُملة متغيرات الخارطة السياسية في الدوائر الإقليمية والدولية، التي تزدحم بقضايا متعددة وشائكة، وتدخل في حيز اهتمامات وتفاعلات السياسة الخارجية الأمريكية؛ التفاعلات المُشار إليها، تتعلق بجوهر المصالح الأمريكية بأبعادها الأمنية والاستراتيجية، في مواجهة الصين وروسيا وإيران، فضلاً عن هندسة واقع استراتيجي جديد، يطال منطقة الشرق الأوسط، والعمل للعودة مجدداً إلى مسار التفاعل والتأثير في قضايا عديدة، تراها واشنطن ضرورية للعودة من جديد، مع وضع كافة القضايا الإقليمية والدولية في بوتقة التركيز والاهتمام الأمريكي. 

عطفاً على ذلك، وانسجاماً مع التوجهات الأمريكية، فقد أطلقت إدارة بايدن، عملية سحب القوات الأمريكية من أفغانستان، والذي جاء في إطار اتفاق السلام، الذي توصلت إليه إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب مع حركة طالبان، في فبراير/ شباط 2020، عبر مسار تفاوضي في العاصمة القطرية.

في ذات الإطار، ومع تسارع عمليات الانسحاب الأمريكي من أفغانستان، واصلت حركة طالبان التوسع وبسط سيطرتها، على عديد المناطق والمدن الأفغانية، الأمر الذي سيؤدي حُكماً وبحسب التقديرات، إلى السيطرة على العاصمة كابول، خاصة أن طالبان أعلنت سيطرتها على ما يقارب 85% من الأراضي الأفغانية؛ هذه التطورات المتسارعة، دفعت الإدارة الأمريكية إلى وضع تصورات لجهة تأمين العاصمة الأفغانية مع تركيا، للقيام ببعض المهام الأمنية والعسكرية في أفغانستان، فيما بعد 31 أغسطس / أيلول 2021، موعد انتهاء الانسحاب الأمريكي من أفغانستان.

مقاربة التوجهات الأمريكية التركية الجديدة تُجاه أفغانستان، تؤطرها اعتبارات عديدة، تدخل في نطاق المصالح الأمريكية التركية، بيد أن التقارير التي أكدت اتفاق الولايات المتحدة الأمريكية وتركيا، لجهة قيام الأخيرة ببعض المهام الأمنية والعسكرية بتأمين مطار كابول، بعد انسحاب الناتو، وعطفاً على التقارير التي أكدت أيضاً قيام تركيا بالتحضير لنقل مُسلحين من إدلب إلى أفغانستان، كل ذلك، يثير العديد من التساؤلات حول ماهية الارتباط الأمريكي التركي الجديد، وكذا حيال قيام أنقرة بنقل الإرهابيين من إدلب إلى أفغانستان، الأمر الذي يشي بفرض تداعيات مباشرة على توازنات القوى في سوريا، وعلى مستقبل الوضع في إدلب، أو لجهة  مستقبل الأوضاع في أفغانستان، التي تعاني من تصاعد نشاط التنظيمات الإرهابية مثل القاعدة  وداعش.

لذلك، يُمكن استقراء التوجهات الأمريكية التركية تُجاه أفغانستان، عبر معطيات ثلاث:

أولاً- لا شك بأن الانسحاب الأمريكي من أفغانستان، يُعد فرصة لـ الصين وإيران وروسيا، لجهة تنمية أدوارهم وبناء جدار استراتيجي في مواجهة السياسات الأمريكية في عموم آسيا الوسطى؛ الفرص السابقة ترجمتها استضافة طهران اجتماعاً بين حركة "طالبان" وحكومة كابول، في 7 يوليو / تموز الجاري، في محاولة من جانب طهران لممارسة دور أكبر في الداخل الأفغاني، بالتوازي مع سعى الصين للاستحواذ على عمليات استخراج النفط الأفغاني، الأمر الذي يجعل من تنامي النفوذين الصيني والإيراني في تلك المنطقة، مُهدداً للولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية.

ما سبق يفرض على الإدارة الأمريكية، وضع سيناريوهات مُتعددة بُغية منع التمدد الصيني وكذا الإيراني في أفغانستان، الأمر الذي يُمكن أن يحدث عبر تعزيز النفوذ التركي في أفغانستان، بالإضافة للدور الذي ستلعبه تركيا، من خلال نقل عناصر الفصائل الإرهابية من إدلب إلى الحدود الإيرانية والصينية وكذا الروسية، خاصة أن جُلّ الإرهابيين ينحدرون من الأقلية المسلمة في الصين "الأويغور"، ومن جهة أُخرى فإن تواجد المسلحين المُتطرفين على حدود روسيا وإيران، يُمكن استثماره أمريكياً، لقلب الكثير من المعادلات الإقليمية والدولية، لصالح الإدارة الأمريكية.

ثانياً- مع بداية الانسحاب الأمريكي من أفغانستان، لوحظ نشاطاً متزايداً لـ تنظيم داعش الإرهابي في أفغانستان، إذ وصلت وبحسب تقارير، معدلات العمليات الإرهابية للتنظيم لِما يقرب من 83 عملية إرهابية حتى 9 يوليو/ تموز الجاري، الأمر الذي يجعل من نشاط داعش مصدر تهديد رئيسي للمصالح الأمريكية، نتيجة لذلك، فإن نقل عناصر إرهابية تابعة لـ تركيا من إدلب إلى أفغانستان وبرعاية أمريكية، قد يساعد في الحد من نفوذ تنظيم داعش مع محاولة قطع "الحزام الداعشي" الممتد من الهند وباكستان ووزيرستان، والذي يمر عبر أفغانستان ويصل إلى دول أسيا الوسطى.

في جانب موازٍ، ترى واشنطن أن نقل عناصر إرهابية من سوريا إلى أفغانستان، يُمكن أن يساعد في مرحلة لاحقة، على الحد من تنامي نفوذ تنظيم داعش وحركة طالبان على السواء، خاصة أن تلك العناصر الإرهابية، تمتلك تكتيكات حروب العصابات، الأمر الذي يساعد في تحويل الاستراتيجية الأمريكية من المواجهة المباشرة في أفغانستان إلى المواجهة غير المباشرة أو ما يطلق عليه المواجهة عبر الحروب بالوكالة.

ثالثاً- إدلب وبحسب التصورات الأمريكية والتركية، فقد غدت إحدى أهم الأزمات التي تعطل أي عملية تسوية سياسية في سوريا، وفي المقابل، فإن تركيا لم تعد قادرة على ضبط الأوضاع في إدلب، مع تنامي قوة الفصائل الإرهابية بمختلف مُسمياتها، الأمر الذي يُشكل تهديداً حقيقياً لـ أنقرة، ما يعني في العمق، إن إدلب باتت تُمثل إشكالية كبرى بالنسبة لتركيا، نتيجة الارتباط الوظيفي بين أنقرة والعديد من الفصائل الإرهابية الفاعلة والمؤثرة في إدلب، ليكون نقل تلك العناصر الإرهابية إلى أفغانستان، بمثابة الحل الجُزئي لأزمة إدلب، عبر إيجاد مركز تجميع جديد لتلك الفصائل، في حالة التوصل لحل سياسي للأزمة السورية، لا سيما أن غالبية دول العالم ترفض استقبال تلك العناصر التي تتبع جنسيتها.

في المجمل، يمكن القول إن الانسحاب الأمريكي المتسارع من أفغانستان، دفع الولايات المتحدة الأمريكية إلى الانخراط في عملية جديدة لصياغة ترتيبات أمنية وعسكرية مع تركيا، لوضع بعض السيناريوهات المستقبلية للدور التركي في أفغانستان، فيما بعد انتهاء الانسحاب الأمريكي في 31 أغسطس 2021، على نحو سوف يفرض تداعيات مباشرة ليس على أفغانستان فحسب، وإنما على سوريا أيضاً، وهو ما قد تبدأ مؤشراته في الظهور مبكراً خلال المرحلة القادمة.

العلاقات الأمريكية الأوروبية تحالف أم تسابق
"أوكوس": الدرس الفرنسي.. والعبرة السوريّة
انهيار جديد للجماعة الارهابية!
واقع لا يتناسب مع عدالة القضية وتضحيات الشعب
الـــديـــانـــة بـــيـــن الــبـطـــاقـة والــعـــلاقــــة
الوقود الإيراني.. حلال على اللبنانيين.. حرام على السوريين؟
سوريا ولبنان والمحيط الإقليمي وتداعيات السياسة الخاطئة
خرائط في الرمال وقادة دُمى
قراءة في كتاب الدكتور حمزة جمول «السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي في المتوسط»
هنري كيسنجر: عن سبب فشل أمريكا في أفغانستان
الأسد في موسكو.. هل اكتملت شروط "لحظة كيسنجر" جديدة؟!
قمة الرئيسان الأسد وبوتين.. رؤية عسكرية سياسية استراتيجية
رأسمالية المحاسيب.. و الرأسمالية الوطنية
قراءة في الانتخابات والتجربة الديمقراطية في المغرب
التجنيد الإجباري بين تأسيس الدولة القومية ومزاولة القمع بالسخرة

كن انت صاحب المقال!