Group 422
كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

كلمة د. جبور في افتتاح ملتقى "متحدون ضد الصهيونية والعنصرية" الذي سيعقد في دربان 21 الجاري

كلمة الاستاذ الدكتور جورج جبور 
في افتتاح ملتقى" متحدون ضد الصهيونية والعنصرية" 
الذي دعا اليه "المؤتمر العربي العام" عبر تطبيق الزوم يوم الثلاثاء في 21 ايلول 2021
قبل يوم واحد من مؤتمر دربان الرابع على مستوى رؤساء الدول.
مطالب ثمانية من مؤتمر دربان الرابع على مستوى رؤساء الدول
اخوض معكم في مطالب ثمانية، و باختصار شديد.
ثلاثة من المطالب تخص قضية فلسطين، وثلاثة تخص  المتحدرين من اصل افريقي. الفلسطينيون والافريقيون هم الاكثر معاناة  من العنصرية. اما المطلبان السابع  والثامن فهما منفتحان على افق ارحب.
أولا: في قضية فلسطين:
المطلب الاول: يقرر المؤتمر ان الصهيونية في فلسطين  شكل من اشكال العنصرية والتمييز العنصري.
الاحظ انني اضفت كلمتين بعد الصهيونية هما "في فلسطين". يعيد الى الاذهان حذفهما النص الحرفي للقرار 3379 الملغى والمطالب اعادة اعتباره. اتصور ان من الصعب اعادة الاعتبار للقرار بنصه.يصح ان تضاف كلمتا "في فلسطين" فتزداد الفكرة دقة وتزداد  فرص اعادة الاعتبار . لم تكن الصهيونية الوليدة في فرنسا—الضابط-- دريفوس، التي دافعت عن  ذلك الضابط عام 1894، عنصرية استعمار استيطاني. كانت تطالب بالمواطنة المتساوية بين اليهود وبين الكاثوليك و غيرهم من مكونات الشعب الفرنسي . نص المطلب الاول  كما هو اعلاه خط دفاع اول مستحق علميا وسياسيا . فاذا صعب التوافق عليه، ونعلم ان الدول تضغط احيانا بغيابها اكثر مما تضغط بحضورها،  فلا بأس بان يصاغ كما يلي: "الاستيطان على اراضي الغير الواقعة تحت الاحتلال شكل جلي من اشكال العنصرية والتمييز العنصري".
وبالطبع لا تعني "عملية التجميل" التي قمت بها اعلاه ان القرار 3379، بنصه الحرفي المعروف، لم يكن في محله. كان في محله، وكان عادلا وصائبا كما وصفه الرئيس حافظ الاسد. الا ان حملة شعواء شنت ضده، مستفيدة من ثغرات فكرية  في ترسانة داعميه ، فكانت النتيجة انه الغي دون نقاش ، بل اكاد اقول انه الغي ب "أمر عرفي" اصدرته حاكمية امريكية نجحت في فرض رايها بعد ان خادعت بعضا منا حين اطلقت ما دعي ب "عملية سلم".
لم يعد من المقبول، في شرعة الامم المتحدة، القول بعنصرية الصهيونية بعد كانون الاول 1991، الا ان الغاء القرار اتاح لتلك العنصرية ان تضاغف تاكيد ذاتها دون خشية من مضاعفات دولية. هكذا صدر في وقت لاحق  قانون يهودية الدولة. واذكر انني قرات في مواكبة صدور ذلك القانون مقالا فحواه: لو لم يكن قد صدر في عام 1975 القرار الذي يصف الصهيونية بالعنصرية  ويلغى، لكان من الواجب صدوره الان. كما اذكر باهتمام وتقدير مناقشةعن القرار، قبل بضعة عشر عاما، مع حاخام يصف نفسه بانه صهيوني، وكانت له فرصة جلوس مطول مع قائدين عربيين كبيرين-- كما أعلمني--. انتهى النقاش الى ما لخصه الحاخام بعبارة اصبحت عنوان مقال له في الهيرالد تريبيون. هاكم نص عنوان المقال:" الصهيونية ليست عنصرية ولكن الصهاينة عنصريون".zionism is not racism but Zionists are 
في فضاءات التفكير ثمة قدرة على الفصل بين الفعل وبين الفاعل، الا اننا عمليا، بمقتضى ما يراه الحاخام، لا نستطيع ان نجد صهيونية خارج دائرة العنصريين الصهاينة. وذلك مطابق للواقع على الارض، واقع يراه الاسرائيليون قبل غيرهم.
اذن فليقتحم مؤتمر دربان الرابع الحاجز الذي امتنع عن اقتحامه في دربان الاول، وليقرر بكل وضوح ان الصهيونية في فلسطين شكل من اشكال العنصرية والتمييز العنصري.
المطلب الثاني: يقرر المؤتمر احداث يوم عالمي  لمناهضة الاستيطان على اراضي الغير، ويحدد موعده في الثاني من تشرين الثاني من كل عام.
لن تستطيع الامم المتحدة ان تكبح بفعل مادي هجمة الاستيطان الصهيونية  في الاراضي المحتلة عام 1967 بل وفي الاراضي التي تسمى الان رسميا باسم "اسرائيل". الامم المتحدة عاجزة عن تنفيذ قراراتها التي تكبح الاستيطان الصهيوني .  الهجمة الاستيطانية مستمرة في كل مكان يقع تحت سلطة تل ابيب. على الامم المتحدة العاجزة عن وقف الاستيطان ان تقدم شيئا اكثر ملموسية من قرارات الادانة المتكررة. سيكون "اليوم العالمي لمناهضة الاستيطان" اكثر حضورا ملموسا من قرار ادانة مكرر.فلنتذكر ان يوم شاربفيل ساعد في امور كثيرة منها مؤتمر دربان الحالي. لولا ذلك اليوم العالمي لمناهضة العنصرية في 21 اذار من كل عام لكانت تاخرت اكل  -- اي نجاحات -- حركة مناهضة العنصرية .  اما موعد 2 تشرين الثاني فهو ادانة صريحة لما جرى في مثل ذلك اليوم عام 1917 حين تحول تفسير ديني معين الى نص سياسي فالى قانون دولي فالى شركة من شركات الاستعمار الاستيطاني طردت شعبا من ارضه. تم كل ذلك برعاية من اول تنظيم سياسي عالمي علماني وهو عصبة الامم، وفي مخالفة صريحة لعهد تلك العصبة.
المطلب الثالث: يقرر المؤتمر عقد مؤتمر حكومي عالمي في اواخر تموز 2022 بمناسبة مائة عام بالضبط على اقرار مجلس عصبة الامم صك الانتداب على فلسطين.
تسلسل الاحداث واضح. احب ابناء بلاد الشام بناء دولتهم  فاعلنوها مستقلة يوم 8 آذار 1920. ما ان انقضى نيسان حتى كانت دولتهم الواحدة، في مؤتمر سان ريمو للدول المنتصرة، تقسم وتوضع تحت الانتدابات في انتهاك لعهد العصبة ولمباديء الرئيس ويلسون. لا اقصد هنا تبييض صفحة الرئيس الامريكي  الذي اشتهر بتبنيه فكرة حق الشعوب في تقرير مصيرها. هي فكرة من ثورة اوكتوبر الاشتراكية تبناها ويلسون. ثم هو لم يعلنها الا بعد ان سمح بمخالفتها حين وافق على نص اصبح وعد بلفور. بحسب مقاربة ويلسون ، يتمتع كل شعب بحق تقرير مصيره ما عدا الشعب الفلسطيني. خداع ام غباء؟ ربما مزيج من الامرين معا. في نيسان 1920 وزعت الانتدابات وكانت فلسطين مكان التنفيذ الاول. ثم اكتسبت الانتدابات "الشرعية" الشكلية الكاملة حين اقرها مجلس عصبة الامم في 24 تموز 1922. انتهت الانتدابات على نحو معقول الا الانتداب على فلسطين: استمر نافذا رغم وفاة العصبة، ثم تحول الى قرار تقسيم، ثم الى امور كثيرة،  لكنه ما يزال يفتك بالناس منذ صيغ ثم منذ اقر. بعد نحو من عشرة اشهر تحل الذكرى المشؤومة المائة لاقراره. الا يجب على كل محترم لحقوق الانسان في العالم ان يطالب بعقد مؤتمر عالمي يراجع وثيقة تنزف دما منذ ولدت وما تزال تنزف ولا يبدو ان نزيفها الى نهاية منظورة ؟ألا يجب على مؤتمر المائة عام في تموز 2022 أن يراجع ثم ان  يتقدم ليحدد المسؤولية؟ ووسائل جبر الضرر؟ نعم وبالتاكيد!
أيها الزملاء: هذا ما تبذل  اقصى الجهد لبلوغه الرابطة السورية للامم المتحدة . فلنتعاون معا في هذا الملتقى لكي يتبنى دربان الرابع قرار حاسما واضحا في هذا الشأن!
ثانيا: في شأن المتحدرين من اصل افريقي:
المطلب الرابع: يطلب المؤتمر من كل من كانت له صلة بالاسترقاق ان يعتذر عما فعل .
الموضوع قديم اشبع بحثا في مؤتمردربان الاول عام 2001 ، و كان لي شرف المشاركة في اعماله. لم يتم التوصل الى نتيجة مرضية لمفهوم العدالة. بقيت العدالة ناقصة في دربان الاول. الاسترقاق جريمة لكنه يبقى دون اقرار من المجرم، ومن ثم  اعتذاره، ودون التعويض عن الجرم.
لن اعود الى الماضي لكنني اوجه تحية احترام الى وزير خارجية بلجيكا ايام دربان الاول الذي كان الى جانب الاعتذار. ثم احييه ثانية لانه باسم دولته اعتذر في عام 2002 عن المظالم التي الحقتها بلجيكا  بالكونغوليين. كل ذلك معروف، ويهمني هنا ان اشير الى امر لم يكتب له تداول واسع.
اعتمادا على السابقة البلجيكية ، وجهت اوائل تشرين الاول 2002 رسالة مفتوحة الى رئيس وزراء المملكة المتحدة اطالبه فيها بالاقتداء ببلجيكا في الذكرى ال85 لصدور وعد بلفور، اي بعد شهر من تاريخ توجيه الرسالة. قيض للرسالة ناقلون شرفاء أحدهم سفير المملكة المتحدة بدمشق. صدر عن جاك سترو، وزير خارجية المملكة المتحدة، في 16 تشرين الثاني 2002 اول تصريح رسمي بريطاني ينال من "شرف" وعد بلفور. تبرأت من التصريح رئاسة الوزارة.
تفاعلت نتائج دربان الاول مع قضية فلسطين فكانت خطوة عدالة غيرمسبوقة، رغم تواضعها، نالت من قدسية وعد وغد يعتبره المؤمنون به مقدسا مولودا من كتب مقدسة. فليتعمق هذا التفاعل في دربان الرابع!
أختم القول هنا مؤكدا: يطلب دربان الرابع من كل من كانت له صلة بالاسترقاق ان يعتذر.
المطلب الخامس: على كل من مارس الاسترقاق ان يعوض المتضرر عما ارتكب.
التعويض حق قانوني ينتج عن الاعتذار. كلاهما واجب. كلاهما ارجو ان يكون دربان الرابع حاسما بشأنهما.
قررت مفوضية حقوق الانسان احداث مجموعة عمل مختصة بشؤون المتحدرين من اصل افريقي. شاءت الظروف ان اكون من المؤسسين. كانت التعويضات عنوان الورقة البحثية الاولى  الموجزة التي  ناقشتها المجموعة الخماسية، ولي شرف انني كنت صاحبها. وامامي نسخة منها وهي حتما على الشابكة. كنت حازما في ان التعويض واجب. طالبت فيها بالاستماع الى عدد من كبار العالم للادلاء بارائهم بشان تفصيلات ما هو واجب.
أتابع اليوم. فلتنشا عن دربان الرابع لجنة تبحث تفاصيل التعويضات، ولتضم في عضويتها كل الامناء العامين للامم المتحدة بدءا من كوفي عنان والى الان. وليكن الى جانبهم رئيس محكمة العدل الدولية والمفوض السامي لحقوق الانسان.
علينا الانتهاء من هذا الموضوع, وعلينا  بالطبع الا نخلط بيت التعويضات وبين المساعدات التي تقدمها الدول الغنية الى بعض الدول ذات الاقتصاد المتواضع.
المطلب السادس: يقرر المؤتمر ضرورة ايلاء اقصى الاهتمام بالمكانة  السياسية والقضائية التي يتمتع بها المتحدرون من اصل افريقي في الولايات المتحدة الامريكية.
لماذا الولايات المتحدة الامريكية؟
ليس لانها تقاطع مؤتمرات  دربان ، وتتزعم حملات المقاطعة ، بل لانها مكان فريد في العالم في تجربته مع مواطنيه من اصل افريقي. فيها كان التحرر من الاسترقاق قبل قرن ونصف، وفيها كان بحث تعويض عن الاسترقاق يدفع للمسترقين  المحررين،  ولا يدفع لمالكي الرقيق الذين  حرروا .
وهي ايضا مكان فريد من نوعه في العالم لانها تقاطع مؤتمرات لا ريب ان نسبة لا يستهان بها  من مواطنيها لا توافقها الراي في قرارها المقاطعة.
اذن فلاتحدث في نقطتين سبقت لي معالجتهما في مذكرات لها رقم وناريخ بين 2002 و2009 تتضمنها سجلات جهاز متخصص هو مجموعة العمل الخماسية التي اشرت  اليها في مكان سابق.
النقطة الاولى: لا يصح ان يبقى النظام الانتخابي لمجلس الشيوخ الامريكي على ما هو عليه. انه ينطوي على ظلم فادح للامريكيين من اصل افريقي. تمثيلهم لا يتناسب مطلقا مع نسبتهم في المجتمع. اثرت هذه النقطة في بحث مكتوب غداة انتخاب اوباما شيخا . قيل: غضب سفير نافذ. قيل: خفضت ميزانية المجموعة وتباطأت اجتماعاتها. والله اعلم بالكواليس الدولية.
النقطة الثانية: للنظام القضائي الامريكي اشكالاته حين يتعلق الامر بامريكي افريقي. كلنا علم بالصعوبات التي رافقت محاكمة فلويد. فليقرر المؤتمر ان من المناسب للولايات المتحدة ان تحسن من نظامها القضائي . بل فليطرح بجدية فكرة التحقيق الدولي في الجرائم العنصرية .اكتب والعالم يتداول في المعنى الاشكالي لحجب امتد عشرين عاما لوثائق تتعلق بجرم 11 ايلول 2001.
ثالثا:  في امرين منفتحين على افق ارحب:
المطلب السابع: يقرر المؤتمر فتح باب الامم المتحدة واسعا امام كل من يشكو من مظلمة تاريخية، سواء كان الشاكي شخصا او هيئة غير حكومية او حكومية.
تعكر ذكريات المظالم التاريخية صفو السلم الذي انشئت الامم المتحدة لاقامته. اذن فلنفتح القنوات اللازمة للتعبير عن  تلك المظالم ، ولنحاول معالجتها. لا استطيع ان اتصور يابانيا لا يشكو في اعماقه من ظلم فادح  اوقعه به من اسقط عليه القنبلتين الذريتين. لا استطيع ان اتصور مواطنا في منطقتنا من العالم لم يتعاطف مع دعوة وجهت عام 1992 مطالبة بشرح يقترب من الاعتذار عن حروب الفرنجة. فلتكن في عداد مهام الامم  المتحدة مهمة  التخفيف من وطاة الشعور بالمظالم التاريخية، وليقتحم دربان الرابع هذا الحاجز ايضا في سعيه الحثيث لبناء الشعور بالمساواة  بين الافراد والشعوب والحضارات.
المطلب الثامن: يقرر المؤتمر ان من المناسب توجيه مزيد من الاهتمام الى ما يمكن ان يراه البعض تفوقا في قيمتهم البشرية على غيرهم اعتمادا على اعتناقهم رؤية دينية محددة .
الصيغة اعلاه كلام مهذب عن العنصرية الدينية، والخوض في التفاصيل يطول، وليس  مكانه هنا والان.
الا انني لن احجب عن الزملاء نصا قرأته في قصر الامم، وفي احتماع رسمي، وتمكن مطالعته على الشبكة. هو كما يلي:
Some consider that Asian Christians occupy a second place after European Christians and they quote the New Testment on that( Acts 16, 6-10)
--- النص في ص 4 من الوثيقة محدودة التوزيع: A/HRC/7/AC.3/ WP.6
16 January 2008 ----
تطول التفاصيل وليس مكانها هنا والان، كما قلت قبل قليل. لكن كثيرين منا سوف يرون في هذا المطلب الطموح الثامن والاخير ، سوف يرون فيه صدى للمطلب الاول، بل أصلا له.
ولم لا؟ ثمة من شهد --- ولرأيه وزن فقد استدعي ليقدمه --، شهد امام لجنة متخصصة بعد نهاية الحرب العالمية الاولى ان الغرب لا ينبغي له ان يتنكر لقيمه الدينية والحضارية العميقة والراسخة نزولا عند رغبات يضعة مئات الاف من سكان فلسطين. النص من الذاكرة واوافيكم به دقيقا موثقا وقد اطلعت عليه في احدى وثائق الامم المتحدة. هذا الشاهد وزير خارجية سابق، و اسمه اللورد بلفور.
أختم بما لا يصح ان ينسى. اشكر كل من ساهم في عقد هذا الملتقى، واتاح لي فرصة ان اعرض امورا  من اجل مجد الانسان، شغلتني منذ بداية  تفتحي على الشان العام  قبل نحو من سبعة عقود. 
تمت الكتابة مساء السبت 18 ايلول 2021.