Group 422
كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

الصراع على سورية عبر التاريخ

أدناه نص محاضرة للأستاذ الكاتب صفوان الزين، ألقاها في جمعية العاديات بتاريخ 2/1/1989، بتكليف من لجنتها الثقافية.. جريدة فينكس، تعيد نشر المحاضرة نظراً لأهميتها و غناها الفكري، و ر بما ما تزال بعض أفكارها راهنة.

لماذا كانت سورية مسرحاً رئيسياً للصراع بين إمبراطوريات الشرق الأدنى القديم ولماذا حسمت على أرضها معظم المعارك الفاصلة في التاريخ القديم لتلك المنطقة من العالم، لِمَ كانت جسراً ومعبراً دائمين ليس فقط للغزاة والفاتحين وإنما للسلع والبضائع بل وللأفكار والثقافات أيضاً. ما السبب في أنها عجزت في الغالب عن إقامة كيان مركزي موحد ومتماسك بدلاً من الكيانات الصغيرة المتنافرة و المتحاسدة التي طبعت تاريخها السياسي القديم. لماذا كانت حدودها السياسية دوماً مائعة متحولة ومتغيرة ولم تتطابق ولو لمرة واحدة مع حدودها الطبيعية أو الحضارية أو اللغوية.

باختصار لماذا الصراع على سورية؟

إن الصراع على سورية يرتبط في أذهان العديدين بتاريخها المعاصر وتحديداً بفترة التوترات العنيفة التي شهدتها الساحة السياسية السورية في الخمسينيات من هذا القرن عندما احتدم الصراع في سورية وعليها إلى درجة فقدانها لكيانها المستقل بذوبانها في دولة الوحدة مع مصر عام 1958. غير أن ذلك الحدث الهام لم يكن استثناءً في التاريخ السوري بل كان استمراراً بصورة أو بأخرى لظاهرة تضرب جذورها عميقاً في تاريخ هذا البلد بل لعلها تدخل في بنيته التكوينية. ومحاضرتي اليوم ليست سوى محاولة لتسليط الضوء على هذه الظاهرة في سياقها التاريخي وفي بعدها الجيواستراتيجي، إذ أن المتتبع لتاريخ سورية سوف يلحظ دون عناء أن تاريخ سورية هو تاريخ الصراع عليها والصراع فيها في الوقت ذاته، وبأن علاقة جدلية قد ربطت دوماً بين الصراعين بحيث أن الواحد منهما كان يستتبع الآخر تلقائياً. وحتى لا تختلط الأمور وتلتبس فان الصراع المقصود هنا هو صراع المصالح الذي تحكمه اعتبارات ما يسمى بسياسات القوة بصرف النظر عن التقاطعات التي يمكن أن تحصل أحياناً مع الطموحات والتطلعات الوطنية والقومية، وبصرف النظر أيضاً عن هوية أطراف الصراع بين أن يكونوا أجانب غرباء أو أخوة أشقاء أو كليهما معاً. وبالرغم من أن سياسات القوة قد تتقاطع مع أماني الشعوب وتطلعاتها كما أسلفنا، لا بل قد تساهم أحياناً في بلورة هذه الأماني والتطلعات وربما في تشكيلها أيضاً وذلك خدمة لمرام وأهداف بعيدة المدى إلا أن الصراع يظل في نهاية المطاف صراع قوة تحكمه قواعد وأصول اللعبة أياً كانت أهداف الصراع ومراميه وأياً كانت هوية المتصارعين. ولنأخذ مثالاً على ذلك من تاريخ سورية المعاصر: لقد حققت سورية جلاء الجيوش الأجنبية عن أراضيها عام 1946 بفضل نضال شعبها وإصراره على نيل الاستقلال. هذا التعليل للجلاء صحيح وسليم من منطلق وطني تعبوي غير أنه ومن وجهة نظر علم السياسة ليس كافياً لتفسير ما حصل. إن الجلاء عن سورية بالتوقيت الذي انجز فيه وبالكيفية التي حصل بها وبما سبقه ورافقه من تجاذبات ومناورات كان في واقع الأمر حصيلة صراع نفوذ خاضه طرفان دوليان هما بريطانيا وفرنسا تمخض عنه اتفاقهما على إخلاء الساحة السورية. مثال ثان من تاريخ سورية المعاصرة هي وحدة 1958 بين مصر وسورية. لا مراء في أن تلك الوحدة أتت استجابة ً لأماني وتطلعات تضرب جذورها عميقاً في الوجدان الشعبي لكلا البلدين. غير أن الوحدة لم تكن لتتحقق بالأماني والتطلعات وحدها.إن الأماني والتطلعات مضافاً إليها المد الشعبي الناصري الذي بلغ أوجه في تلك الفترة، مضافاً إليهما أزمة الحكم المستفحلة والتمزق السياسي الداخلي الذي كانت تتخبط فيه سورية وقتئذ، مضافاً إلى كل ذلك فراغ القوة الذي أعقب أزمة السويس وانحسار النفوذ البريطاني عن المنطقة ومبادرة الولايات المتحدة لملء ذلك الفراغ في سياق الحرب الباردة بينها وبين الاتحاد السوفيتي، هذه العوامل مجتمعة جعلت من قيام الوحدة بين سورية ومصر في شباط من عام 1958 ليس فقط أمراً ممكناً ومتاحاً بل أيضاً أمراً مرغوباً ومطلوباً على الصعيدين الإقليمي والدولي. لقد شاهدنا في المثالين الآنفي الذكر كيف أمكن للعبة المصالح الدولية أن تتقاطع مع أماني الشعوب وتطلعاتها. في المثال الأول حصل التقاطع عندما عجز أي من طرفي الصراع (فرنسا وبريطانيا) عن الحسم لصالحه، وفي المثال الثاني عندما اختل التوازن التقليدي بين المحورين العربيين الرئيسيين في ذلك الوقت (مصر والعراق) لصالح أحدهما - مصر- وهو التوازن الذي حفظ لسورية استقلالها الهش طيلة السنوات الفاصلة بين الجلاء وقيام الوحدة، دون أن نغفل بطبيعة الحال عن دور الولايات المتحدة الأميركية الحاسم على هذا الصعيد في سياق حربها الباردة مع الاتحاد السوفيتي.

وبالعودة إلى ظاهرة الصراع على سورية فان التركيز على البعد الجيواستراتيجي في تحليل هذه الظاهرة ينطلق من خصوصية موقع سورية الجغرافي أي ينطلق من اعتبارات الجغرافيا السياسية (جيوبوليتيك) حصراً متجاوزاً في ذلك أية اعتبارات أو توجهات أيديولوجية قد تلتقي أو لا تلتقي مع ما تفرضه الأولى من معطيات. إن التركيز على البعد الجيواستراتيجي في تفسير ظاهرة الصراع على سوريا لا يعني بأية حال إغفال الأبعاد الأخرى للصراع. صحيح أن دور الجغرافيا قد تراجع أمام التقدم العلمي والتقني الهائل الذي غير الكثير من المفاهيم الإستراتيجية ولكن لم يزل للموقع الجغرافي دوراً أساسياً يلعبه على صعيد تكييف وترتيب الأولويات الإستراتيجية في الصراعات الإقليمية شأن الصراع على سوريا. فلنقرر إذا منذ البداية بأن الصراع على سورية عبر التاريخ لم يكن مرتبطاً بحدث عابر في التاريخ السوري أو بحقبة تاريخية بعينها بل كان ظاهرة لاصقة بهذا التاريخ عبر امتداده السحيق . والحقيقة أن الأساليب والأدوار وحدها تغيرت عبر المراحل التاريخية المتعاقبة ،أما الهدف فاستمر واحداً وهو السيطرة على سورية أو على الأقل احتواؤها بوصفها مدخلاً أو معبراً للسيطرة على المنطقة برمتها.

إن المقولات التي تتردد على مسامعنا دوماً عن أهمية ومركزية الدور السوري ليست بلا أساس، فهي تنطلق من ثوابت الجغرافيا السياسية لهذا البلد . فموقع سورية الجغرافي قد حدد ليس فقط نمط ومسار الأحداث التي تعاقبت على أرضها وإنما أيضاً نمط التركيب المجتمعي والتوزع الديموغرافي ونمط النموذج الحضاري الذي أبدعته . إن بلداً بموقع سورية عند ملتقى قارات ثلاث وفي محور تقاطع الحضارات القديمة ما كان ممكناً إلا أن يجعل منها ساحة صراع دولية في زمن الحرب وطريقاً تجارية في زمن السلم، وفي الحالتين بوتقة انصهار وتمازج حضاريين.

غير أن تحليل ظاهرة الصراع على سورية في سياقها التاريخي لابد وأن تجبهنا بمشكلة تحديد الكيان السياسي الذي كان هدفاً مباشراً للصراع. إن سورية بحدودها السياسية الراهنة كيان حديث جداً تمخض عن اقتسام تركة الإمبراطورية العثمانية في أعقاب الحرب العالمية الأولى شأنه في ذلك شأن كافة التشكلات السياسية التي تعاقبت تاريخياً على سورية وبالأصح على ما اصطلح بتسميته "سورية" حيث كانت تلك التشكلات تفرض دوماً بإرادة من الخارج مستفيدة من جو المنافسات الداخلية الحادة ومن غياب السلطة المركزية المتماسكة القادرة على التصدي والمواجهة. والملاحظ  في هذا الصدد أن سورية وجدت طبيعياً وبلورت من ثم نموذجها الحضاري المتجانس والمتمايز، غير أنها عجزت في الغالب عن بلورة كيانها السياسي الموحد والمتماسك بل استمرت مجزأة مقطعة الأوصال، بتعبير آخر إن الحدود السياسية لسورية لم تتطابق ولو لمرة واحدة مع حدودها الطبيعية أو الحضارية بل كانت تتحول مع تحول مجريات الصراع وما يترتب عليه من نتائج وتداعيات، ولقد ترتب على ذلك ظواهر ملازمة للوجود السوري عبر التاريخ يمكن إيجازها كالآتي:

  • 1- إن كلمة "سورية"  أو "سوري" لم تحمل عبر التاريخ مدلولاً سياسياً واضحاً ومحدداً كما حملت كلمة "مصر" أو "مصري" مثلاً . بل ربما غاب المدلول السياسي نهائياً عن كلمة "سورية" في بعض حقبها التاريخية، في حين أن المدلول الحضاري لهذه الكلمة كان دوماً الأبرز والأكثر وضوحاً والأيسر تمييزاً وتحديداً.
  • 2- نتيجة لذلك فان الكيان السياسي لسورية لم يكتسب عبر التاريخ بعده النهائي. لقد كان دوماً مشروع كيان أو كياناً مؤقتاً إن صح التعبير قابلاً للتمدد أو الانكماش وفقاً لتوازنات القوى. ان التجاذبات والمناورات التي سبقت ورافقت وأعقبت اتفاقية "سايكس بيكو" عام  1916 قد كشفت عن مدى الصعوبة التي واجهها الحلفاء المنتصرون في رسم خرائط الكيانات الجديدة التي اصطنعوها وخاصة في تحديد أين تبدأ سورية وأين تنتهي فباستثناء ساحلها المطل على البحر الأبيض المتوسط، فإن ترسيم حدود سورية البرية في الشمال والجنوب والشرق قد تطلب رسم وإعادة رسم العديد من الخرائط، إلى أن استقر الأمر على كيانات سياسية في المشرق العربي كانت ولما تزل وستظل إلى أمد غير منظور تحمل بذور هشاشتها وعدم استقرارها.
  • 3- إن "لانهائية" الكيان السوري كظاهرة ملازمة لتطور سورية التاريخي قد أعاق من جملة عوامل أخرى ترسيخ الشعور بالانتماء إلى ذلك الكيان الذي اصطنعه الحلفاء المنتصرون عقب الانسلاخ عن الإمبراطورية العثمانية والذي أطلق عليه اسم "سورية" والمفارقة الملفتة أن الحدود التي رسمت لسورية المعاصرة كانت أضيق من أن تستوعب فائض الشعور القومي لدى السوريين الذي لم يحل مع ذلك دون التشبث بالانتماءات الضيقة لنفس هؤلاء السوريين. إن السوري الذي ضحى بكيانه المستقل في سبيل وحدة 1958م مع مصر هو السوري ذاته الذي فصم الوحدة بعد ثلاث سنوات فقط من قيامها كي يسترد ذلك الكيان الذي سبق أن فرط به في خضم عرس قومي قل نظيره. من هنا فان فصم الوحدة مع مصر شكل وصمة عار لم يبرأ منها الوجدان الشعبي السوري إلا بعد سنوات طويلة. والمفارقة الأخرى الأكثر لفتاً للانتباه هي أن فترة الانتداب الفرنسي على سورية التي لم تدم أكثر من ربع قرن لم تفسح المجال لترسيخ شعور وطني جامع ضمن الحدود السياسية للكيان الوليد الذي غالباً ما نظر إليه بعين الشك والارتياب. لقد جرى بعد الاستقلال القفز دفعة واحدة إلى الانتماء العروبي الواسع دون المرور بالوطنية السورية الجامعة التي كان من شأنها وحدها أن تؤمن الانصهار الوطني في مجتمع تعددي كالمجتمع السوري. لقد أدت تلك القفزة فيما أدت إلى تضارب في الولاءات تمثل في أن يصبح الولاء لسورية على تضاد مع الولاء للعروبة والى أن يصبح كلاهما على تضاد مع الولاء للإسلام. وفي خضم ذلك التخبط في الولاءات فان الانتماء الضيق في مجتمع تعددي كالمجتمع السوري ظل الثابت الوحيد العصي علي التغيير.      
  • 4- نتيجة لافتقارها إلى سلطة مركزية قوية ومتماسكة فان سورية لم تتمدد عسكرياً أو سياسياً خارج حدودها الطبيعية ولم تنشئ لحسابها إمبراطورية توسعية على شاكلة الإمبراطوريات التي خبرها الشرق القديم، لا بل إن قيام الكيانات الإمبراطورية في جوارها كان يتم غالباً على حسابها بوصفها ميدان صراع لهذه الإمبراطوريات. والملاحظ في هذا الصدد أن سورية لم تكن مركز القرار السياسي إلا في حقبتين من تاريخها عندما استطاعت أن تتمدد خارج حدودها. في الحقبة السلوقية عندما كانت العاصمة أنطاكية وفي الحقبة الأموية عندما كانت العاصمة دمشق، مع ملاحظة أن كلا الكيانين لم ينبثقا عن إرادة  سورية خالصة إن صح التعبير بل عن مشروعي توسع إمبراطوريين كل منهما وجد في الموقع السوري منصة للانطلاق إلى بناء إمبراطوريته الخاصة به مع التنويه إلى أن المشروع الثاني كان يستند إلى وشائج من القربى الاثنية واللغوية التي مكنته من أن يطبع البلاد بطابعه حتى وقتنا الراهن. لقد وجد السوريون في الإمبراطوريتين الآنفتي الذكر مجالاً لبلورة نموذجهم الحضاري الخاص بهم كتعويض على ما يبدو عن عجزهم عن بلورة كيانهم السياسي الموازي الأمر الذي شكل ظاهرة ملازمة للوجود السوري عبر التاريخ.
  • 5- من المفارقات الملفتة للنظر أن التمدد الوحيد في التاريخ السوري القديم هو التمدد الكنعاني أو الفينيقي باتجاه البحر وكان لهذا التمدد مدلولان هامان الأول "جيوسياسي" يتمثل في أن سلسلة الجبال الساحلية قد شكلت مانعاً طبيعياً في وجه أية محاولة للسيطرة على مجال حيوي في الداخل، وكان البديل لذلك هو العثور على مثل هذا المجال عبر البحار. أما المدلول الثاني فهو أن التمدد الكنعاني عبر البحار كان تجاري الدوافع وكان يستهدف خلق مجال حيوي اقتصادي أوسع بكثير مما تسمح به السوق المحلية المحدودة، لذا فقد جرى الاتجاه صوب البحر الواسع.
  • 6- إن الهشاشة والضعف السياسيين كانا يعوضان دوماً بالبروز والتفوق الحضاري. ربما كان ذلك هو الرد الطبيعي على الافتقار إلى القدرة على التفوق العسكري والسياسي. ولقد ترتب على هذه المعادلة أن استيعاب الآخرين لسورية عسكرياً وسياسياً كان يعوض باستيعاب سورية للآخرين حضارياً وفي بعض الحالات لغوياً أيضاً. ومع ذلك فان سورية لم تكن دوماً الضحية المستكينة. إن دورها في تعطيل أدوار الآخرين المتنافسين للسيطرة عليها كان هو الدور الذي لعبته دوماً ببراعة وذكاء. كما أنها لم تعدم في تاريخها مواقف توحد وتماسك في وجه الخطر المحدق.
  • 7- إن نشوء كيانات قوية وعدوانية في جوار سورية وعند أطرافها الشمالية والشرقية والجنوبية جعلها عرضة للاجتياح والاحتلال المتكررين، غير أنه وفر لها بالمقابل فرصاٍ حضارية ثمينة. فمع الجيوش أو في أعقاب الجيوش كانت تفد الأفكار و الثقافات حاملة معها بذور التلقيح الحضاري. من هنا وصف الحضارة السورية بأنها مزيج مركب من حضارات متنوعة، وربما كان ذلك في أساس خصبها وثرائها. لقد حشرت سورية دوماً بين طرفي الصراع المتمركزين في وادي النيل ووادي الرافدين، فأثرت وتأثرت بكليهما حضارياً ولغوياً.

وبعد، فان تتبع الصراع على سورية عبر مسيرته التاريخية المديدة يتجاوز نطاق هذه المحاضرة، لذا سوف اكتفي بالتوقف عند الخصائص المميزة لهذا الصراع من خلال نماذج مختارة من ثلاثة من العصور التاريخية المتتابعة وهي العصور السامية القديمة والعصر اليوناني الروماني ثم العصر العربي الإسلامي.

أولاً ) العصور السامية القديمة:

 تبدأ بمجيء الأموريين حوالي عام 2500 ق. م، وتنتهي بسقوط الإمبراطورية البابلية الجديدة أو الكلدانية في عام 538 ق. م. يمكن إيجاز الصراع على سورية في تلك الحقبة التاريخية المديدة بالخصائص البارزة التالية:

  • 1- كان انعكاساً للصراع المحتدم بين الإمبراطوريات القديمة المحيطة بسورية. بين المصريين والحثيين في مرحلة أولى ثم بين المصريين وكل من البابليين والآشوريين والكالدانيين في مرحلة ثانية. كانت سورية بحكم موقعها ساحة تصفية الحسابات وميدان المجابهات الحاسمة. والملاحظ هنا أن الرغبة في الضم والتوسع والاستيلاء على أراض سورية لم تكن هي الباعث دوماً على الغزو والاجتياح إنما كان المرور عبر سورية حتمياً لمن رغب  في ملاقاة خصمه في منتصف الطريق. أي أن سورية ذلك الكيان الضعيف الحاجب أو الحاجز جغرافياً بين كيانين قويين وفرت دوماً الفرصة لأحد طرفي الصراع كي يصفي خصمه على الأرض السورية.
  • 2- لقد كانت سورية في العصورالسامية القديمة مجزأة بطبيعة الحال إلى كيانات سياسية صغيرة متنافسة ومتحاسدة هي الكيانات المعروفة تحت اسم "ممالك المدن". ومع أن تلك الممالك كانت تتحد أحياناً لمواجهة خطر داهم مشترك إلا أن مواقفها من الأقوياء المتصارعين كانت تتسم في معظم الحالات بالواقعية التي تفرض المسالمة والمهادنة بل وربما الرياء والنفاق أحياناً.
  • 3- إن سورية تحالفت بين الحين والآخر مع أحد طرفي الصراع وغالباً مع مصر من أجل درء الخطر الزاحف إليها من الشمال أو الشرق. كانت مشدودة سياسياً إلى مصر في حين كانت مشدودة حضارياً إلى بلاد ما بين النهرين.

ثانياً) العصر اليوناني /الروماني:

إن سقوط بابل عام 539 ق م على يد الفرس يعتبر نهاية لعصر هو العصر السامي وبداية لعصر جديدة هو العصر الهندي / الأوروبي. فلقد انقضت أيام الإمبراطورية السامية القديمة ولم تعد إلى الوجود إلا بعد أكثر من ألف عام. برعاية ممثلين جدد هم عرب الجزيرة . أما الفرس الذين بدأت بهم الفترة الهندية – الأوربية فينتسبون إلى الفرع الهندي الإيراني من المجموعة الهندية الأوروبية وقد خلفهم في سيادتهم على العالم السامي اليونان المكدونيون فالرومان فالبيزنطيون وجمعيهم من الهنود الأوربيين. كان النزاع الفارسي اليوناني بالنسبة للعالم القديم المرحلة الأولى في الصراع بين الشرق والغرب. وكانت سورية في قلب ذلك الصراع. وعندما حُسم  الصراع مؤقتاً لصالح اليونان فان المعركة الحاسمة جرت على أبواب سورية في ايسوس عام 333 ق م .ولا أدل على أهمية سورية داخل معادلة الصراع من أن الاسكندر لم يتابع عدوه الفارسي الهارب إلى الشرق بل اندفع باتجاه الجنوب إلى سورية ومصر كي يؤمن السيطرة على البحر وعلى خطوط المواصلات وراءه قبل أن يلتفت إلى مطاردة عدوه في الشرق. وعلى أية حال فان العصر اليوناني – الروماني الذي بدأ باحتلال الاسكندر لسورية عام 333 ق م وانتهى بالفتح العربي الإسلامي لها عام 636 م قد وسم الصراع عليها بالسمات التالية:

  • 1- كانت سورية طيلة ذلك العصر بلداً محتلاً من كافة الاعتبارات من قبل عنصر أجنبي غريب تماماً .وكان ينظر إلى سورية كخط دفاع أمامي في وجه الخطر الفارسي وسواه من الأخطار الآتية من الشرق. علماً بأن تلك الأخطار قد فعلت بالنتيجة فعلها إلى جانب عوامل أخرى في تقويض دعائم السيطرة اليونانية الرومانية على سورية.
  • 2- اتخذ الصراع على سورية في ذلك العصر شكل محاولات حثيثة "لتغريب" سورية عن طريق صبغها بالصبغة الهلينية حضارياً ولغوياً. وبالرغم من أن السوريين كانوا اضعف من أن يقاوموا الاحتلال عسكرياً إلا أنهم قاوموا حضارياً ولغوياً وبضراوة محاولات اقتلاع جذورهم السامية وغرس الهيلينية في تربتهم. والحقيقة أن النصر كان حليف السوريين في تلك المجابهة الحضارية اللغوية. فالهيلينية لم تسد إلا بعد أن اصطبغت بالصبغة السورية السامية وأضحت سورية بالتالي مركز الإشعاع الرئيسي لتلك الحضارة المميزة والمركبة المسماة بالحضارة الهلنستية. أما لغوياً فان اليونانية عجزت عن الانتشار أفقياً وظلت الآرامية لغة التخاطب السائدة.
  • 3- إن مفهوم الدولة "الحاجبة" أو "الحاجزة" وهو مصطلح استراتيجي ينصرف إلى الدولة الضعيفة عسكرياً التي تفصل بين دولتين قويتين متنافستين قد وجد نماذج في سورية زمن العصر اليوناني الروماني في قيام ثلاث دول عربية فصلت بين روما وفارس وهي دولة الأنباط في جنوب سورية ودولة تدمر في شماليها ودولة الغساسنة بينهما. ولقد اشتركت هذه الدول أو الدويلات الثلاث بأوصاف عامة وكانت ترمز في نشوئها وتكوينها إلى أولى المحاولات الهادفة إلى استعادة الطابع السامي انطلاقاً من شبه الجزيرة العربية تلك المحاولات التي كتبت لها الغلبة النهائية بالفتح العربي الإسلامي. 

ثالثاً) العصر العربي الإسلامي:

ويمتد من الفتح العربي لسورية عام 634 م وينتهي بالاحتلال العثماني لها عام 1516 م.

إن الفتح العربي يعتبر من حيث الأهمية التاريخية بمنزلة فتح الاسكندر. وهذان هما الحدثان البارزان في تاريخ الشرق الأدنى السياسي والحضاري قديماً. ففي غضون الألف سنة التي تلت فتوحات الاسكندر كانت الحياة الحضرية في سورية تتحول نحو الغرب عبر البحر وتتسم بطابعه. أما الآن فقد اتجه هذا التحول شرقاً نحو الصحراء. ولم تلبث آخر الصلات بروما وبيزنطية أن انفصمت وحلت محلها صلات جديدة بمكة والمدينة. وكان هذا التحول بالنظرة السطحية ردة إلى القديم غير أنه كان في العمق عودة إلى الينابيع، اذ أن الحضارة العربية الإسلامية كانت بشكل أو بآخر استئنافاً لمسيرة الحضارة السامية القديمة، في حين أن الحضارة اليونانية كانت من هذه الوجهة ظاهرة دخيلة بين حضارتين ساميتين متجانستين. لقد قلب الفتح العربي لسورية معادلة الصراع رأساً على عقب. فبدلاً من أن تكون سورية خطاً أمامياً للدفاع عن بيزنطية في وجه الأخطار المحدقة بهذه الأخيرة من الشرق، اذا بها تنقلب بضربة واحدة إلى خط أمامي دفاعي هجومي في آن واحد لحماية الكيان العربي الوليد من الأخطار المحدقة به من الشمال والغرب. إن العصر العربي الإسلامي في حقبته الأموية قد أتاح لسورية السامية للمرة الأولى في تاريخها أن تتذوق طعم سلطة الدولة المركزية القوية من خلال تحولها إلى مركز الثقل والقرار السياسيين في إمبراطورية واسعة مترامية الأطراف. غير أن سورية لم تسلم مع ذلك خلال تلك الحقبة الزاهية من الصراع بشقيه الخارجي والداخلي. على الصعيد الخارجي فان سورية مثلت كما أسلفنا خطاً أمامياً هجومياً دفاعياً في مواجهة البزنطيين إلى الشمال. والواقع أن التهديد البزنطي استمر لسنوات طويلة يشكل التهديد الخارجي الأخطر شأناً على سورية. أما على الصعيد الداخلي فان النزاعات القبلية التي نقلها العرب معهم اثر الفتح قد أوجدت شروخاً عميقة في المجتمع السوري. لقد قسم العرب بلاد الشام أثر فتحهم لها إلى أربعة أجزاء إدارية عسكرية زادت بعد ذلك إلى خمس. غير أن هذا التقسيم لم يعمر طويلاً واستمر نظرياً فقط. إذ نجم عن الصراع القبلي بين القيسية واليمنية الذي تداخل مع الصراع على الخلافة أن قسمت بلاد الشام فعلياً إلى شمال وجنوب، شمال قيسي وجنوب يمني ولقد دارت أحداث بلاد الشام بشكل رئيسي وعبر مئات السنين حول محورين: شمالي و جنوبي. وفي العصر العباسي تدخلت بغداد بهذا الصراع إلى أن تبلور كيان إسلامي مستقل في مصر شروعاً من الدولة الطولونية وانتهاءً بالخلافة الفاطمية حيث أصبحت سورية ومن خلال تلك الحقبة. ومن جديد مركزاً للتجاذب بين بغداد والقاهرة. ويلاحظ أنه مع نجاح الثورة العباسية وقيام الخلافة الجديدة بدأت تظهر معالم انقسام العالم الإسلامي إلى قسمين: واحد عربي والآخر أعجمي. في القسم العربي ازدادت أهمية ومكانة مصر إلى أن تمكنت من الاستقلال عن جسم الخلافة العباسية عند تأسيس الدولة الطولونية. ولقد سعت مصر منذ ذلك الوقت إلى السيطرة على بلاد الشام واتخاذها خطوطاً دفاعية في العمق لصد الهجمات عنها. ومعروف أن هذا العامل غالباً ما قاد مصر تاريخياً في اتجاه التوسع الإمبراطوري ونجحت مصر الطولونية ومن بعدها الفاطمية في احتلال سورية كلها إنما لفترة وجيزة من الزمن إذ عجزت عن الاحتفاظ بشمال البلاد بسبب البعد الجغرافي من جهة والاحتكاك بالإمبراطورية البيزنطية التي رغبت دوماً من جهة أخرى بقيام دويلة سورية ضعيفة مستقلة أو تحت الحماية في مدينة حلب تقوم بالحجز بينها وبين العالم العربي الإسلامي. يضاف إلى ذلك موقف الخلافة العباسية في بغداد الرافض في الأساس لأي تمدد مصري باتجاه سورية. إن التحدي المصري لبلاد الشام وجد الرد عليه في تأسيس الدولة الحمدانية وفي محاولاتها توحيد سورية تحت سلطانها. غير أن النفوذ البيزنطي إلى الشمال وكانت بيزنطية حينذاك في ذروة قوتها لم يفسح في المجال لأية عملية توحيد إذ تمكن البزنطييون من احتلال حلب ومنطقة الثغور بكاملها فضلاً عن أجزاء من الساحل وسقطت الدولة الحمدانية وحلت محلها الدولة المرداسية في حين احتفظت مصر طيلة الحكم الفاطمي بجنوب سورية ولو أن هذا الحكم لم يتمكن من تثبيت أركانه بشكل كامل في بلاد الشام. وفي نهاية القرن الحادي عشر القرن الذي شهد وصول الصليبيين إلى مشارف الشام فان سورية والعالم العربي بأجمعه كان يعيش حالة من الفوضى السياسية والاقتصادية والعقائدية. فقد كان هنالك خلافتان واحدة في بغداد وثانية في القاهرة وكانتا في صراع دائم ونزاع عقائدي متواصل. كانت سورية مجزأة في ذلك الوقت إلى دويلات ضعيفة وكانت أجزاء من الشمال والساحل قد عادت إلى الإدارة البيزنطية المتمركزة في انطاكية. بينما كانت دمشق وفلسطين تحت الحكم الفاطمي المتأرجح. وبالرغم من التمزق السياسي فان سورية عرفت في تلك الحقبة نوعاً من الرفاه والازدهار والتقدم الثقافي والاقتصادي إن الحدث الهام الذي رافق بداية الحملات الصليبية هو تأسيس السلطنة التركية السلجوقية وانزياح القبائل التركية باتجاه سورية بعد أن اجتازت إيران والعراق والحق شمال سورية بالدولة السلجوقية ولكن ليس تحت إدارة مركزية واحدة وإنما تحت عدة إدارات إقطاعية. أما الجنوب فقد استمر مسيطراً عليه من الفاطميين. إن قدوم الصليبيين واحتلالهم لسوريه أدى إلى إعادة تقسيم البلاد وفق أسس جديدة. ولقد كانت سورية خلال الحروب الصلبية ساحة الاحتكاك الرئيسية بين الشرق الإسلامي والغرب المسيحي. وكانت عواقب الحملات الصليبية على سورية مفجعة إذ أنها استنزفت خيرات وقوى البلد وخلفت آثاراً عميقة الغور على الصعد الاقتصادية والاجتماعية والدينية كافة وباختصار فان بالإمكان تحديد الخصائص البارزة والأساسية للحقبة العربية الإسلامية من حيث انعكاسها على الوضع السوري بما يلي:

  • 1- إن سورية أكدت ذاتها بالكامل للمرة الأولى في تاريخها من خلال تصديها في الحقبة الأموية لقيادة العالم العربي والإسلامي ولقد مارست سوريا قيادتها تحت راية الإسلام العربي وليس الإسلام الأعجمي وهي حالة لم تتكرر منذ ذلك الوقت.
  • 2- إن سورية كانت ساحة الصراع الرئيسية في المجابهات الحاسمة مع قوى الخارج. تحملت بمفردها طيلة عقود طويلة عبء المواجهة مع الإمبراطورية البيزنطية العدو التقليدي إلى الشمال . وتحملت بمفردها تقريباً عبء الاجتياح والاحتلال الصليبي والنتائج المدمرة التي ترتبت عليه. كما أنه على أرضها جرت المعارك الحاسمة في التاريخ العربي الإسلامي. على أرضها جرت بالتسلسل الزمني معارك اليرموك وحطين وعين جالوت وكانت جميعها  حاسمة في كافة الوجوه والاعتبارات.
  • 3- مع سقوط الخلافة الأموية وقيام الخلافة العباسية تحول مركز الثقل السياسي إلى الشرق إلى بغداد وأصبحت سورية في الحقبة الأولى من الحكم العباسي مجرد إقليم تابع لبغداد.
  • 4- سرعان ما استؤنفت لعبة الصراع التقليدية بين وادي النيل ووادي الرافدين للسيطرة على سورية ولم يكن تقاسم سورية المتكرر بين طرفي الصراع تعبيراً عن توازن القوى بينهما بقدر ما كان تعبيراً عن العودة إلى الانكماش السوري التقليدي بعد الزخم القصير الأجل الذي أطلقته الحقبة الأموية.
  • 5- لقد أحدث الاجتياح الخارجي إضافة إلى الصراعات والانقسامات الداخلية شروخاً عميقة في الجسم السوري هيأت للاحتلال العثماني لسورية في عام 1516م.
  • 6- كان الاحتلال العثماني لسورية وبقية أجزاء العالم العربي تكريساً للهيمنة الأعجمية على مقدرات الأمة العربية في الشكل والمضمون بعد أن كانت هذه الهيمنة مكرسة أصلاً في المضمون دون الشكل منذ نهايات الخلافة العباسية مع بعض الطموحات العابرة. وكانت الحقبة العثمانية فترة ركود للصراع أملاه الركود العام الذي خيم على سورية والعالم العربي طيلة الأربعمائة سنة التي استغرقتها تلك الحقبة.

تبقى أخيراً الاجابةً على السؤال التالي: لماذا الصراع على سورية؟

إن الصراع على سورية يستند في الواقع إلى خلفية ثابتة مما دعوناه بالجغرافيا السياسية السورية. والمقصود بالجغرافيا السياسية الموقع الجغرافي وشكل الأرض اللذان يكيفان الأحداث التاريخية ويحددان مسارها على الصعيدين الخارجي والداخلي.

أولاً : الموقع الجغرافي:

إن أهمية موقع سورية الجغرافي قد تمثلت دوماً ومنذ أقدم العصور في ظاهرتين بارزتين كان لهما أبلغ الأثر في تكييف شكل الأحداث التي تعرضت لها سورية عبر تاريخها الطويل: ظاهرة الطريق الدولية وظاهرة الممر أو الجسر. بالنسبة للظاهرة الأولى فان سوريا بلد مكشوف على الخارج و اتصالها بالعالم الخارجي كان سهلاً ومؤمناً باستمرار وذلك بواسطة طريق التجارة الدولية العظيم. مما عرضها بشكل دائم لتأثيرات خارجية متضاربة ومتصارعة. ويمكن تتبع هذا الطريق الدولي من بدايته في دلتا النيل وعلى ساحل سيناء حيث يتفرع منه فرع يذهب إلى مناجم النحاس والفيروز في شبه جزيرة العرب والى أراضي البخور في جنوبها، بينما يتابع الطريق الرئيسي سيره متحولاً نحو الشمال باتجاه الساحل الفلسطيني إلى أن يبلغ الكرمل على مسافة من البحر. وهنا يتفرع أيضاً إلى طريقين الواحد إلى الساحل فيسير بمحاذاته ماراً بكافة الموانئ السورية بينما يسير الآخر إلى الداخل فيجتاز سهل مرج ابن عامر ويعبر الأردن في واديه الشمالي ثم يتجه مباشرة إلى دمشق في الشمال الشرقي، ويتفرع من هنا طريق يعبر بادية الشام متخذاً من تدمر محطة رئيسية له حيث يربط سورية مع بلاد الرافدين. أما الطريق الرئيسية فيتجه من دمشق نحو الغرب ويعبر لبنان الشرقي بواسطة ممر الزبداني ويصعد من ثم شمالاً عبر سورية المجوفة محاذياً لنهر العاصي. وعند قادش القديمة يتفرع منه فرع باتجاه الغرب يتصل بالبحر المتوسط بواسطة وادي النهر الكبير الجنوبي. أما الطريق الرئيسي فيتابع سيره باتجاه الشمال لكي ينبثق عنه فرعان: أحدهما باتجاه البحر عبر بوابات الأمانوس والآخر باتجاه آسيا الصغرى عبر بوابات كيليكية، في حين أن الطريق الرئيسي يتحول إلى الشرق بطريق الجسر السوري نحو الفرات ومن هناك نحو الدجلة وجنوباً الى الخليج العربي. لقد سلكته هذا الطريق الدولي حمولات العاج والذهب من أفريقيا والمر والبخور والتوابل من الهند وجنوب جزيرة العرب والحرير من آسيا الوسطى والصين والقمح والأخشاب من سهول سورية وجبالها. كما سلكت أيضاً حمولات لا تقدر بثمن من الأفكار والثقافات. غير أنه إلى جانب الحمولات التجارية والحضارية فان أفواجاً متتابعة من الغزاة والفاتحين سلكته أيضاً. ان سرجون الاكادي ورعمسيس المصري وسنحاريب الآشوري ونبوخذ نصر الكلداني والاسكندر الاغريقي وبومبي الروماني ونابوليون الفرنسي وأللنبي البريطاني قد سلكوا جميعاً أجزاءً من هذا الطريق الدولي. أما بالنسبة لظاهرة الممر السوري أو الجسر السوري فمن الملاحظ أن الأراضي الواقعة بين خليج الاسكندرون حيث يحدث البحر أعظم فجوة في البر وبين منحنى الفرات على مسافة نحو 150كم تشكل ممراً طبيعياً بين الساحل وبلاد الرافدين. والممرات لها دوماً أهميتها الإستراتيجية الكبرى. ففي هذه المنطقة يتحول الحاجز الجبلي في الشمال والغرب والحاجز الصحراوي في الجنوب إلى ممر واحد منخفض يؤدي إلى وادي من جهة هو وادي الفرات والى بحر من جهة هو البحر الأبيض المتوسط. لذلك فقد سمي بالممر السوري أو الجسر السوري. وحيث أن الممر المذكور يقع في سفح جبال طوروس فقد سمي أحياناً بالسفح. والحقيقة أنه يشكل المرحلة الأخيرة من خط المواصلات الذي يبدأ عند الخليج العربي ويصعد دجلة حتى نينوى ثم يتجه غرباً إلى الموانئ السورية وفي هذا السهل العظيم بزغ فجر التاريخ السوري المتواصل وكان أول ممثليه الساميين هم الأموريون. ومنذ ذلك الوقت حاول البابليون والمصريون والآشوريون والكلدانيون والفرس والمكدونيون كل بدوره السيطرة عليه كمنطقة انتقال أو ما يسمى بالمصطلح الاستراتيجي اليوم نقطة قفز للسيطرة على الممالك والإمبراطوريات المجاورة.

ثانياً : طبيعة الأرض السورية أو طبغرافية سوريا:

إن الصفة البارزة للطبوغرافيا السورية هي تناوب الأراضي المنخفضة فالأراضي المرتفعة بحيث تحاذي بعضها بعضاً وتتجه من الشمال إلى الجنوب ويمكن تمييز سلسة من خمس مناطق طولانية من هذا القبيل بين البحر والبادية بدءاً من سواحل البحر الأبيض المتوسط حيث نلاحظ بعدها وجود شريط ساحلي ضيق ثم سلسلة من الجبال الحاجزة وقامت خلف الجبال منطقة قلب سورية حيث وديان الأنهار الكبيرة وعلى أطراف هذه الوديان تأتي السهول شبه الصحراوية. وبذلك فان الأرض السورية تفتقر إلى التجانس وهي مجموع لمناطق مختلفة انعكس في خليط من السكان والجماعات العرقية والمذاهب الدينية. وقد تقطع سطح الأرض بحيث أن طبيعة هيئتها لم توجد في أي مكان بيئة تتسع اتساعاً كافياً لنشوء دولة قوية شاملة. بل إن البيئة الطبيعية قد أدت ضمن شروط الحياة في الماضي إلى قيام عدة أنماط اجتماعية مع بعض التفاوت الحضاري والتباين العقائدي والسياسي فهناك من حيث المبدأ شمال وجنوب، الشمال أغنى بالأحداث التاريخية وبالتالي أقل استقراراً، والجنوب أكثر استقراراً وأكثر حضارة. ثم هناك النمط الساحلي المتوسطي ونمط الأقليات المنكفئة إلى الجبال الوعرة المنيعة ونمط المجتمعات الزراعية والصناعية والتجارية المجوفة وهي قلب سورية وبعد ذلك نمط المجتمع البدوي القبلي غير المستقر لسكان البادية والسهول شبه الصحراوية. إن وجود هذه الأنماط المختلفة جنباً الى جنب قد أدى الى افتقار سورية في كثير من الأحيان الى الوحدة السياسية وأفرز تمايزاً اجتماعياً وحضارياً وعقائدياً فهذه البلاد غالباً ما كانت في الماضي مسرحاً تلتقي عليه القوى الدولية كي تتصارع وتتلاقح وتتمازج لذلك امتاز تاريخ سورية بخصوصية جعلت منه تاريخاً مصغراً للعالم القديم إذ على أرض سورية تفاعلت أكبر أحداث التاريخ الإنساني وأعظمها وقعاً واستمرارية من حيث النتائج. فهل نستغرب بعد هذا أن تكون سورية أرض الصراع الدائم؟

                                                       صفوان الزين

                                                      محاضرة ألقيت بتاريخ 2/01/1989

                                                      بدعوة من اللجنة الثقافية لجمعية العاديات باللاذقية